كان الممر الأرضي مظلماً، باستثناء الضوء الخافت المتسلل من الغرفة خلفهما، الشيء الوحيد الذي كان ينير طريقهما للأمام هو فانوس الكيروسين الذي تحمله شيري.
سلطت شيري ضوء الفانوس على جدران الممر.
“هناك مشاعل هنا.”
وكما قالت، كانت هناك مشاعل حديدية مخصصة للتثبيت على الجدران، مغروسة على مسافات منتظمة على طول الجدران التي كانت مصنوعة من تربة صلبة وجافة.
تمتمت شيري “هذا يؤدي إلى مكان ما بالتأكيد.”
وافقها إيدن؛ فمن الواضح أن هذا الممر المتهالك قد حُفر لغرض معين.
واصلا السير، متوغلين في العمق حتى لم يعد ضوء الغرفة خلفهما يصل إليهما.
كان الممر الأرضي واسعاً بما يكفي ليسير إيدن وشيري جنباً إلى جنب.
ألقى إيدن نظرة عليها؛ كانت وجنتا شيري المستديرتان تتوهجان بنعومة تحت ضوء الفانوس، محمرتين وكأنها تخجل، كانت رموشها الطويلة والكثيفة ترفرف ببطء، وكانت متوترة بوضوح، وأعصابها مشدودة.
عندما لاحظت نظراته، التفتت شيري نحوه، واخترق صوتها الصمت.
“ما الخطب؟”
هز إيدن رأسه “لا شيء.”
“انتظر.”
توقفت شيري فجأة ونادته، بشكل لا إرادي، رفع إيدن يده وصوب مسدسه للأمام مباشرة، وكأنه تعرض لغمرة من الماء البارد، حدقت شيري فيه بدهشة، ثم رمشت بسرعة وأشارت نحو قدميه.
“آسفة لإخافتك، لكن رباط حذائك غير مربوط، سيد إيدن.”
نظر إيدن للأسفل، وبالفعل، كان رباط حذائه مرتخياً وغير مربوط.
بينما كان يتحرك ليجثو ويربطه، أوقفته شيري.
“سأربطه لك، استمر في توجيه مسدسك، فمن يدري ما الذي قد يخرج لنا.”
“لن يستغرق الأمر سوى لحظة، يمكنني…”
“سأفعلها أنا، فهناك شيء أريد تجربته.”
قاطعته شيري بوجه جدي على غير العادة، وجثت أمامه، شيء تريد تجربته؟، ماذا قد ترغب في فعله برباط حذاء؟
امتلأ مجال رؤية إيدن بقمة رأسها المستدير، ورغم نهاية العالم، كانت ترتدي باستمرار قبعات صغيرة، لكنها اليوم لم تكن ترتدي واحدة.
ربطت يداها الصغيرتان الأربطة بمهارة، ولشخص ربما لا يربط الأربطة كثيراً، كانت ماهرة بشكل مدهش.
بينما كان يراقب شيري وهي تربط حذاءه جاثيةً عند قدميه، شعر إيدن بشعور غريب، لم يكن الأمر مريحاً له تماماً، لكنه لا يستطيع تجاهله.
“انتهيت!، أليس لطيفاً؟”
رفعت شيري الفانوس نحو قدميه لتستعرض عملها، كان الرباط مربوطاً بإحكام، ولكن بدلاً من العقدة العادية، انتهى الأمر بعقدة فراشة خرقاء؛ كانت العقدة مائلة وبعيدة كل البعد عن الأناقة.
عندما أدركت ذلك بنفسها، ظهرت عليها ملامح الخجل، لكنها استعادت هدوءها بسرعة وتحدثت بعفوية.
“إنه يناسبك.”
“هل أنتِ جادة؟”
أطلق إيدن ضحكة ممزوجة بتنهيدة، وقد بدا عليه الحيرة.
“بالطبع أنا جادة، والآن، دعنا نتوقف عن إضاعة الوقت ونواصل بحثنا.”
قبل أن يتمكن إيدن من الاعتراض، قفزت شيري وعاودت السير، مما أجبره على اللحاق بها، رمقته بنظرة سريعة، مدركة تماماً مدى سخافة الموقف، لكنها تظاهرت بأن كل شيء على ما يرام وهي تتقدم بخطوات واثقة.
كان تصرفها السخيف غير متوقع لدرجة أنه كان لطيفًا تقريباً.
‘يا إلهي…’
كثيراً ما كانت شيري تفاجئه بتصرفاتها الغريبة، لكنها في بعض الأحيان كانت تظهر حدساً حاداً يكاد يكون مخيفاً، بدت وكأنها مستهترة، لكن كان لديها أنظمتها وخططها الخاصة.
بالنظر إلى الوراء، لم تتغير شيري كثيراً، بل إيدن هو من تغير، وهو يسير في هذا الطريق معها منذ ما قبل نهاية العالم، ربما كانت كل تلك الاضطرابات العاطفية تخصه وحده.
كبح إيدن أفكاره المعقدة وتبع شيري بصمت.
بعد فترة، وصلا إلى طريق مسدود، كان الطريق المستقيم مسدوداً بجدار من التراب، لكن طريقاً جديداً فُتح إلى اليمين.
“هل تظن أنه أُغلق عمداً؟”
“على الأرجح، فلو انهار بشكل طبيعي لكان الطريق الأيمن مسدوداً أيضاً.”
أشار إيدن نحو الطريق المفتوح على اليمين، وأومأت شيري موافقةً، توقفت لتلتقط أنفاسها، فقد بدأ الهواء الراكد يضايقها.
“كيف نجت سوزانا في مكان كهذا بلا ضوء؟، في مساحة ضيقة كهذه، كان يمكن أن تختنق.”
“هناك تيار هواء هنا، قادم من هذا الاتجاه.”
جذبها إيدن برفق من كتفها، موجهها إلى حيث يقف.
“أنت محق، إنه ضعيف لكن… لا بد أن هناك مخرجاً قريباً.”
“ابقي متيقظة، لا ندري متى قد يظهر وحش.”
تفقد إيدن مسدسه شارداً قبل أن ينظر للأسفل، ليلتقي نظره بنظر شيري.
“ماذا؟”
“تطلب مني أن أبقى متيقظة، لكنك تبدو في غاية الارتياح، تبدو مسترخياً للغاية.”
“سمّيهِ ثقة لا استرخاء، في مساحة ضيقة كهذه، ليس من الصعب تحطيم رؤوس تلك الوحوش.”
“همم، معك حق، إذاً أنا واثقة أيضاً، واثقة من قدرتي على شقهم لنصفين.”
تحدثت شيري بجرأة، ولم يستطع إيدن إلا أن يضحك، كان تباهيها السخيف يبدو لطيفاً الآن.
رغم أنه عندما تكون في الواقع تحطم الوحوش بأيديها العاريتين، فلن يكون هناك مجال للمرح.
أخيراً، اقتربا مما بدا أنه نهاية الطريق.
نقرَت شيري على الجدار الترابي الصلب في النهاية.
“يبدو أن هذه هي النهاية، الطريق يتوقف هنا.”
وضعت الفانوس على الأرض وبدأت تتفحص المكان، وقف إيدن بجانبها، يفحص المنطقة بعناية.
تمتمت شيري “كان ينبغي أن نحضر مجرفة.”
شعر إيدن بالذهول قليلاً من تعليق شيري؛ لم تكن الفكرة غائبة عن ذهنه، لكنه لم يتوقع من شيري سينكلير، من بين كل الناس، أن تعبر عن مثل هذه الفكرة بعفوية.
كانت شيري سينكلير التي يعرفها العالم مجرد واجهة؛ نتاج إعلام مثير تغذيه الألقاب الاستفزازية لوريثة عائلة سينكلير، كان ذلك مؤكداً.
‘إلا إذا كانت قد استُغلت سياسياً.’
تذكر إيدن الصحيفة التي رآها قبل نهاية العالم بقليل.
[تقرير حصري!، شيري سينكلير، هل سبب اختفائها هو وريث عائلة لانكستر، إيدن دنكان لانكستر!؟]
[شيري سنكلير، اجتماعات سرية مع إيدن دنكان لانكستر في قرية ريفية…!؟، ‘البجعة والغراب*، أحباء غير متوقعين.’، هزوا المجتمع من الصدمة…!]
(يقصدون بالبجعة والغراب ان ايدن النبيل ووريث الدوق هو البجعة وشيري بنت التاجر الغني هي الغراب)
إذا كانوا قد استخدموا شيري كبيادق للتغطية على ظهور الوحوش، فالأمر ليس بعيد الاحتمال، للحظة، شك إيدن حتى في أن ولي العهد ثيودور كان وراء تلك المقالات.
‘هل يمكن أن يكون ثيودور مرتبطاً بالوحوش في برونيل؟’
لكن ثيودور الذي يعرفه إيدن لم يكن ليقدم على شيء جنوني كهذا، أو يستخدم شخصاً مثل شيري ككبش فداء للتغطية عليه.
بينما كانت أفكاره تتسارع، كسر إيدن الصمت.
“هل كان من الصعب إخفاء قوتكِ؟”
نظرت إليه شيري التي كانت تنقر على الجدار.
“ليس حقاً، أنا فقط لم أستخدمها، ما الصعب في ذلك؟”
“كلام منطقي.”
وافق إيدن سريعاً وانضم إليها في النقر على الجدار، سرعان ما لاحظ نسيمًا خافتًا قادمًا من الأعلى.
“شيري.”
عند ندائه، بدت شيري وكأنها لاحظت ذلك أيضاً، التقطت الفانوس وسلطت ضوءه للأعلى.
كان السقف، الذي كان مختبئاً في الظلام، مصنوعاً من ألواح خشبية، بدا الأمر وكأن الممر بالأعلى قد أُغلق عمداً.
“إذا دفعناه للأعلى، قد ينفتح.”
مدت شيري يدها، لكن قصر قامتها جعلها لا تلمس اللوح إلا بأطراف أصابعها بعد قفزة صغيرة.
أصدر اللوح، غير المدهون جيداً، صريراً صدئاً وهو يتحرك للأعلى.
طاخ.
أخيراً، انفتح غطاء السقف.
كان ما فوقهما ظلاماً دامساً، ظلام بدا وكأنه فراغ، من النوع الذي يجعلك تتردد في التسلق.
حدقت شيري وإيدن في الهاوية بصمت، فاقدَي القدرة على الكلام للحظات.
* * *
كان قرار استكشاف الممر الأرضي مع إيدن خياراً ممتازاً؛ فهو شخص يمكن الاعتماد عليه، ومع ذلك، بقيت أدوارهم دون تغيير—شيري تتولى المقدمة في الأماكن الضيقة، بينما يغطي إيدن المدى البعيد.
‘بقوة مثل قوتي، ماذا يمكنني أن أفعل غير ذلك؟’
قررت شيري التسلق أولاً، قصر قامتها جعل من المستحيل عليها الوصول للسقف بمفردها، لذا لم يكن بإمكان إيدن سحبها للأعلى حتى لو تسلق هو أولاً.
‘سنحتاج لإحضار سلم في المرة القادمة.’
في النهاية، رفعها إيدن، ابتلعت شيري كبرياءها وضغطت بحذائها بقوة على كتفه.
“أووه.” أطلق إيدن أنيناً خافتاً؛ فقد غرز كعب حذائها في كتفه، وشعرت شيري بالذنب ونظرت للأسفل.
“آسفة!، هل أنت بخير؟”
“أووه… لا، لست بخير.”
“شكراً على طمأنتي، فقط اصمد قليلاً.”
تمتمت شيري وهي تكافح لترفع نفسها، ومن الأسفل، ارتفع صوت إيدن المستاء ليجيبها.
“شيري، لقد قلت للتو إنني لست بخير.”
“أعرف ما تعنيه، فقط اصمد لحظة—أنا أبذل قصارى جهدي، أووه.”
زفر إيدن بعمق، لكن شيري لم تملك مساحة ذهنية للقلق بشأن انزعاجه البسيط، بعد جهد جهيد، تمكنت أخيراً من التسلق عبر الغطاء ومدت يدها لإيدن.
مد إيدن يده، بتعبير بدا فيه شيء من الحيرة، وأمسك بيدها.
نظرت إليه شيري نظرة متعجبة وقالت باستغراب “الفانوس.”
ترك إيدن يدها بسرعة، وقد بدا عليه الإحراج بوضوح، وناولها الفانوس بدلاً من يده.
التعليقات لهذا الفصل " 80"