كان هناك مخيم نجاة آخر في قرية كيندت المجاورة أيضاً، غير أن قائده كان سيئ السمعة ويُعرف بقسوته الشديدة.
على ما يبدو، كان ذلك الرجل كفؤاً بشكل مفاجئ، واستطاع تكوين مخزون جيد من الإمدادات عن طريق غزو مخيمات النجاة الأخرى.
‘ربما يجدر بي التفكير في نهبهم.’
كان مخيمهم مقاماً في مكان أعرفه جيداً: فندق سينكلير، فرع كيندت.
‘ممم، ولكن هل يمكننا الوصول إلى كيندت بسلام أصلاً؟’
قد ينشب قتال إذا لم نكن حذرين، بدا الأمر وكأنه فكرة مستحيلة.
فأنا في جوهري شخصية مسالمة، وعلى عكس أورورا في رواية <الحبّ في عالم مدمر> لم تكن لدي أي رغبة في غزو مخيمات النجاة الأخرى والبروز كمجموعة ناجين عظيمة، لم أكن مهيأة لمثل هذه الأمور على أي حال.
‘أفضلُ فقط أن…’
أن أنجو بهدوء مع مجموعتي.
أما أورورا وثيودور فسيجدان حتماً طريقة لحل هذه الأزمة في النهاية؛ فهما بطلا القصة على كل حال.
“في الوقت الحالي، يمكننا جمع الطعام من الجبال أو صيد الحيوانات البرية، ولكن قد تهاجمنا الوحوش، لذا سنحتاج إلى تشكيل فرق وتخطيط استراتيجياتنا بعناية، سنصمد بهذه الطريقة حتى تنضج المحاصيل.”
كان من الرائع لو تمكنا من جمع ما تبقى في برونيل، لكن الوحوش كانت كثيرة جداً هناك، بالطبع، لم يكن الوضع بسوء المدن الكبرى، لكن الأعداد كانت لا تزال كبيرة.
أجاب هاريسون بنبرة توحي بأنه لا يملك خياراً أفضل “مفهوم، سأضع خطة أكثر تفصيلاً.”
بما أن الصيد كان تخصص فانيلا، فقد اعتقدتُ أنه من الجيد التحدث معها بشأن ذلك.
“والأهم من ذلك…”
سكت هاريسون قليلاً وهو ينزع نظارته، ثم ضغط على أرنبة أنفه قبل أن يواصل حديثه.
“أنا فقط سعيد لأنكِ بخير، آنسة شيري، لقد كنتُ أتوق لسماع قصتكِ.”
“آه… من الطبيعي أن يتملكك الفضول، لكنني فضولية بشأن قصتك أيضاً، كيف وصلتَ إلى هنا؟، وكيف التقيتَ بهوسيل وفانيلا؟”
كنتُ فضولية حقاً، وأردتُ تحديداً معرفة كيف تورط مع هوسيل، أحد الشخصيات الرئيسية في رواية <الحبّ في عالم مدمر>.
كان رد هاريسون حازماً “إذا أخبرتِني بقصتكِ أولاً، فسأشرح لكِ قصتي.”
رائع، من أين أبدأ حتى؟
بضحكة مرتبكة، رويتُ باختصار ما حدث؛ شرحتُ كيف استقررتُ في برونيل، وكيف التقيتُ بإيدن ونوكس، وكيف تعاملتُ مع الانهيار المفاجئ للعالم ووفاة سوزانا.
وفي تلك اللحظة تماماً، دخلت إيمي إلى غرفة المعيشة.
“أختي!، الطبيب يبحث عنكِ، يقول إن وقت فحصكِ قد حان.”
“أوه، حقاً…؟”
توقيت مثالي، قفزتُ من مقعدي؛ فمن المؤكد أن سيل أسئلة هاريسون سيتبع ذلك، وكان عليّ الهروب قبل وقوع الأمر.
“يبدو أن عليّ الذهاب!”
وبضحكة مصطنعة، لوحتُ لهاريسون وتوجهتُ نحو الباب.
لكن هاريسون قطع عليّ طريق الهروب قائلاً بنبرة حاسمة ومخيفة “آنسة شيري، يجب أن نتحدث الليلة، حديثاً طويلاً، فأنا لم أبدأ بطرح أسئلتي بعد.”
كان الأمر أشبه بحكم بالإعدام، وباستسلام، عدتُ أدراجي نحوه كدمية يتم تحريكها بالزنبرك، وسألتُه.
“هل يجب أن يكون ذلك الليلة حقاً؟”
كانت لدي فكرة عما سيقوله، ولم أكن مستعدة للإجابة.
“لم ننهِ حديثنا السابق، لذا نعم، الليلة، لا يمكن التأجيل أكثر من ذلك.”
أومأتُ برأسي في هدوء بعد أن هزمتني الحجة “حسناً…”
أطلق هاريسون ضحكة خفيفة، وكأنني شخص يصعب التعامل معه، ومع ذلك لم يتراجع عن إنذاره النهائي.
“في الحقيقة يا هاريسون، العالم يقترب من نهايته، وباءٌ على وشك التفشي، وباءٌ يحول الناس إلى وحوش، لهذا السبب سأذهب إلى برونيل—للاستعداد لنهاية العالم.”
تباً، لماذا قلتُ ذلك أصلاً؟، أي عذر يمكنني اختلاقه الآن؟، إذا ذكرتُ الرواية، فسيظن على الأرجح أنني مصابة بالهذيان.
كان هاريسون من النوع الذي يطالب بتفسير منطقي يمكنه فهمه، لذا ما لم أبتكر قصة مقنعة، فإن هذا الحوار لن ينتهي أبداً، شعرتُ وكأنني أركب قطاراً لا ينتهي متجهاً إلى المجهول.
بما أننا اتفقنا على التحدث مساءً، قررتُ قضاء الوقت في التفكير في عذر ما.
…………….
……….
….
لكن عندما حلّ المساء، لم أكن قد توصلتُ إلى شيء بعد.
‘لقد قُضي علي، لقد انتهى أمري تماماً.’
كم ستستمر محاضرة هاريسون هذه المرة؟، كان من الممتع لو راهنتُ أحداً على ذلك.
ربما يجدر بي شرب بعض الحليب قبل أن نبدأ؛ فقد تكون هذا آخر كوب من الحليب لدينا، وقد تكون هذه أيضاً آخر لحظة سلام لي.
بينما كنتُ غارقة في أفكاري، بدأ الناس يتجمعون في قاعة الطعام.
كان فيكتور في المطبخ، يحرك بحماس ثلاثة قدور على الموقد في آن واحد.
بما أننا كنا بحاجة للحفاظ على المكونات، فمن المرجح أنه كان مجرد حساء، ولكن حقيقة أن طاهياً حقيقياً هو من يعده جعلت للأمر مذاقاً مختلفاً.
تمتم هوسيل وهو يمسك بملعقة وينظر بذهول نحو المطبخ “هذا يبدو وكأنه النعيم بالفعل.”
كان من السهل التأثير على هوسيل بأشياء بسيطة، رؤية تعابير وجهه المسحورة كانت ساحرة بطريقتها الخاصة، رغم أنه كان يجدر بشخص ما إغلاق فمه قبل أن يسيل لعابه على الأرض.
قامت إيمي، التي كانت تجلس بجانبه، بمد يدها وأغلقت فكه المفتوح بلطف، ثم دون كلمة واحدة، وضعت منديلاً في ياقة قميصه، محولةً إياه إلى ما يشبه مريلة الأطفال.
في الآونة الأخيرة، كانت إيمي تهتم بهوسيل بشكل غير معتاد، كانت تشك فيه علناً من قبل، ولكن منذ أن دعمها في اجتماع توزيع الأدوار، بدأت في رعايته.
لقد كان تغييراً جيداً؛ فالنبش بعمق في ماضي هوسيل لن يؤدي إلا إلى إحراجي أنا وهاريسون.
بينما وقفتُ أراقب إيما وهي تخرج أوعية الحساء، علقت حاشية قميصي بمسمار بارز من الكرسي.
تـمـزق—
ملأ صوت تمزق القماش الغرفة.
“آه!”
أطلقتُ صرخة خفيفة من المفاجأة، فوضعت إيما الحساء بسرعة وجاءت لتفقد قميصي الممزق.
عرضت عليّ بلطف “يمكنني إصلاح هذا لكِ، آنسة شيري.”
“حقاً؟”
“هذه مسؤوليتي، لقد كنتُ أدير متجراً للملابس، أتذكرين؟، اتركي الأمر لي، لن يستغرق طويلاً.”
كانت ابتسامة إيما الدافئة تبلسم الروح، كانت في الأربعينيات من عمرها، ومع ذلك بدت منعشة وأنيقة مثل زهرة الزنبق.
لأكون صادقة، كان هناك الكثير من النساء الأصغر سناً والأجمل هنا، لكن إيما كانت الأبرز بجمالها، وللعلم، جاء هوسيل في المرتبة الثانية.
بينما كنتُ واقفة أتأمل تعبيرات إيما الهادئة، تردد صدى ضجيج غريب في القصر.
طـرقة.
بدا الأمر وكأن شيئاً ما يصطدم بجدار، كأن شخصاً ما يضربه عمداً بجسم ما.
ماذا كان ذلك؟
خيم الصمت على قاعة الطعام.
لم يأتِ الصوت من الخارج، بل كان من داخل القصر.
تمتم نوكس وهو يميل برأسه ليستطلع الممر “بدا الصوت قريباً.” لقد جاء الصوت من مكان وراء قاعة الطعام مباشرة.
ومضت ذكرى اختفاء سوزانا في ذهني، تفقدتُ الغرفة بسرعة: إيدن، نوكس، هاريسون، فانيلا، إيمي، هوسيل، فيكتور، وإيما—لحسن الحظ، الجميع كانوا موجودين.
مد إيدن يده وربت على رأسي بخفة قبل أن يقف.
“ابقوا هنا جميعاً، سأتحقق من الأمر.”
وقفتُ على الفور وتبعته.
قلتُ وأنا أمسك بالفأس الذي كنتُ قد أسندته بجانب كرسيي “هذا منزلي، أنا من يجب أن تذهب.”
اتسعت عينا هاريسون، الذي اقترب مني، بدافع القلق وقال “آنسة شيري، هذا خطر.”، ثم أخذ الفأس من يدي بعناية ووضعه مرة أخرى على الطاولة.
رغم أنه شهد قوتي الغاشمة عندما أنقذتُ فيكتور وإيما، إلا أنه لا يزال يتصرف بهذه الطريقة.
‘مهلاً… هل أخبرتُ هاريسون يوماً عن قوتي؟’
لقد شاركتُ تلك الحقيقة مع سوزانا، ولكن الآن وبعد التفكير في الأمر، كنتُ قد أخفيتها عن هاريسون، لماذا لم أخبره؟، ولماذا لم يسأل؟
‘هل كان يدخر ذلك لاستجواب الليلة؟’
تسبب لي عدد الأسئلة المحتملة التي قد يطرحها هاريسون الليلة في ارتباك شديد.
تحدث نوكس، الذي لم يعجبه موقف هاريسون الحمائي، بابتسامة كسولة “خطر؟، لا بد أنني لم أسمعك جيداً أيها المستشار، أليست الآنسة شيري هي أخطر شخص هنا؟”
فرك نوكس ذقنه بتفكير، ثم التقت عيناه بعيني وغمز لي بمكر.
“لكمة واحدة من الآنسة شيري، وسنكون جميعاً في عداد الموتى في لحظة…”
التعليقات لهذا الفصل " 76"