كانت أرضًا تقع خلف الحدود الشمالية الشرقية للإمبراطورية. اسمها مقاطعة، لكنها في الحقيقة لم تكن تختلف كثيرًا عن وكرٍ لقطاع الطرق.
أرضٌ تُحكم بالقوة لا بالقانون. ملاذٌ للمجرمين الهاربين. ولهذا اختارها رينترو.
كانت قلعة الكونت قائمة على تلة.
وبالكاد يمكن تسميتها قلعة. الراية ممزقة ترفرف بضعف، وحجمها لا يُقارن حتى بقصر الدوق الأكبر لعائلة آكراسيا.
لكن في هذه الأطراف… كان ذلك يُعدّ سلطة.
في ذلك المكان، جلس رينترو على كرسي، وأمامه جلس الكونت برنهارت.
كان الكونت رجلًا بدينًا. عنقه ممتلئ بطبقات الشحم، وشعره دهني، وعيناه صغيرتان غارقتان في اللحم.
رغم ارتدائه ملابس فاخرة، كان بطنه يبرز من بين الأزرار. وكانت أصابعه ممتلئة بالخواتم، وكأنها عالقة فيها من شدّة سمنته. بل وحتى ملابسه الشتوية… كان منظره مثيرًا للاشمئزاز.
كان على الطاولة طبق عنب. وضع الكونت حبة في فمه وبدأ يمضغها ببطء، بينما سال العصير على شفتيه.
“إذًا.”
قال وهو ينثر لعابه:
“تريد مهاجمة الدوق الأكبر؟”
“نعم، سيدي الكونت.”
ضبط رينترو تعبيره.
“عندما يشتدّ الشتاء، تزحف الوحوش جنوبًا. أمرٌ يحدث كل عام.”
“وماذا بعد؟”
لم يكن الكونت يجهل ذلك. فصدّ الوحوش كان من واجبات الشمال الشرقي أيضًا. لكنه لطالما تهرّب من ذلك، وألقاه على الشمال دون أن يتحمّله يومًا.
همس رينترو:
“سنستغل تلك اللحظة. نضرب حين تكون القوات مشتّتة بسبب قتال الوحوش. تلك هي اللحظة الأضعف.”
مسح الكونت فمه بظاهر يده، وأصابعه الدهنية تلمع.
“وماذا ستدفع؟ ماذا سأجني أنا من ذلك؟”
ابتلع رينترو ريقه. ارتجفت عيناه الضيّقتان. ما الذي سيعطيه… وماذا سيأخذ؟ كانت تلك أكبر معضلة.
* * *
بدأ كريستن الاستعداد للشتاء. صحيح أنه تأخّر قليلًا عن المعتاد. والسبب كان هجمات رينترو.
في الحقيقة، لم يتوقّع أحد أن يصل رينترو إلى هذا الحد. وفق معايير كريستن، كان قد تجاوز الخط منذ زمن.
وكما أن رينترو لن يفهم كريستن أبدًا، فكريستن أيضًا لن يفهمه. ولهذا فشل في توقّع تحرّكاته. بناءً على أفعاله السابقة، توقّع أن يهاجمه بشكلٍ محدود.
لم يكن من النوع الذي يجرّ الآخرين إلى الموت.
لكن رينترو… تطوّر. وارتكب أفعالًا لا تُغتفر، بشكلٍ غير معقول.
كان يتدرّب وحده. محاولًا التكيّف مع جسده بعد تحوّله إلى تنين.
وللسيطرة على المانا المستقرة، احتاج إلى جهدٍ شاق.
رتّب أفكاره وثبّت عزيمته.
تناثرت قطرات العرق في الهواء، بدت كثلج الشتاء.
كان يحبّ برد الشتاء، إذ يصفّي ذهنه.
واصل التلويح بسيفه حتى طلوع الشمس.
“سموكَ.”
اقترب إيدن منه وقدّم له منشفة.
“هل يمكنني إطلاعك على جدول اليوم؟”
أومأ كريستن.
“في الصباح، تفقد إصلاحات الأسوار. في الظهيرة، اجتماع إعادة تنظيم القوات. وفي المساء، محاكمة تطهير النبلاء. هل ترغب في تعديل شيء؟”
هزّ كريستن رأسه.
عبرت نظراته الباردة نصل السيف. اليوم سيتم التخلّص من النبلاء القلائل الذين تعاونوا مع رينترو.
قبل مواجهة الحرب الخارجية، يجب تنظيف الداخل أولًا.
لمنعهم من إثارة المشاكل أثناء غيابه.
“ماذا عن التقدّم؟”
“تم القبض على معظم الفارّين. لا يزال ثلاثة هاربين، لكن سيتم القبض عليهم قريبًا.”
“قواتهم؟”
سيتم دمج قواتهم فور تفكيكها في جيش آكراسيا.
وبهذا، على الأقل، يصبح لخيانتهم بعض الفائدة.
ابتسم كريستن بسخرية.
“حوالي خمسمئة جندي تم ضمّهم.”
“مستواهم؟”
“غير متساوٍ. لن يصلوا حتى إلى نصف مستوى فرسان آكراسيا النخبة.”
عبس إيدن.
“الكثير منهم لم يتلقّ تدريبًا مناسبًا. يبدو أن النبلاء أهملوا إدارة قواتهم. يحتاجون لإعادة تدريب.”
“ضع خطة تدريب. يجب أن يصبحوا جاهزين قبل نهاية الشتاء.”
“مفهوم.”
كانت المهام كثيرة، والشتاء يزداد قسوة.
الوقت يمضي بسرعة مزعجة. لكن على الأقل، تم تجاوز صراع النبلاء حول تسليم قواتهم.
قال كريستن بهدوء:
“ابدأوا الاستعداد.”
“نعم، سموكَ.”
رفع كريستن قميصه وسأل:
“…روِيلا؟”
“يبدو أنها تعمل على شيء مع جايمن. شيء يتعلق بعلم الوحوش. لا أفهمه بصراحة. لكن… إنها رويلا، أليس كذلك؟ ستنجح في أيّ شيء.”
“…مع جايمن؟”
“نعم، مع جايمن.”
“بمفردهما؟”
“…نعم؟ كما هو الحال دائمًا، الاثنان معًا فقط.”
مال إيدن برأسه بتعجّب.
ساد الصمت للحظة.
نظر كريستن نحو اتجاه مكتبه وهو يمسك السيف.
كان في عينيه شيء ثقيل… شيء غير مفهوم، لكنه بارد بطريقةٍ غريبة.
لمس إيدن مؤخرة عنقه.
“…هل ارتكب جايمن خطأً ما؟”
نظر إليه كريستن وقال:
“أنتَ حقًا كفء.”
“شكرًا، سموكَ…؟”
“هذا يكفي. الكفاءة أهم، أليس كذلك؟”
“هل هذا مدح؟”
فهم كريستن الآن ما قصدته رويلا عندما قالت إن إيدن ميؤوس منه في الحب.
رغم أنه لم يختبر ذلك من قبل، إلا أنه أدركَ أن هذا الشعور… نوعٌ من الغيرة عديمة الفائدة.
ابتسم بخفّة ونقر بلسانه.
“يا له من أمرٍ سخيف.”
“…؟”
نظر إيدن إليه بتشكّك.
‘…هل أكل شيئًا غريبًا؟’
لم يبدُ طبيعيًا أن يبتسم ويهزّ رأسه وحده. ربما الشتاء لا يُجنّن الوحوش فقط… بل البشر أيضًا.
* * *
توجّه كريستن وإيدن مباشرة إلى الأسوار.
كان هناك عطرٌ خاص يطفو في الهواء، تكرهه الوحوش. وسيلة دفاع تقليدية في الشمال منذ مئات السنين.
رائحة حلوة ومرّة في آنٍ واحد، تحيط بالقصر.
لا يُعرف لماذا تكره الوحوش هذه الرائحة، لكن الفكرة جاءت من ملاحظتهم أن الوحوش تتجنّب نوعًا معينًا من الأعشاب. لذلك سمّاها الأجداد “تجاوز الشتاء”.
اسمٌ مناسب، لأنه وسيلة للصمود حتى الربيع.
“هل المخزون كافٍ؟”
“يكفي لعبور الشتاء. لكن…”
“لكن؟”
“إن حدثت موجة كبيرة، فقد لا يكفي.”
أومأ كريستن.
“اجلبوا المزيد. تواصلوا مع التجار.”
“مفهوم.”
ساروا على طول السور. كان البناؤون يعملون على الإصلاحات.
“تم الانتهاء من القطاع الثالث في الجدار الشمالي.”
أبلغ المشرف.
“والقطاع الرابع؟”
“سينتهي غدًا.”
“أسرعوا. يجب إنهاؤه قبل أول تساقط للثلج.”
وقف كريستن عند نهاية السور ونظر نحو الشمال.
امتدّت سهول ثلجية بلا نهاية. وخلفها غابات كثيفة.
ومع اشتداد الشتاء، ستنزل الوحوش جنوبًا بحثًا عن الطعام.
حماية الشمال منهم… كان واجب آكراسيا.
والآن… أصبحت ضرورة.
لأن هناك شخصًا واحدًا إضافيًا يريد حمايته.
رويلا.
الشخص الذي منح حياتهُ سببًا جديدًا.
[م.م : وإلى هنا تنتهي دفعة العيد!!! كل عام وانتم بخيرٍ مُتأخرةٍ، اتمنى انكم استمتعوا،
وصح ياه محد علق منكم برافوو 👏🏻👏🏻.
باقي 48 فصل وتخلص الرواية والمشاهدات مو قليلة لكن كعادتكم محد رح يعلق وانا ما رح اذكركم كلشوي واضغط عليكم ، فبكل حُب رح اسحب عن الترجمةإلى أوفر فصولها إلى النهاية وإلى أن يكون في تفاعل يرضيني أنا فوق الأرقام 🥹 عشان بعدها اسوي لكم دفعة وحدة إلى النهاية. كونوا بخيرٍ!!
ملاحظة : في شخصين علقوا مع الدفعة الجديدة، وحده بهيزو على الغلاف الجديد وحده في التيليجرام وانا منتبه لكم اكيد وعيوني لكم والكلام ما يقصدكم 🩷]
التعليقات لهذا الفصل " 100"