كنتُ قد خرجتُ لتوّي من اجتماع الشَّمال بعد أن سُحِبتُ إليه وأنا أُعامَل من قِبَل إيدن كأنّي بنكُ أفكارٍ متدفّق.
وبخلاف الماضي، لم يبدُ النُّبلاء الحاضرون، وعلى رأسهم الكونت سرويل، وكأنّهم يُكنّون لي العداء نفسه.
فهم على الأقلّ لم يعودوا يفتعلون اعتراضاتٍ عبثيّة كما في السّابق.
بالطبع، ما زال تصرّفهم أقرب إلى تصرّفات المتحجّرين.
“همم، لا أرى سببًا لإنفاق المال على أمرٍ كهٰذا!”
“صحيح. لدينا أصلًا الكثير من النفقات، فلماذا نُجهد أنفسنا في تنظيف النُّفايات؟”
“إهدارٌ للوقت!”
“بدلًا من ذٰلك، أليس من الأفضل بناء منشآتٍ سياحيّة جديدة؟ أو حتّى كازينو؟”
لكنّ الشَّمال لا يحتاج إلى منشآتٍ سياحيّة جديدة.
فالمنشآت السياحيّة كانت كافية أصلًا.
وإن أردنا جذب مزيدٍ من الزوّار، فيجب أوّلًا تحسين الطُّرق الّتي يسلكونها.
أشار كريستن إليَّ بنظرةٍ خفيّة.
تنحنحتُ وفتحتُ فمي.
“أوّل فائدةٍ واضحة هي تحسين البيئة الحضريّة.
ستصبح الشَّوارع أنظف، أليس كذلك؟ وحينها سيبدو المنظر أجمل في عيون السيّاح. سمعتُ أنّ الشَّمال يُحقّق نجاحًا لا بأس به في السِّياحة، والمناظر النَّظيفة ستُسهم في تعزيز ذلك.”
“لكنّ الأمور تسير جيّدًا أصلًا، فلماذا نُنفق المال بلا داعٍ؟ الأفضل استثماره في الأماكن النّاجحة أصلًا……!”
“حسنًا، النُّقطة الثّانية هي الصِّحّة العامّة. النُّفايات تُنتِج صراصير وجرذانًا وبراغيث، وهذه تنقل الأمراض.
وقد سمعتُ أنّ أحد الأوبئة الّتي انتشرت قديمًا في الإمبراطوريّة كان مصدره الجرذان.
وقد مات كثيرون بسبب ذلك. تنظيف النُّفايات والحفاظ على نظافة الشَّوارع سيُقلِّل أعداد الجرذان بشكلٍ واضح.”
“همم! وهل هٰذا مُثبَت علميًّا؟”
عندما لا يجدون ما يقولونه، يبدؤون بالتقاط مثل هٰذه الثَّغرات.
لكنّي كنتُ مستعدّة.
“نَعَم. توقّعتُ هٰذا السُّؤال، لذا بحثتُ عنه مُسبقًا.
رتّبتُ المستندات أمامكم، ويمكنكم الاطّلاع عليها.
هل تسمحون لي بمتابعة الشَّرح؟”
قلّب أحد النُّبلاء الأوراق قليلًا، ثمّ تنحنح وصرف نظره.
“همم.”
“ثالثًا، من خلال إعادة التدوير يمكننا جمع معادن كالحديد والفلزّات، ممّا يُفيد الاقتصاد المحلّي. إذ يمكن صهر الخُردة وصناعة منتجاتٍ جديدة.”
عدّدتُ بعدها أسبابًا كثيرة لضرورة إزالة النُّفايات.
لم أكن أشرح سوى معارف بديهيّة لأيّ شخصٍ عاش في كوريا، ومع ذٰلك كانوا ينظرون إليَّ بدهشة.
أن أُصبِح شخصًا كفؤًا بهٰذه الطَّريقة؟
ليس سيّئًا.
بل رائع.
كنتُ أشعر بأنّ نظراتهم إليَّ تتغيّر شيئًا فشيئًا.
وأن أكون شخصًا ضروريًّا هنا، كان هدفي منذ البداية.
“أرى أنّ اقتراح الآنسة رويلا جيّد. ما رأيكم؟”
“لكن ماذا عن الميزانيّة…….”
“أليست هناك أموال فائضة بعد زيادة الإنتاج في المحاجر؟ ألن تكفي؟”
“بلى، يا صاحبَ السُّموّ.”
وأخيرًا، خضع جميع النُّبلاء.
هل سأرى أخيرًا شوارع نظيفة؟
كان كلّ شيءٍ رائعًا، باستثناء الرائحة.
فالنُّفايات، حين تتراكم، لا بُدّ أن تُصدِر رائحةً كريهة.
وتبادلوا أحاديث كثيرة بعدها.
ومن ضمنها تحديد مكان تدريب فرسان الشَّمال.
اختير المكان من بين قائمةٍ أعدّها إيدن، وبعد النِّقاش استقرّ الرأي على جبالٍ ثلجيّة تعيش فيها كائناتٌ ضعيفة نسبيًّا.
كان الجوّ باردًا لدرجة أنّ الثَّلج لا يذوب هناك، وكانت تعيش فيها وحوش مناسبة للتّدريب.
قيل إنّ ذئاب الثَّلج هي الأقوى بينها.
ويبدو أنّ ذلك مناسب للتّدريب.
وهكذا، اضطررتُ إلى تأجيل الوجبة الخفيفة الّتي وعدتُ بها هيوتان.
فالتّدريب يستمرّ عادةً شهرًا كاملًا.
“همم، والبند الأخير.”
رفع رجلٌ يبدو مريضًا يده بتردّد.
كونه انتظر حتّى الآن دون أن يتكلّم كان دليلًا على ضعف نفوذ عائلته.
توجّهت الأنظار إليه.
“آه، وصلتنا صباح اليوم رسالة رسميّة من القصر الإمبراطوريّ عبر مكتب البرقيّات.
وبما أنّ هناك اجتماعًا اليوم، انتظرتُ لنقلها الآن. أرجو المعذرة على تأخّري، يا صاحبَ السُّموّ.”
قطّب كريستن حاجبيه واستقام في جلسته.
“وما الأمر هذه المرّة؟ هل عادوا يُلحّون على الزَّواج؟ أم يطالبونني بإنجاب طفل؟ بما أنّك لم تُبلِغني فورًا، فلا بُدّ أنّه ليس أمرًا طارئًا. تكلّم.”
كما في الرِّواية الأصليّة، كان الإمبراطور هنا شخصًا عاقلًا على نحوٍ غريب.
لكنّه كان قَلِقًا بشأن مسألة وريث الشَّمال.
فكريستن يُبعِد النِّساء عنه، ويُبعِد الأطفال أكثر.
لذا ألحّوا عليه بالزَّواج.
وكان ذٰلك يُحلّ فور ظهور البطلة.
بل وذُكِر في القصص الجانبيّة أنّ طفلًا وُلِد لاحقًا.
وكان هناك من شكّك في قدرة البطل الإنجابيّة، لكنّي أستطيع الجزم بأنّ ذلك غير صحيح.
على أيّ حال، حينها لن أكون هنا أصلًا.
“لـ، لا. هذه المرّة أمرٌ مختلف.”
“قُل.”
“……قيل إنّ الأمير تشايس سيزور الشَّمال قريبًا. وطُلب من حاكم الشَّمال استقباله بترحاب.”
“أهذا كلّ شيء؟”
قال كريستن ببرود.
ابتلعتُ ريقي وتفقّدتُ الأجواء.
في هٰذا التّوقيت…… زيارة الأمير تشايس لا تعني سوى شيءٍ واحد.
ذلك الشَّخص قادم.
رينترو أكرَاسيا.
قريب كريستن الأصغر.
ابن عمّه الّذي كان عديم الكفاءة، شهوانيًّا، ويُلِحّ على تبنّي ابنه.
يبدو أنّه سيُربِك الشَّمال لفترة.
بل إنّ هٰذا يعني أيضًا أنّ البطلة ستأتي قريبًا، أليس كذلك؟
هل ستأتي فعلًا؟
بل لا بُدّ أن تأتي.
ما الّذي أفكّر فيه؟ البطلة لديها الكثير لتفعله.
كانت أكثر توافقًا من رويلا، وقادرة على شفاء كريستن بالكامل.
ومع ذٰلك…… أشعر بشيءٍ من الأسف.
لماذا؟
بسبب ذهاب عملي الأخرُ؟
ما هذه الأفكار؟
“……هل سيأتي وحده؟”
سأل كريستن بصوتٍ بارد.
ساد الصَّمت القاعة.
أغلق النُّبلاء أفواههم وتبادلوا النَّظرات.
“سيُرافقه رينترو أكرَاسيا وابنه.”
“يا للوقاحة.”
“عديمو الحياء.”
تناثرت التَّنهيدات.
فوالد رينترو، أي عمّ كريستن، كان قد نُفِي من الشَّمال بعد تورّطه في تهريب المخدّرات.
بل وقبل نفيه، حاول تسميم طعام الدوق السّابق، وفُقِدت إحدى عينيه بسبب ذلك.
وبسبب عماه الجزئيّ، قُتِل لاحقًا في معركةٍ ضدّ الوحوش.
الجميع مصدومون، لكنّ أكثر من كان غاضبًا الآن……
“يبدو أنّهم فقدوا صوابهم. هل ينوي القصر الإمبراطوريّ دعم ذٰلك الرَّجل فعلًا؟”
التعليقات لهذا الفصل " 22"