بينما كنتُ أرى كريستن يصعد إلى الطابق الثاني، أخرجتُ الهديّة من داخل الظرف.
كنتُ أنوي الرّاحة، لكنّ الهديّة ظلّت تشغل بالي، فخرجتُ بها كما هي.
فعلى أيّ حال، أهلُ هذا القصر يعملون في عطلة نهاية الأسبوع منذ زمنٍ طويل، وليس الأمر جديدًا عليهم.
وكما توقّعتُ، ما إن خرجتُ تقريبًا من الغرفة حتّى صادفتُ إيدن.
قال إنّه كان عائدًا بعد التحقّق من أعمال صيانة الطّريق.
وبينما كنتُ أتحدّث مع إيدن عن الطّريق، ظهر كريستن أيضًا.
“هل حقًّا اشتريتِ لي هديّةً أنا أيضًا؟”
هززتُ رأسي موافقةً.
أليس هذا أمرًا بديهيًّا؟
اشتريتُها بعد قبّعة السّيدة روزيت، وكانت ثاني أغلى شيء.
ولو طُلب منّي اختيار شخصٍ أنا ممتنّة له أكثر من غيره، أفلا يكون كريستن؟
راتبٌ مرتفع، ومسكن، وثلاث وجبات يوميًّا.
أين تجد مديرًا كهذا؟
لهذا أنفقتُ بسخاءٍ من أجل كريستن.
“نعم سموكََ. صحيحٌ أنّها هديّة متواضعة، ولا أعلم إن كانت تليق بمقامكَ، لكنّني اخترتُ أفضل ما أستطيع ضمن إمكانيّاتي.”
أخرجتُ القفّازات من الظرف.
كنتُ أشعر بالأسف تجاه هيوتان، لكنّ هذه كانت أغلى بثلاثة أضعاف من قفّازاته.
فمثلاً إن كانت قفّازات هيوتان بسعر إكرا واحدة، فهذه بثلاث إكرا، من فئةٍ فاخرة.
وفوق ذلك، كانت هناك أحجارٌ صغيرة مرصّعة عند المشبك، وإن كانت زهيدة الثّمن.
كما أنّها مزخرفةٌ بخيوطٍ ذهبيّة أنيقة.
حقًّا، لا فرقَ دون إنفاق المال.
أتمنّى أن تعجب كريستن.
“…إنّها أفضل.”
“نعم؟”
ما الذي يعنيه؟
هل يقصد أنّها أفضل من القفّازات التي يملكها؟
هل هذا معقول؟
أيعقل أن يستخدم الدوقٌ شيئًا رخيصًا؟
قد تكون غاليةً بالنّسبة لي، لكن لا بدّ أنّها ليست كذلك بالنّسبة له.
“سمعتُ أنّ الهديّة تحمل في طيّاتها المشاعر.
وكلّما ارتفع ثمنها، كان القلب الموضوع فيها أكبر. أليس كذلك، إيدن؟”
“ليس الثّمن كلّ شيء، لكن في الغالب يكون كذلك… لأنّ المرء يختار الغالي بعنايةٍ أكبر.”
عند إجابة إيدن، أومأ كريستن برأسه.
لم أفهم مقصده تمامًا، لكن بدا أنّه راضٍ، وهذا أمرٌ مريح.
فالهديّة تتألّق أكثر حين يرضى بها متلقّيها.
ولعلّ هذا سبب لمعان القفّازات في يد كريستن الآن.
ابتسم كريستن ابتسامةً خفيفة وقال لي.
“شكرًا لكِ، سأستخدمها جيّدًا.”
“قدّمتُها على أمل أن نعمل معًا على خير وجهٍ من الآن فصاعدًا. إن استخدمتها، فسأسعد أنا أيضًا!”
“يبدو أنّكِ اشتريتِ الكثير من الهدايا.”
“نعم! بما أنّني أصبحتُ مساعدة سموّكَ، أردتُ أن أجهّز هدايا للأشخاص الذين أنا ممتنّة لهم. اشتريتُ حبرًا لجايمن، وسأعطيه إيّاه عندما ألتقيه لاحقًا.”
“وهل اشتريتِ شيئًا للسّيدة روزيت أيضًا؟”
“بالطّبع! اشتريتُ لها قبّعة. لم أكن أعرف ذوقها، لذا اخترتُ شيئًا فخمًا قدر الإمكان. أتمنّى أن يعجبها.”
قلتُ ذلك بنبرةٍ متحمّسة قليلًا.
جميع الهدايا التي قدّمتُها حتّى الآن كانت ناجحة.
رغم ألم المحفظة، إلا أنّ المال صُرف في مكانه.
“ستفرح. كما فرحتُ أنا.”
“هذا يطمئنني.”
عندما رأيتُ كريستن يتفحّص يده بالقفّازات من كلّ زاوية، ابتسمتُ على اتّساع.
يبدو أنّ الهديّة أعجبته حقًّا.
كان من الصّواب أن أسأل هيوتان عن مقاس قفّازات كريستن.
إنّ السّخاء ينبع من الرّاتب السّخيّ.
أتمنّى أن يظلّ كريستن ربّ عملٍ كريمًا وغنيًّا إلى الأبد.
“أرجو أن نعمل معًا على خير وجهٍ من الآن فصاعدًا، يا إيدن! وسموّكَ أيضًا. سأبذل قصارى جهدي!”
“أكثر ممّا تفعلين الآن؟ هيا يا رويلا، لا تُجهدي نفسك. أنتِ رائعة بالفعل.”
وفي تلك اللحظة، فتح كريستن فمه بعد أن ظلّ يحرّك يده بالقفّازات بصمت.
“على ذكر ذلك، بفضلكِ تمكّنا من حماية المخازن، ولم أشكركِ حتّى الآن.”
“لا داعي لذلك، يا سموّك. كان هذا من واجبي. يسعدني أنّني كنتُ عونًا.”
سأواصل بذل أقصى جهدي من أجل ازدهار المؤسّسة!
كلّ ما أرجوه هو أن تصل مشاعر ولائي، المحشوّة داخل تلك القفّازات كالكعك، كما ينبغي…هل يوجد كعك في المطبخ الآن يا ترى؟..
* * *
أشرق صباح يوم الأحد في اليوم التّالي.
في مثل هذا اليوم، كان كريستن عادةً يتدرّب، أو يقضي وقته الخاصّ، أو يتفقّد الإقليم.
فهناك أمورٌ لا تُدرك إلّا بالرّؤية المباشرة.
لكنّ هذا اليوم كان مختلفًا.
“رويلا.”
عند مناداة كريستن، نزلت رويلا إلى الطابق الأوّل وابتسمت له ابتسامةً خفيفة.
“سمعتُ أنّكم طلبتني. قلتمإنّ هناك مكانًا نذهب إليه.”
“رأيتُ أنّ الذّهاب بنفسي أفضل. كان لديّ أمرٌ أنوي فعله اليوم، فهل أزعجتكِ؟”
“أبدًا.”
مهما كان ما كانت تنوي فعله، لم يكن يهمّ رويلا.
في الحقيقة، كانت تفكّر في القراءة، لكن هل هذا مهمّ؟
إلى أن يزول أثر صدمة زيادة الرّاتب بمليوني وون، لن تشعر رويلا بأنّ أيّ طلبٍ من كريستن غير عادل، حتّى لو طلب منها الغناء في الحديقة أمام الجميع.
‘على أيّ حال، إنّها زيادة سنويّة قدرها أربعةٌ وعشرون مليون وون.’
وفوق ذلك، بعد أن قارنت أسعار المنازل بين العاصمة والشّمال في وقتٍ فراغها أمس، ازداد هذا الشّعور قوّة.
فالزيادة الكبيرة في الرّاتب قرّبت حلم امتلاك منزلٍ خاصّ بنحو ثلاث سنوات.
“إذًا، لننطلق.”
“نعم، يا سموّكَ.”
ركبت رويلا العربة دون تردّد.
وبالنّظر إلى أخلاق كريستن، لم يكن ليأخذها إلى مكانٍ غريب، ولا ليكلّفها بشيءٍ جائرٍ للغاية.
في هذه المرحلة، كانت رويلا ترى كريستن كأنّهُ الأمثلُ من المدراءِ فلا يشبههُ شيءٌ.
“آه، هل أعجبت السّيدة روزيت بالهديّة؟”
“نعم، يا سموّ الأمير. قالت إنّها سترتدي القبّعة حتمًا أثناء الإجازة. لم أرَها تبتسم بتلك السّعادة من قبل! وهل نشرت إعلان التوظيف؟”
“نشرناه في الصّحيفة الشّماليّة اليوميّة، كما أنّ إيدن يبحث بشكلٍ شخصيّ، لذا سنجد شخصًا مناسبًا قريبًا. وقال جايمن إنّه سيرسل رسائل إلى زملائه في الأكاديميّة أيضًا.”
“آمل أن يأتي شخصٌ جيّد.”
أومأ كريستن برأسه.
وبينما واصلا الحديث في مواضيع متنوّعة، وصلا سريعًا إلى وسط المدينة.
وعند وصولهما إلى السّاحة، نزلت رويلا من العربة وطلب منها كريستن أن تنظر حولها.
“هل تلاحظين أيّ تغيير؟”
“آه!”
عندها أدركتُ.
كانت أعمال صيانة الطّريق قد امتدّت حتّى السّاحة.
وفوق ذلك، نُصِبَت نافورةٌ في وسط السّاحة التي كانت قاحلةً من قبل.
“وهذا أيضًا كان من اقتراحكِ، أليس كذلك؟”
“نعم! لكن لم أتخيّل أن يُنفّذ بهذا الشّكل…!”
“التّمثال في وسط النّافورة يعود لأوّل حاكمٍ للشّمال.
إنّه مشهد قتاله مع تنّين.
أخرجناه من مخزن القصر السّفلي.”
“واو…”
رمشت رويلا بعينيها.
كان هناك إحساسٌ بالعظمة يختلف عمّا سبق.
ومع السّير على الطّريق الذي أصبح أنظف بكثير، عاد إليها الشّعور بالفخر.
“آه، وجهتنا اليوم من هذا الطّريق.”
قادني كريستن إلى متجرٍ للأدوات المتنوّعة.
متجر أدوات؟
هل هذا هو المقصد؟
خلع كريستن القفّازات التي أهديتُها له، وفتح الباب.
ما إن لمح صاحب المتجر الدّوق وهو يدخل، حتّى اندفع نحوه كأنّه يلوّح بذيله.
قال كريستن له.
“سمعتُ أنّ آلة كاتبةً جديدةً صدرت مؤخّرًا.”
“نعم نعم! صحيح! إنّها أحدث إصدارٍ من الآلة التي اشتريتها سابقًا من القصر، يا سموّكَ!
صُنِعت في الورشة نفسها!
تمتاز بسلاسةٍ أكبر وتصميمٍ أكثر فخامة.
وفوق ذلك، قيل إنّها صُمِّمت بطريقةٍ مريحة لليد لتخفيف الضّغط على المعصم!”
أومأ كريستن برضًا.
ما هذا؟
هل جاء ليشتري آلةً كاتبةً جديدة؟
هل هي لمن سيتمّ توظيفهم حديثًا؟
ملتُ برأسي متحيّرة.
“أرِني إيّاها.”
“نعم، يا سموّكَ!”
أخرج صاحب المتجر الآلة بحماس.
حقًّا، ما إن تشتري شيئًا حتّى يصبح قديمًا.
فالآلة التي اشتريتها سابقًا كانت الأحدث حينها، أمّا الآن فقد تجاوزها الزّمن.
التعليقات لهذا الفصل " 20"