“قد يكون المتسللون يتخلصون من الوحوش في الوقت الحالي، لكن تبادل إطلاق النار بينهم يطول أكثر مما كان متوقعاً، ونتيجة لذلك، بدأت الوحوش من خارج القرية تُجذب إلى الفوضى الدائرة في الداخل.”
فرشتُ خريطة لبرونيل على طاولة الولائم، حدق فيها إيما وفيكتور بدهشة.
“لقد عشت في هذه القرية لعقود، لكنني لم أمتلك خريطة قط…”
قلتُ بهدوء “حسناً، لم تكونوا بحاجة إليها لأنكم هنا منذ فترة طويلة.”
“برونيل محاطة بالغابات من جانبين، لكن يبدو أن الوحوش تفضل الطرق على الغابات، يبدو أنهم يتتبعون آثار النشاط البشري، إذا أغلقنا المدخلين الآخرين وقضينا على كل الوحوش داخل القرية، يمكننا السيطرة على برونيل بالكامل.”
سأل أحدهم. “وماذا عن ناجين كيندت؟”
“سأعمل أنا والسيد إيدن كطعم.”
قبل أن أتمكن من قول المزيد، وقف هاريسون فجأة من مقعده، كنت أعرف بالفعل ما سيقوله حتى قبل أن يفتح فمه.
“آنستي، سأكون أنا من يعمل كطعم مع السيد إيدن.”
تمتم إيدن تحت أنفاسه. “كنت أفضل شيري…”
لكن لم يبدُ أن أحداً سمعه.
“إذاً سأستخدام القوس والنشاب.”
عرض هاريسون. “سأعلمكِ كيفية استخدامه.”
اعترض هوسيل هذه المرة. “انتظري دقيقة، إعطاء سلاح بعيد المدى لشخص معتاد على القتال القريب؟، هذا كثير جداً، حتى بالنسبة لكِ يا آنسة شيري.”
التفتُّ إلى هاريسون بنظرة حادة، وكأنه يقول ‘هل ترى ما أعنيه؟’
قلتُ “هاريسون، الحياة لا تتيح لك دائماً فعل ما تريد، أحياناً عليك فقط فعل ما يجب فعله.”
“ليس الأمر أنني أريد أن أكون طعماً… أنا فقط قلق عليكِ يا آنستي، ماذا لو أُصبتِ بالعدوى…”
توقف هاريسون عن الكلام، وخلع نظارته وضغط على جسر أنفه وكأن الفكرة لا تُطاق.
كلما كان هاريسون تحت ضغط أو متأثراً عاطفياً، كان لديه عادة خلع نظارته وفرك جبينه، لكن أن يتفاعل بهذه القوة—كان أمراً نادراً.
حاولتُ مواساته “لا تنزعج كثيراً، إذا أُصبت بالعدوى، قد يتغير وجهي قليلاً فقط.”
تمتم إيدن من الجانب ببرود، وغير متأثر على الإطلاق.
“قليلاً؟، بل كثيراً، سيتغير هيكل دماغكِ، وستبدئين في أكل البشر… نعم، قليلاً فقط.”
دائماً ما كان لديه تعليق، حتى لو كان يتحدث مع نفسه.
“أتفهم قلقك يا هاريسون، لكن سيتعين عليك البدء في التخلي عني في نهاية المطاف.”
قال بتنهيدة. “حسناً، توقفي عن هذا بالفعل.”
لدهشتي، وبدلاً من الجدال بعناد، بدا هاريسون متقبلاً للوضع بسرعة، ألقى نظرة عليّ بتعبير متضارب قبل أن ينظر حول الغرفة.
“إذاً سأتعاون مع هوسيل لتغطيتكما بدعم بعيد المدى.”
أجاب إيدن بسلاسة. “سمعتُ من الآنسة شيري أنك ماهر في استخدام القوس والنشاب، سأكون ممتناً لمساعدتك.”
قال هاريسون بنبرة ثقيلة “اعتذاري يا آنستي، لا بد أنني كنت أعاملك كطفلة طوال هذا الوقت.”
“لا تقلق كثيراً، أنت تعلم أنني أملك قوة خارقة، أنا أفضل سلاح لدينا ضد تلك الوحوش الملعونة، أليس كذلك؟”
“أفهم ذلك، سأحترم قرارك، لكن…”
أعاد هاريسون نظارته وأومأ برأسه برواقية قبل أن يعود إلى شخصيته كمعلم صارم.
“آنستي، من أين تعلمتِ استخدام هذه اللغة المبتذلة؟، تسميتهم بـ’الوحوش الملعونة’؟”
ألقيتُ نظرة سريعة على إيدن، الذي رمقني بوجه خالي من التعبير.
“لماذا تنظرين إليّ؟، هل تحاولين إلقاء اللوم عليّ؟”
“لقد ربيتكِ بعناية يا آنسة شيري… كأخت صغيرة غالية، ومع ذلك، لقد اكتسبتِ مثل هذه العادات السيئة.”
لم يكن مخطئاً، لقد ددلني هاريسون كأخت صغيرة، مما جعلني مدللة وغير ناضجة، كانت الحقيقة، سواء أردتُ الاعتراف بذلك أم لا.
قال نوكس مقاطعاً بحدة مفاجئة. “لا أعتقد أنك تعرف الآنسة شيري كما تظن، لطالما كانت غريبة الأطوار تماماً مثل لانكستر.”
وأضاف إيدن “بالضبط. إنها من النوع الذي يفكر: ‘هل يجب أن أطرح ذلك الشخص أرضاً من الخلف؟، أنا أقوى على أي حال’، في اللحظة التي تسوء فيها الأمور، راقبوا ظهوركم يا رفاق.”
“ماذا؟!، لم أقل ذلك أبداً—كيف عرفت حتى؟”
أجاب إيدن ببساطة “الأمر مكتوب على وجهكِ بوضوح.”
هاريسون، الذي لم يكن يدرك مدى تغيري منذ استعادة ذكرياتي الماضية، وجه لومه بالكامل إلى إيدن، مما أشعرني بالارتياح.
“على أية حال، ليس هذا هو المهم، لدي شيء لمشاركته.”
فتحتُ جراب حزامي وأخرجتُ صندوقاً يحتوي على أعشاب إلبينوس، ووضعته على الطاولة.
“لقد اكتشفت تأثيراً آخر لعشبة إلبينوس.”
لم يتبقَّ الكثير في الصندوق—فقد استُخدم معظمه كطعم أثناء هجوم الوحوش خارج البوابة الحجرية.
“يبدو أن لها تأثيراً يشبه اللقاح، لكنه مؤقت فقط.”
نظرت إيمي إليّ بصدمة “كيف عرفتِ ذلك؟”
“لقد جربتُها.”
“على من…”
“من الأفضل ألا تسألي.”
شحب وجه إيمي وأطبقت فمها، ومع ذلك، قطب إيدن حاجبيه بشدة.
“تلك المرة التي قفزتِ فيها فوق الجدار… لقد أكلتِها حينها…”
تجاهلتُ تعليق إيدن، خشية التعرض لمزيد من التوبيخ.
“لنأخذ بعضاً منها قبل أن نتحرك.”
رغم تعابير الشك على وجوههم، أخذ الجميع حصة من العشبة.
بينما مال نوكس برأسه نحوي، همس قائلاً. “لماذا تظنين أن لقاحاً قد تُرِك في شارع نوتيوم 61؟”
“لا أعلم، لكن في يوم من الأيام، سنكتشف ذلك.”
كان الشيء المهم أنه لا توجد طريقة لمعرفة الحقيقة الآن، بدا أن نوكس يوافقني، فهز كتفيه بتعبير مستسلم قبل أن يتراجع.
فقط أولئك الذين سيشاركون مباشرة في المعركة—إيدن، هاريسون، هوسيل، فانيلا، إيمي، وأنا—أخذوا عشبة إلبينوس، لم يكن إيدن بحاجة إليها حقاً، لكن كان سيكون من المحرج عدم إعطائه واحدة، لذا انتهى بنا الأمر بإهدار نبتة إضافية.
ونتيجة لذلك، لم يتبقَّ لدينا سوى عشبة واحدة.
“يمكننا زراعة المزيد، أليس لديكِ البعض مزروعاً بالفعل؟”
عندما تحسرتُ على العشبة الأخيرة، حاول نوكس مواساتي، بالتأكيد، كان لدي البعض مزروعاً، لكنني سأحتاج إلى إعادة زراعتها في مكان أفضل، ومن يدري كم سيستغرق نموها مجدداً؟
قال إيدن بنبرة عملية ولكن بلمسة من العظمة الغريبة. “توقفي عن التذمر ولنذهب، حان الوقت للسيطرة على برونيل.”
أجبتُ بإيماءة. “حسناً، أنت محق، لنفعلها، لنسيطر على برونيل.”
* * *
كان تشارلي منهكاً تماماً، فقد قضى ليلة بلا نوم في السفر من كيندت إلى برونيل، لم تكن المسافة بعيدة، لكن التنقل عبر الطرق المليئة بالوحوش قد أبطأ حركتهم بشكل كبير.
مستلقياً على سطح أحد المنازل، كان تشارلي يستطلع أحوال جنود جرايدون، لفت انتباهه وحش ضخم يشبه حريشاً يزحف على الأرض.
كليك.
ذخر بندقيته وضغط على الزناد.
بانغ!
تردد صدى الطلقة في سماء المساء الهادئة، كانت الشمس قد غربت بالفعل.
من بين الكشافة الأربعة عشر الذين أُرسلوا من كيندت إلى برونيل، مات اثنان بسبب هجمات الوحوش، وأُصيب اثنان آخران برصاص محتالين يرتدون زي جيش جرايدون الملكي.
“تباً للأوغاد، لماذا بحق الجحيم ظهر هؤلاء الأوغاد هنا في منتصف اللامكان؟ ما الذي يمكن أن يريدوه في مكان قذر كهذا؟”
شتم تشارلي تحت أنفاسه، وهو يعيد تذخير بندقيته.
كانت مهمتهم بسيطة: تأمين إمدادات برونيل والسيطرة على القرية.
زعيم كيندت، ‘إل’، كان قد وضع عينه على برونيل بسبب التلال التي خلفها، فعلى عكس أراضي كيندت المسطحة، التي كان من المستحيل العلف فيها، قدمت برونيل أرضاً خصبة وموارد.
من موقعه المرتفع، نظر تشارلي إلى القصر الجاثم على التل، كانت المدخنة فقط مرئية فوق رؤوس الأشجار، وبدت متهالكة بما يكفي ليتم الخلط بينه وبين منزل مهجور.
لكن القصر لم يكن محور تركيزه—بل الغابة خلفه، إذ يؤدي التل المنخفض إلى نهر واسع بعده.
بالنسبة لـإل، كانت السيطرة على ذلك النهر سبباً كافياً للاستيلاء على برونيل.
صوّب تشارلي مرة أخرى، مستهدفاً وحشاً آخر في الشارع بالأسفل، وضغط على الزناد.
بانغ!
إصابة نظيفة أخرى.
كان تشارلي قد سأل إل ذات مرة.
“ماذا لو كان هناك ناجون في برونيل؟”
ضحك إل، وكأن السؤال هو أكثر الأسئلة عبثية التي سمعها في حياته.
“لكي تنمو كيندت، نحتاج إلى عمالة، يا تشارلي، أنت تعرف هذا، حوّلهم إلى عبيد، وإذا قاوموا، اقتلهم جميعاً.”
بعد أن انهار العالم، سرعان ما استولى إل على فندق كيندت الصغير وأسس معسكر ناجين، قراراته السريعة وطموحه بنيا أساس ما أصبح الآن مجتمع كيندت المتنامي.
كان من الواضح أن إل يهدف إلى تحويل كيندت إلى مملكة صغيرة خاصة به.
“لقد انتهى عصر الأرستقراطيين والبرجوازيين يا تشارلي، سأعطيك القوة أيضاً، لذا أحضر لي برونيل، أرني ما أنت قادر على فعله.”
رغم أن تشارلي لم يكن يقود فريق الكشافة رسمياً، إلا أنه كان يعلم أن الاستيلاء على برونيل وتسليم العبيد الذين يطلبهم إل سيؤمن له منصباً أعلى داخل تسلسل كيندت الهرمي.
مع وضع ذلك في ذهنه، عدّل تشارلي تصويبه نحو شارع آخر، باحثاً عن أي حركة، عندها شعر بمعدن بارد يضغط على صدغ رأسه.
كليك.
تردد صوت تذخير سلاح، كان فوهة بندقية تضغط بقوة على رأسه.
وأمر صوت شاب “أسقط سلاحك.”
بدا الصوت يافعاً—ربما أصغر من تشارلي نفسه، لم يكن لديه خيار، ببطء، وضع تشارلي بندقيته على السطح.
“قف، ارفع يديك، والتفت.”
‘إذا كان الصبي صغيراً حقاً، فيمكنني التغلب عليه.’
فكر تشارلي وهو يتبع التعليمات، رفع يديه والتفت بحذر، ليجد شاباً يصوب البندقية نحوه.
لم تكن المشكلة في الصبي الذي يحمل البندقية، بل في الرجل الآخر الواقف بجانبه، المسلح بقوس ونشاب، والذي كان يصوب هو الآخر مباشرة نحو تشارلي.
التعليقات لهذا الفصل " 85"