نقلَ إليَّ إيدن خبرًا سعيدًا للغاية.
لقد تمّ اعتمادُ اقتراحاتي.
بل وأكثر من ذلك، فقد أُعيد تشغيل مقالع الحجارة استنادًا إلى آرائي،
وقيل إنّ ذلك أسهم بشكلٍ كبير في إنعاش اقتصاد الشمال.
كان الأمر غريبًا… ومثيرًا للدهشة أيضًا.
عندها فقط أدركتُ حقًّا أنّ كريستن هو الحاكم الذي يدير هذه الأراضي الشاسعة.
رجلٌ قادرٌ على تغيير الكثير بكلمةٍ واحدة.
لكن أكثر ما أسعدني كان هذا.
‘قال إنّه يمكنني تقديم أيّ اقتراحٍ في أيّ وقت دون تردّد.
كما سأل إن كنتُ أستطيع تولّي مراجعة بعض خطط العمل التي ستُرفع لاحقًا.’
‘سأبذل قصارى جهدي ما دمتُ أملك القدرة!’
هذا يعني أنّني نلتُ ثقة صاحب العمل.
أليس هذا دليلًا على أنّني اقتربتُ أخيرًا من مكانة الموظّف الدائم؟
يبدو أنّني سأنام نومًا عميقًا الليلة.
* * *
في ذلك الأسبوع، يوم الأحد.
ضحك كريستن ضحكةً خفيفة.
تأخّر اليوم أيضًا في مراجعة المستندات، ثمّ مرّ بساحة التدريب.
وبعد أن أفرغ قدرًا مناسبًا من المانا، شعر بأنّ جسده ونفسه أصبحا أخفّ.
وخلال ذلك، كانت رويلا قد غطّت في النوم.
نومٌ عميق… ومريح.
نظر كريستن إلى الوقت.
كانت الساعة تقترب من الواحدة فجرًا،
ولم يكن غريبًا أن تنام رويلا بعد أن انتظرته.
خصوصًا أنّها تنام بعمق في أيّ مكان.
“مع ذلك… لم أسمح لها بالنوم على السرير.”
كانت مستلقية عند طرف السرير بوضعٍ مستقيم.
إمّا أنّها صعدت دون وعي،
أو فكّرت فقط في الاستلقاء قليلًا.
مهما كان السبب،
فوجود شخصٍ آخر على سريره كان أمرًا غير مألوفٍ لكريستن.
كان شديد الحساسيّة أثناء النوم،
يستيقظ حتّى من أصغر اهتزاز.
جزءٌ من ذلك بسبب المانا التي يحملها جسده،
وجزءٌ آخر نتيجة سنوات القتال والتخييم،
حيث كثيرًا ما واجه وحوشًا ليليّة.
“من المؤكّد أنّها تلقّت التحذير قبل بدء العمل.”
لا حيلة اليوم.
جلس كريستن على الكرسي الذي كانت رويلا تجلس عليه دائمًا.
الكرسي الذي بدا كبيرًا عليها، امتلأ به تمامًا حين جلس.
فهو مصمّم ليلائم جسدها الصغير أصلًا.
انحنى كريستن إلى الأمام.
تنام بعمقٍ مدهش.
وخز كريستن يدها بإصبعه.
مهما أفرغ من المانا، سيحتاجها غدًا.
“همم… لا تُزعجني، أيّها البعوض!”
لوّحت رويلا بيدها.
ابتسم كريستن ابتسامةً خفيفة.
تحوّله من “الدوق الأكبر الذي تُقسم له بالولاء” إلى بعوضة كان مضحكًا.
أمسك كريستن بيدها التي كانت تلوّح في الهواء بلا قوّة.
كانت كما تذكّرها،
يدٌ صغيرة ناعمة بالكاد تملأ نصف كفّه.
كيف تستطيع بهذه اليد الصغيرة إنجاز كلّ ذلك العمل؟
شبك أصابعه بها ببطء.
تدلّت أصابعها بارتخاء،
فأعادته إلى ذلك اليوم…
اليوم الذي كانت فيه جالسة تحت السرير،
تمدّ يدها فقط.
حينها لم يرَ شخصًا،
بل يدًا صغيرة موضوعة فوق يده.
كم كان المشهد عبثيًّا.
من الواضح أنّها شخصٌ لم يسبق له أن صادفه.
استند كريستن ببطء إلى السرير،
وانبطح عليه كما فعلت هي.
استمع إلى أنفاسها المنتظمة،
وأغمض عينيه.
بدأ جسده يسترخي شيئًا فشيئًا.
حتى آلام الماضي بدت وكأنّها تلاشت.
كان كريستن يتأقلم مع رويلا…
بهدوء،
وبدون أن يشعر.
* * *
وقف جايمن وهو يحدّق في قلعة الدوق الأكبر،
ووجهه شاحب قليلًا.
خلال الأيام الخمسة الماضية،
ركض بلا توقّف،
قابل المسؤولين الميدانيّين،
وكتب المستندات بيده.
عمل دون عطلة ليُوفي بوعده.
ولهذا تمكّن من القدوم صباح الاثنين،
لكن الإرهاق كان واضحًا على جسده.
‘هذه المرّة… مثاليّ تمامًا!’
كُتب وفق معايير العاصمة،
وتحقّق منه مرارًا،لا مجال للخطأ.
دخل جايمن القلعة بثقة.
لكن ما سمعه حين توجّه إلى إيدن أزعجه.
“اذهب إلى مكتب كبير الخدم،
ستجد هناك الآنسة رويلا تعمل.
اعرض عليها الخطة أوّلًا ودعها تراجعها.”
“……الآنسة رويلا ؟”
هل يعني هذا أنّ مستنده لا يستحقّ مراجعة الدوق نفسه؟ شعر بالإهانة.
لكن إيدن، غير مدركٍ لمشاعره، قال ببساطة:
“الدوق الأكبر يحبّ المستندات التي تكتبها الآنسة رويلا .
رأيتها أنت أيضًا، أليس كذلك؟
نظيفة، مختصرة، وسهلة القراءة.
توفر الكثير من الوقت.”
كان قد رآها فعلًا.
وكلام إيدن صحيح.
حتّى جايمن، الذي لُقّب بآله تنظيم المستندات،
لم يكن بهذا المستوى.
ابتلع ريقه شاعرًا بالهزيمة،
لكنّ التراجع الآن هو الصواب.
إذا أكّدت رويلا كمال المستند، فسيستعيد اعتراف الدوق وإيدن به.
مهما كان الأمر مُهينًا، لا يمكنه معارضة قرار الدوق.
انحنى جايمن وقال:
“نعم، فهمت. سأتعلم من الآنسة رويلا.”
“هاهاها، التعاون دائمًا أمرٌ جيّد.”
ربّت إيدن على كتفه بوجهٍ ودود.
لكن حين استدار جايمن، كان وجهه متجمّدًا.
كان يعرف من تكون رويلا.
‘دخلت القصر كمحظيّة للدوق فحسب.’
اشتعل غضبه بلا سبب.
رويلا تشيفلي.
الابنة التي باعها الكونت تشيفلي.
المرافقة التي قُدّمت لإنقاذ حياة الدوق.
كثيرًا ما انتهى المطاف بأمثالها كمحظيّات
أو أمهاتٍ لأبناء غير شرعيّين.
ولا شكّ أنّ رويلا ستسلك الطريق ذاته.
أما عائلة تشيفلي؟
مفلسة، وقصرها مرهون.
والأب؟ قامر بالمال ثم اختفى.
مكانة رويلا كانت ملتبسة.
فما الفرق بينها وبين خادماتٍ عاميّات؟
ومع ذلك… عليه أن يعرض عمله عليها؟
شعر وكأنّ قيمته أُهينت.
صحيح أنّ مهارتها في تنظيم المستندات مذهلة،
لكنّ غضبه كان أمرًا آخر.
‘كان الأجدر بها أن تدفئ سرير الدوق!’
انحرفت أفكاره أكثر.
شدّ قبضته.
ربّما تلقّت تلك المهارات
مقابل تدفئة السرير.
لا يمكن لفتاةٍ نشأت في بيت تشيفلي
أن تمتلك هذه القدرات العالية.
تماسك جايمن، طرق باب المكتب،ودخل.
كانت رويلا وحدها.
من الواضح أنّها ليست كبيرة الخدم.
أضاف تقييمًا جديدًا لها في ذهنه.
‘كسبت رضا الدوق بجمالها فحسب.
كما هو متوقّع من أصلٍ كهذا.’
سيُعيدها اليوم إلى حجمها الحقيقي.
“الآنسة رويلا؟”
رفعت رويلا رأسها.
تمايل شعرها الفضيّ بخفّة.
ظهر وجهها الصغير الواضح.
لكنّ الغريب كان نظرتها…
كأنّها غير مركّزة قليلًا.
‘لا… هذا ليس المهم.’
تنحنح جايمن وقدّم نفسه.
“أنا جايمن إكسلا. سأعمل لصالح عائلة الدوق الأكبر.
تشرفتُ بلقائكِ.”
لا حاجة لتخريب سمعته داخل القصر
بسبب امرأةٍ مثلها.
[م.م : بنتظر الدوق يمردغه من الآن ]
التعليقات لهذا الفصل " 11"