“تُحسِنون اختيار البضائع. هٰذا المنتج يَستَحِقّ ثمنه فعلًا. كما أنّ الورشة لم تُنتِج منه سوى ثلاث آلات فقط. إحداها! هي هٰذه الّتي أمامكم الآن. والأُخرى ذهبت هذه المرّة إلى سموّ وليّ العهد.”
حقًّا، تسويق القصر الإمبراطوريّ.
وعلى أيّ حال، من الواضح أنّه منتجٌ ممتاز.
“أيعجبكِ؟”
“نَعَم، يا صاحبَ السُّموّ! أُعجِبَتني كثيرًا!”
كان شعورًا يكاد يُبكيني.
حتّى إنّي تساءلت إن كنتُ بهذه الدرجة من حبّ الاقتناء.
أنا في العادة لا أتأثّر بسهولة، لكنّ الأمر أشبه بالانتقال المفاجئ من هاتفٍ قديم إلى هاتفٍ ذكيّ.
“إذًا، لفّها.”
وصاحبُ عملي لم يسأل حتّى عن السِّعر.
* * *
في هٰذا الوقت.
وعلى عكس الشَّمال الهادئ، كانت العاصمة أشبه بساحة حرب.
حدّق الأمير تشيس في الرَّجل الواقف أمامه بنظرةٍ ضاقَ بها صدره.
وبسبب تشابُهِ ملامحهما، كان من الصعب التمييز بينهما، لكنّ هناك فرقًا واحدًا واضحًا: الشَّخصيّة.
وليّ العهد باردٌ ولا مُبالٍ، أمّا تشيس فكان أكثر إنسانيّة.
وبعبارةٍ أبسط، شخصًا يمكن التفاهم معه.
ولأنّ العلاقة بين الأمير تشيس ووليّ العهد كانت وطيدة، فقد كان كثيرون يلجؤون إليه عند الحاجة إلى المرور عبر القصر الإمبراطوريّ.
وكان رينترو أكرَاسيا، الّذي حضر الآن، واحدًا منهم.
وهو ابنُ عمّ كريستن الأصغر.
“لا بُدّ أن تمنحني دعمك، يا صاحبَ السُّموّ. كما تعلم، قد لا يتمكّن كريستن من إنجاب وريث.
يُقال إنّه وجد شخصًا مناسبًا، لكنّها مجرّد إشاعة.
لا أحد يعلم حقيقة وضعه الجسديّ الآن، أليس كذلك؟ وماذا لو قُتِل في معركة؟!
أرجوك، ساعدني على إدخال ابني كابنٍ بالتبنّي لكريستن! هٰذا من أجل الشَّمال والإمبراطوريّة!”
“هاه…….”
تنفّس الأمير تشيس بعمق.
‘كم هو مُزعِج.’
مع ذٰلك، لم تكن كلّ كلمات رينترو بلا منطق.
فمرض إدمان السِّحر الّذي يُعاني منه الدوق كريستن كان معروفًا حتّى في القصر الإمبراطوريّ.
وكان الإمبراطور قَلِقًا بشأنه أيضًا.
وقد أَمَر كريستن بالزَّواج سريعًا لإنجاب وريث، لكنّه قوبِل بالرَّفض.
بل قال إنّهم يتعاملون معه كفحلٍ مريض.
وبعد أن قال ذٰلك أمام الإمبراطور، لم يعد هناك ما يُقال.
ومع ذٰلك، ظلّ كريستن يحمي حياته كما تفاخر دائمًا.
لكن بقاء الشَّمال على هٰذه الحال كان مُقلِقًا فعلًا.
ضغط تشيس على جبهته.
“إذًا، اذهب وتحدّث مع كريستن بنفسك. لا أفهم لِمَ تأتي إليَّ.”
“كما تعلم، كريستن شخصٌ لا يُجيد الإصغاء. لا يُردّد إلّا أنّ الشَّمال آمن. لا بُدّ أن يرى أنّ القصر الإمبراطوريّ يُؤيّدني حتّى يفهم. أرجوك، يا صاحبَ السُّموّ.”
“أتريدني أن أذهب معك إلى الشَّمال؟”
“نَعَم، هٰذا صحيح. عندها سيسرّ الإمبراطور كثيرًا.”
تنفّس تشيس مرّةً أُخرى.
بغضّ النَّظر عن نوايا رينترو، فإنّ القلق على الشَّمال كان حقيقيًّا.
كما أنّ الإمبراطور كان قَلِقًا من تدهور حالة كريستن الجسديّة.
وكان من المثير للفضول معرفة مدى كفاءة ذلك ‘المرافقِ’ الّذي زُعِم أنّه وُجِد.
‘يبدو أنّه لا مفرّ من التحقّق بنفسي.’
حتّى وليّ العهد، الّذي يستعدّ حاليًّا للتنازل عن العرش، لم يُخفِ قلقه.
لذلك، كان من المنطقيّ أن يذهب تشيس بنفسه للمساعدة في استقرار الشَّمال.
هٰذا هو دور تشيس، ظلّ وليّ العهد.
سدّ حاجات الإمبراطوريّة الخفيّة.
نظر تشيس إلى رينترو بطرف عينه.
“إذًا، ماذا ستُقدّم لي بالمقابل؟”
“……أيّ شيءٍ تطلبه، يا صاحبَ السُّموّ! حتّى لو أمرتني بتقديم أراضي الشَّمال!”
قالها وكأنّه صاحب الشَّمال بالفعل.
ضحك تشيس بسخريةٍ خفيفة.
“سنتحدّث عن المقابل لاحقًا. اذهب واستعدّ. سنغادر خلال أسبوع.”
“شكرًا جزيلًا!”
راقب تشيس ظهر رينترو وهو يغادر، ونقر لسانه بضيق.
رينترو يخشى كريستن.
‘لكنّ طمعه أكبر من خوفه.’
على أيّ حال، قرّر أن يُؤجِّل الحكم إلى ما بعد وصوله إلى الشَّمال.
* * *
وجود معدّاتٍ جيّدة يجعل الأفكار تتدفّق، ويزيد من كفاءة العمل.
ولعلّ سبب سعادتي بطريق العمل صباح الاثنين هو آلة الطباعة الجديدة.
حيّيتُ الجميع بمرح، وجلستُ أمام آلة الطباعة.
لم يكن في المكتب سوى إيدن.
أين ذهب كريستن؟
لم يكن في غرفة نومه أيضًا.
الآن أنا أعمل هنا فعلًا.
مكتبٌ جديد، وكرسيّ جديد، وآلة طباعة جديدة.
“تبدو آلة الطباعة الجديدة رائعة حقًّا، يا آنسة رويلا.”
“نَعَم، إنّها رائعة فعلًا! كانت السّابقة جيّدة، لكنّ هٰذه أفضل. أنا ممتنّة جدًّا لصاحب السُّموّ.”
“هاهاها، لم أتوقّع أن يهتمّ الدوق إلى هٰذا الحدّ. لم أتلقَّ منه قلمًا واحدًا حتّى الآن.”
“هاه؟”
“لا شيء، لا تهتمّي. كانت مزحة فقط. على أيّ حال، كيف كان خروجكِ بالأمس؟ كان يوم تشغيل النَّافورة لأوّل مرّة. قال إنّه أراد أن يُريكِ إيّاها.”
لم أسمع هٰذا من قبل.
إذًا كان الأوّل.
تذكّرتُ النَّافورة الّتي رأيتها بالأمس.
كانت جميلة فعلًا.
كما أدهشني قرار عائلة الدوق بإخراج قطعةٍ أثريّة قديمة إلى السّاحة العامّة.
“كان المشهد رائعًا. شعرتُ بالفخر لأنّ الأعمال تسير جيّدًا.”
“أليس كذلك؟ كلّ ذٰلك بفضل الحجر الّذي رميتهِ أنتِ. الضّفدع السّيّئ انتهى، ودخل ضفدعٌ نافع.”
كان يقصد جايمن على الأرجح.
ابتسمتُ موافقة، ثمّ سأل إيدن:
“وهل كان هناك شيءٌ آخر؟”
“آه، أُم…….”
في الحقيقة، كانت هناك فكرة أُخرى.
لاحظ إيدن تعابير وجهي وسأل مجدّدًا:
“قولي ما تشائين. أيّ شيءٍ سيكون مفيدًا للشَّمال.”
“لا…… تمّ إصلاح الطُّرق، وتثبيت النَّافورة، لكنّي شعرتُ أنّ الشَّوارع ما زالت غير نظيفة. ربّما معالجة النُّفايات غير كافية…….”
“نُفايات…… معالجة؟”
“نَعَم.”
“حاليًّا، يتمّ حرق النُّفايات في محارق خاصّة بكلّ منزل أو…… فهمت. إنّها متناثرة في الشَّوارع.”
“بالضبط. فكّرتُ أنّ جمعها في مكانٍ واحد ومعالجتها قد يكون أفضل. يمكن فرز القابل لإعادة التدوير، وحرق أو دفن غير القابل. ففي النّهاية، كلّ شيءٍ سيتحلّل…….”
التعليقات لهذا الفصل " 21"