ربما لم تدرك سوزانا أن العالم قد انتهى؛ فهي لم تبرح ذلك الممر خلف المدفأة منذ أن رأت ذينك الوحشين.
“سأشرح لكِ كل شيء لاحقاً، أخبريني الآن، كيف نجوتِ؟، لقد وجدتُ ثيابكِ الممزقة في قاعة الرقص، وظننتُ أنكِ تحولتِ إلى واحدة منهم.”
“في الواقع… علق فستاني بمخالب أحدهم، فانسللتُ منه وركضت، كان أقرب مكان هو غرفتكِ، لذا أتيتُ إلى هنا، فكرتُ في الهرب عبر النافذة، لكنها لم تفتح، لم يسعفني الوقت، وظننتُ أنهم سيمسكون بي في أي لحظة، فخطر لي أن أتسلق المدخنة لأختبئ، ولكن حين حاولت، كانت مسدودة، ثم بالصدفة، ركلتُ شبكة الحديد الخاصة بالمدفأة، فانفتحت.”
ركلت سوزانا بساقيها تحت البطانية وكأنها تعيد تمثيل تلك اللحظة، ثم انكمشت على نفسها وضمت يديها معاً.
“أغلقتُ الباب واختبأتُ بالداخل، لكن المشكلة كانت أن الباب لا يمكن فتحه من الداخل، بدا وكأنه مصمم لمنع المتسللين من الدخول.”
باب لا يفتح من الداخل؟، مصمم لإبقاء المتسللين في الخارج؟، زادت كلماتها من فضولي حول الغرض من هذا الممر الأرضي، ثم تذكرتُ فجأة الوحش الميت في قاعة الرقص.
“سوزانا، كان هناك وحش ميت في قاعة الرقص، يشبه الدب، هل أنتِ من قتله؟”
شحب وجهها شحوباً مميتاً، ودون أن تنطق بكلمة، أومأت برأسها بقوة، ضغطت على شفتيها وارتجفت، وبدت مهزوزة لدرجة تمنعها من الكلام، فقررتُ ألا أضغط عليها أكثر.
حينها وجه نوكس لها سؤالاً “كيف نجوتِ هناك كل هذه المدة بلا ماء؟”
“كان هناك ماء، أو على الأقل أظن أنه ماء؛ فالمكان كان مظلماً جداً لدرجة تمنعني من التأكد، وجدته في قارورة، وشربت منه على مدار عدة أيام.”
قارورة ماء؟ ولماذا توجد قارورة في ذلك المكان أصلاً؟
“هل كان هناك شيء آخر؟، هل تعرفين إلى أين يؤدي الممر؟”
“لا أعلم، كان الظلام دامساً، ولم أفكر في الاستكشاف، كنتُ خائفة جداً من مواجهة المزيد من الوحوش.”
ارتجفت سوزانا وغرق وجهها في ملامح الذعر، ربت نوكس على كتفها بلطف محاولاً تهدئتها.
قلتُ بصوت خفيض “يبدو من الواضح أننا بحاجة لاستكشاف تلك المنطقة.”
وافق الجميع على ذلك.
في الوقت الحالي، كانت سوزانا بحاجة إلى وقت للتعافي، فبعد حديثها، استنفدت كل قوتها وغطت في نوم عميق سريعاً، بدت شاحبة وهزيلة، وبشرتها جافة وفاقدة للحياة بسبب الأيام التي قضتها بلا غذاء سليم.
بعد فحص حالتها، قال نوكس إنها تعاني من سوء تغذية حاد وستحتاج وقتاً طويلاً للتعافي، قررنا تخصيص غرفة لها، وبينما كنتُ أحدق في المدفأة، قلتُ بتردد.
“متى تظنون أننا يجب أن نبدأ في تقصي هذا الأمر؟”
أجاب إيدن بلا مبالاة “حسناً، لا يبدو أن هناك وحوشاً تخرج من هناك الآن، لذا لا يوجد استعجال فوري.” ثم أضاف “لكن كلما كان ذلك أبكر، كان أفضل، ألا تظنين ذلك؟” ونظر إلى هاريسون كأنه يطلب تأييده.
تنهد هاريسون وهو يكتف ذراعيه ويحدق في المدفأة، ثم تمتم لي بإحباطه “بصراحة، أرى أن الأمر خطير جداً عليكِ لتقودي أي فريق بحث، يمكنني تولي الأمر بدلاً منكِ، وسأعمل بضعف جهدي في مكانكِ.”
كانت هذه المرة الأولى التي أسمع فيها هاريسون يبدي اعتراضاً كهذا، ورغم دهشتي، كان عليّ الرد.
“هاريسون.”
نظر إليّ بتعبير يوضح عدم رضاه، فسألتُه بصراحة.
“هل يمكنك توجيه لكمة لوحش وقذفه بعيداً؟”
“…”
“أنا أستطيع، وإذا طلبتَ مني تمزيق أحدهم إرباً، أظنني قادرة على فعل ذلك أيضاً.”
“…هاه.”
“انتهى النقاش، أليس كذلك؟”
بجانبنا، انفجر إيدن ضحكاً وهو يتمتم بشيء مثل “هذا سيصيبني بالجنون.” أما نوكس، الذي كان جالساً قرب السرير، فهز رأسه بعدم تصديق.
تدخل نوكس قائلاً “مع ذلك، يجب أن ننتظر حتى الغد للاستكشاف، سوزانا عادت للتو، وكل شيء في حالة فوضى، نحتاج لإعداد خطط طوارئ قبل الدخول، لنراقب الوضع ليوم واحد.”
تصرف هاريسون وكأنه والد شيري، بينما اتبعت شيري كلماته بطاعة كابنة مهذبة.
سألت شيري هاريسون “هل نتحدث في غرفة المعيشة؟”
ورغم أنها هي من اقترحت المكان، إلا أنها غادرت الغرفة معه كأنها سجين يُساق إلى حبل المشنقة.
تبعهم إيدن إلى الممر، واتكأ على الجدار وهو يراقبهما بصمت وهما يتوجهان نحو غرفة المعيشة في نهاية الممر، حتى وهي تغلق باب غرفة المعيشة، لم تلتقِ عينا شيري بعيني إيدن؛ كان واقفاً هناك تماماً، على بعد لمحة منها، لكن تركيزها بالكامل كان منصباً على هاريسون.
بالتفكير في الأمر، حتى عندما أخبرها إيدن أنه لن يغادر، كل ما فعلته هو التحدث عن الحليب، كان موقفها غير مبالٍ، وكأن بقاءه أو رحيله لا يهمها حقاً.
تمتم إيدن لنفسه “بعد كل المساعدة التي قدمتُها لشيري، يبدو أنها لا تهتم سواء بقيتُ أم رحلت.”
تذكر ردها حينها “ماذا تقصد بأنني لا أهتم؟، لقد كنتُ حزينة حقاً لظني أنني سأفقد رفيقي في شرب حليب الصباح.”
الحليب… هذا كل ما كان لديها لتقوله.
تنهد إيدن وابتلع ضحكة مريرة، لم يبدُ أن شيري تهتم به على الإطلاق، ولو قليلاً، ولم تبدُ محتاجة لمساعدته بعد الآن أيضاً، ومع ذلك، شعر أن الرحيل دون ندم أمر صعب بشكل غريب.
“هل يمكنك توجيه لكمة لوحش وقذفه بعيداً؟”
“أنا أستطيع، وإذا طلبتَ مني تمزيق أحدهم إرباً، أظنني قادرة على فعل ذلك أيضاً.”
لم تفكر حتى في سلامتها الشخصية، كانت الوحيدة القادرة على القتال في المواقف التي تتطلب قوة غاشمة، ومع ذلك كانت متهورة جداً بجسدها.
علم إيدن أنه لو لم يكن موجوداً، ستحاول شيري التعامل مع كل شيء بمفردها مجدداً، وهذا… لم يرق له، ولم يستطع تفسير السبب تماماً.
* * *
“تلقيتُ رسالة أنا أيضاً، قالت إن وحشاً سيظهر في شارع نوتيوم 61 وإن الناس سيموتون.”
“رأيتُ الوحش الموصوف في الرسالة، وكنتُ خائفة جداً من البقاء في العاصمة، قالت الرسالة أيضاً إن الوحش معدٍ، في البداية لم أصدق الأمر حقاً.”
“أخبرتُك—ليس لدي سوى المال، لذا كنتُ أبحث عن الإثارة، لكن عندما أتيتُ إلى هنا ورأيتُ المزارع يتحول، أدركتُ أن الرسالة كانت محقة، لا أعرف من أرسلها، لكن كل ما ورد فيها كان حقيقة، انظر إلى العالم الآن، دمره فيروس معدٍ.”
أعدتُ استخدام العذر نفسه الذي قدمتُه لإيدن، مع تعديله قليلاً لهاريسون، كان يجب أن تظل قصتي متسقة أمام الجميع.
سأل هاريسون، الذي أخذ كلماتي بجدية شديدة “لماذا لم تخبريني بهذا من قبل؟”
“لقد أخبرتُك يا هاريسون، لكنك قلت لي أن أزور المستشفى، أنا مجروحة، كما تعلم.”
تمتم هاريسون بالاسم، لكن مهما فكر، لم يبدُ أنه وجد أي صلة، تنهد مجدداً بإحباط.
وقال “والعالم بهذا الحال، سيكون العثور على أي أدلة أمراً مستحيلاً تقريباً.”
أومأتُ برأسي.
“ولكن، هاريسون، متى علمتَ بشأن قوتي؟”
رغم أننا الآن بمثابة عائلة، إلا أنني في ذلك الوقت كنتُ خجولة جداً من إخباره بقدراتي.
“علمتُ منذ البداية، أخبرني سيد العائلة* بذلك.”
(سيد العائلة هو أبو شيري)
“ماذا؟، وهل تعرف من أين حصل والدي على تلك العقاقير؟”
هز هاريسون رأسه “لقد بحثتُ في الأمر، لكنني لم أجد شيئاً، المصدر لا يزال لغزاً.”
حتى هاريسون لا يعلم؟، زاد ذلك من فضولي فقط.
“في الوقت الحالي، يبدو أنه لا توجد طريقة لكشف الحقيقة عن أي شيء، أتساءل إن كان العالم سيعود لطبيعته يوماً…”
تنهد هاريسون مجدداً، وملأ القلق وجهه.
لكنني لم أكن قلقة؛ فإذا كانت أورورا وثيودور طرفاً في الأمر، فسيصلحان هذا بطريقة ما، أنا أثق بهما.
‘إذا لم يفعلا، فسيفقدان مكانتهما كأبطال للقصة…!’
علاوة على ذلك، سيكون جمع المعلومات أسهل بكثير في العاصمة.
مهلاً، هل ذكرت الرواية أن مدينة ويستمور قد أُغلقت؟
لم أستطع التذكر، ولكن بما أن مجموعة أورورا زارت برونيل بعد حوالي ستة أشهر من نهاية العالم، فمن المرجح أن الطرق لم تكن مغلقة في القصة.
على أي حال، إحلال السلام العالمي هو مهمة الأبطال، فأنا مشغولة جداً بالحفاظ على بيتي السعيد لدرجة لا تسمح لي بالاهتمام بذلك.
كان من المتوقع أن يستغرق تعافي سوزانا عدة أسابيع، وبعد فحصها، أكد نوكس ذلك، وبما أنها لم تستيقظ بعد شرح حالتها، طمأننا نوكس بأن هذا على الأرجح أول نوم حقيقي لها منذ وقت طويل.
وبعد أن نفد صبري، قررتُ استكشاف الممر الأرضي مع إيدن.
تجمع الجميع في بيتي السعيد حول المدفأة.
ناديتُ بصوت خفيض “سيد إيدن.”
أومأ إيدن برأسه، ملوحاً بمسدسه بخفة.
سلمني هاريسون الفانوس بعد إشعاله “كوني حذرة يا آنستي.”
ذكرتُه قائلة “أرجو أن تتأكدوا من بقاء الباب مفتوحاً، فلا يمكن فتحه من الداخل.”
أومأ هاريسون، لكن نوكس هو من أجاب “بوجود كل هؤلاء الناس هنا، لا تقلقي يا آنسة شيري.”
وبعد أن شعرتُ بالاطمئنان لوجود الجميع، تبعتُ إيدن وخطوتُ بحذر داخل المدفأة.
التعليقات لهذا الفصل " 79"