كان عمق المدفأة من الداخل مظلماً للغاية، لدرجة بدا معها من المستحيل تحديد أين ينتهي.
تحدث إيدن، الذي سحب كرسياً وجلس أمامها “هذه المدفأة… تفحصتها سريعاً، لكن العتمة شديدة ولا يمكن رؤية شيء، يجب أن نحضر فانوساً أو ما شابه لنلقي نظرة فاحصة.”
عند سماع كلمات إيدن، تبادلتُ أنا ونوكس النظرات قبل أن نلتفت مجدداً نحو سوزانا.
“في الوقت الحالي…”
بدأتُ الحديث وأنا أمسح بلطف على وجه سوزانا الشاحب والمنعكس عليه الرعب.
“سيد رودبورشر، أرجو أن تعتني بسوزانا ومعك إيما، سأذهب لتفحص المدفأة مع السيد إيدن.”
بجانب المدفأة، كان كل من إيمي وهوسيل يختلسان النظر إلى الداخل بتعابير فضولية.
“ابتعدا.”
دفع إيدن كليهما جانباً ووقف أمام المدفأة، أما إيمي، التي كانت ترفع اصبعها الاوسط له بغضب من وراء ظهره، فقد سارعت برسم ابتسامة مشرقة بمجرد أن التقت عيناها بعينيّ، بينما نظر إليها هوسيل وكأنه رأى للتو شيئاً غريباً جداً.
في تلك اللحظة، اقترب هاريسون وهو يتنهد، معترضاً طريقي.
“أنا أتفهم نواياكِ، ولكن لا ينبغي لكما التسرع، ما رأيكِ بالانتظار حتى تستيقظ سوزانا؟، قد يكون من الأسلم التحرك بعد سماع ما حدث منها.”
عندما فكرتُ في الأمر، وجدتُ أنه محق، واقتنعتُ سريعاً بمنطق هاريسون.
* * *
وكما اقترح هاريسون، قررنا ترك المدفأة وشأنها في الوقت الحالي؛ فالمخاطر المحتملة كانت كثيرة جداً.
‘هذا لا يبدو طبيعياً، ظننتُه مجرد منزل مهجور عادي…’
حدقتُ بصمت في فوهة المدفأة المظلمة، وشرع عقلي يسترجع ما قالته فانيلا عن القصر في الرواية.
[نجت فانيلا بمفردها لمدة ستة أشهر في قصر معزول في قرية برونيل.
وصفت القصر بأنه مميز، وذكرت أيضاً أنه مهيأ تماماً للنجاة.
القصر الذي أظهرتْه لنا كان مطابقاً لوصفها تماماً.
─ من رواية <الحبّ في عالم مدمر>]
كون القصر مميزاً… أتذكر هذا الجزء يقيناً، وبينما يمكن تفسير الادعاء بأنه مهيأ للنجاة بطرق عدة، فإن وصفه بـالمميز يحمل معنىً أعمق.
نظرتُ إلى فانيلا، وكأن إيدن قرأ أفكاري، فخاطبها مباشرة.
“مهلاً أنتِ، قلتِ إنكِ المالكة الأصلية لهذا المكان، أليس كذلك؟، ما حقيقة هذا الشيء؟”
التفت الجميع نحو فانيلا، التي كانت تقف قرب الباب تراقب الموقف، فهزت كتفيها بلا مبالاة.
“لم يسبق لي أن دخلتُ هذا القصر بنفسي، لذا لا أعلم.”
مشت ببطء لتتفحص المدفأة، وبعد لحظة من التمعن، نظرت في الممر المظلم بتعبير متأمل، لم أتمكن من منع نفسي من السؤال.
“قلتِ إنكِ مالكة هذا القصر، فهل حقاً لم تدخليه قط؟”
حكّت فانيلا خدها بارتباك.
“كما قلتُ سابقاً، أنا أدير الكثير من العقارات، لو لم تشترِ سينكلير هذا القصر، لربما قمتُ بتفقده في وقت ما.”
بالتفكير في الأمر، هي تمتلك بالفعل عقارات في كل من بينتون وويستمور، وإذا أسعفتني الذاكرة، فقد ذكرت أنها تمتلك أربعة أو خمسة عقارات أخرى في أماكن متفرقة.
‘لقد توفي البارون والبارونة روسكين في حادث سيارة قبل عام…’
عام واحد يمر بسرعة بين تسوية أمور الميراث وفترة الحزن؛ وإدارة هذا العدد من العقارات في وقت قصير كهذا سيكون أمراً مرهقاً.
‘لقد توفي والداي في حادث سيارة قبل ثلاث سنوات…’
شعرتُ بنوع من القرابة الغريبة مع فانيلا يتدفق بداخلي.
“إذاً، أنتِ لا تعرفين أي شيء عن المالك السابق لهذا القصر أيضاً؟”
“هناك ملف في الغرفة التي كنتُ أقيم فيها في نزل برونيل، قد يحتوي على بعض المعلومات عن المالك السابق.”
“آه… برونيل…”
تنهدتُ بعمق، وبدا أن الجميع شاركوني التفكير ذاته، إذ ساد الصمت الغرفة، عبارة ‘غرفة نزل برونيل’ تعني أن الوثيقة تقبع على الأرجح في وسط منطقة تعج بالوحوش، وحتى لو وصلنا، قد لا يحتوي الملف على شيء مفيد.
‘علاوة على ذلك، لا يبدو أن هذا الممر الأرضي له علاقة مباشرة بالفيروس، أنا فضولية فقط لمعرفة سبب بنائه، فهل يستحق الأمر المخاطرة؟’
وبينما كنتُ غارقة في هذه الأفكار، اخترق صوت إيما الصمت من خلفي.
“أوه؟ إنها تستيقظ.”
التفتُّ لأرى سوزانا وهي مستلقية على السرير وتفتح عينيها بصعوبة.
“سوزانا!”
سلمتُ الفانوس لهاريسون وهرعتُ نحو السرير.
“آه… آنستي…”
ناداني صوت سوزانا الضعيف، فاحتضنتُها بقوة، كانت ترتجف وهي تتحدث، وصوتها يرتعش من التأثر.
“آنستي… أنا سعيدة جداً لأنكِ بأمان.”
كان جسدها يرتعد بين ذراعيّ، ألم أقل ذلك من قبل؟، سوزانا ملاك، حتى في لحظة كهذه، كانت قلقة عليّ.
“أنا من يجب أن تقول ذلك يا سوزانا، أنا سعيدة جداً لأنكِ استيقظتِ، ظننتُ… ظننتُ أنكِ فارقتِ الحياة، أنا آسفة.”
“لماذا تعتذرين يا آنستي؟، أنا من يجب أن تعتذر.”
“ولماذا تعتذرين أنتِ؟”
استمررنا في تبادل الاعتذارات حتى انخرطنا كلتانا في البكاء.
في الحقيقة، لا يمكنني القول إنني وسوزانا كنا مقربتين جداً، فنحن لم نقضِ وقتاً طويلاً معاً، ولكن من يكترث للمدة؟، المهم هو الرابط الذي يجمعنا.
لقد قطعت سوزانا كل هذه المسافة إلى قرية برونيل النائية من أجلي دون تردد، لم أخبرها بذلك أبداً، لكن فعلتها تلك كانت تعني لي الكثير، فحتى الآن، لم يضعني أحد في المقام الأول وبشكل غير مشروط مثلها.
بعد أن احتضنا بعضنا وبكينا لما بدا وكأنه دهر، شعرتُ أخيراً بالإحراج؛ فالجميع كانوا يراقبوننا طوال الوقت.
ناولني هاريسون منديلاً بينما كانت إيما تمسح وجه سوزانا، عندها، وبفضول لا يمكن كبحه، سألت إيمي.
“ستار كاندي، هل هذه خادمتكِ؟”
“أيتها الصغيرة…”
رمق إيدن إيمي بنظرة حادة، يأمرها صمتاً بمراعاة الموقف، صمتت إيمي، وأخذ هوسيل يدها ليعيدها خطوة إلى الوراء.
ساعدها نوكس بلطف على الاستلقاء مجدداً. اقترب هاريسون وسألها.
“هل تتذكرين ما حدث؟”
اتسعت عينا سوزانا دهشة عندما رأت هاريسون، ونظرت حولها إلى الوجوه المجتمعة قبل أن تسأل.
“سيد المحامي… كيف وصلت إلى هنا؟، ومن هؤلاء الناس جميعاً؟”
“تلك… قصة طويلة، هل يمكنكِ إخبارنا بما حدث؟، إذا كان الأمر شاقاً عليكِ، يمكننا التحدث لاحقاً.”
مسحتُ على يد سوزانا المضممدة محاولةً طمأنتها، لكنها هزت رأسها.
“أنا بخير… سأشرح لكم.”
أمسكتُ يدها وأومأتُ لها، فبدأت تروي قصتها ببطء.
“في ذلك اليوم… اليوم الذي ذهبتِ فيه لاستقبال السيد المحامي… بقيتُ أنا في القصر لأطعم الدجاج، استمر أحدهم في الطرق على البوابة الأمامية، ظننتُ أنها أنتِ يا آنستي، وإنكِ عدتِ من أجل شيء نسيتِه.”
تدخل هاريسون بابتسامة ساخرة “إنها تميل إلى نسيان الأشياء غالباً.” تنحنحتُ ورمقته بنظرة حادة.
“ناديتُ سائلةً إن كانت أنتِ يا آنستي، لكن لم يكن هناك رد، مجرد طرق على البوابة، مراراً وتكراراً.”
ارتجفت سوزانا وضمّت ذراعيها إلى صدرها وهي تتابع.
“شعرتُ بشيء غريب، لكنني فتحتُ البوابة على أي حال، تملكني الفضول لمعرفة ما يجري، أنا آسفة يا آنستي، لقد طلبتِ مني أن أكون حذرة.”
“لا، إنه خطئي أنا، لأنني رحلتُ دون شرح الأمور بشكل كافٍ.”
في ذلك الوقت، ظننتُ أن الأمور ستكون بخير لأنه كان لا يزال هناك عشرة أيام قبل نهاية العالم، لم أغلق البوابة حتى عندما غادرت؛ فإغلاقها كان سيصعب على سوزانا الخروج، ومزلاج البوابة نفسه كان ثقيلاً لدرجة أن رجلاً بالغاً قد يجد صعوبة في رفعه، رأيتُ أنه من الأفضل تركها غير موصدة.
“ماذا وجدتِ عند البوابة حين فتحتِها؟”
“آه… كان هناك شخص مغطى بالدماء، منهار أمام البوابة، أم تمسك بطفلها، كلاهما بدا مصاباً بجروح بالغة، لذا أدخلتهما، ظننتُ أنني بحاجة لمساعدتهما، وربما استدعاء طبيب، كانا يبدوان وكأنهما يحتضران.”
حينها أدركتُ الحقيقة، وحش الذئب الذي رأيتُه كان الأم، والمخلوق الأصغر الذي يشبه الدب كان الطفل.
“أخذتهما إلى قاعة الطعام أولاً، وبينما كنتُ أعالج جروحهما بمعدات الإسعافات الأولية… تحولا فجأة، كان الأمر مرعباً جداً… مرعباً جداً…”
التعليقات لهذا الفصل " 78"