صار صوت بكاء الناس ونحيبهم يُثير في سينييل اشمئزازًا عميقًا.
كان السماء بعد أن اجتاحتها العاصفة قد صفَت تمامًا ونُظِّفتْ حتى لم يبقَ فيها غبار.
تشقَّقت الابتسامة الدائمة الهادئة التي كانت تعلو وجهه دائمًا.
ترك خلفه الأصوات الحزينة التي تُخلِّد ذكرى الذين قضوا في العاصفة.
لم يعد لديه وقتٌ للاستماع إلى مثل هذا الأنين.
مضت ثلاثة أيام على انهيار الجسر.
قبل يومين، أمر بتعذيب جويل بالتمزيق حتى الموت، ثم تأكَّد بنفسه من جثمانه حتى آخر تفصيل.
وما أن انتهى من ذلك حتى انطلق هو شخصيًّا للبحث عن فيفي.
لكن فيفي لم تكن موجودة في أيّ مكان.
في تلك الأثناء، سارع الكهنة – وسينييل في مقدِّمتهم – إلى إعادة بناء الجسر.
كان الكهنة يقولون أنَّ ذلك من أجل راحة المسافرين وسلامتهم، أمّا سينييل فكان له هدفٌ آخر تمامًا:
خشية أن تكون فيفي قد عبرت إلى القرية المقابلة، ثم سقطت عاجزةً عن الحركة في مكانٍ ما، وحيدةً تنتظر الموت.
بفضل تظافر جهود الجميع – وسينييل في القلب منها – أُعيد بناء الجسر بقوةٍ وسرعةٍ ملحوظة.
“معالي رئيس الكهنة… الأنباء من قرية نوفيدي لم تصل بعد.”
في اليوم السابق، ذهب حتى القرية المقابلة للبحث عنها، ولم يجد شيئًا.
قسَّموا المنطقة وفتَّشوها شبرًا شبرًا، ولم يعثروا حتى على شعرةٍ واحدةٍ من شعرها الوردي.
أرسلوا أشخاصًا حتى أسفل مجرى النهر، ولم يأتهم جديد.
كلّ ما وصل من أخبار عن فيفي حتى الآن كان ما حدث في يوم العاصفة فقط.
[رأيتُ امرأةً ذات شعرٍ ورديٍّ تصرخ بأعلى صوتها من مكتب الأمن، تأمر الناس بالخروج من على الجسر. قالت أنَّها ستفرض غرامات، فخفتُ ولم أعبر، وذهبتُ إلى أيّ نزلٍ وجدته.]
[التقيتُ بها عند طرف الجسر. وبعد قليل اشتدَّت الريح حتى اهتزَّ الجسر، فنظرتُ خلفي لأرى ما سيحدث لها. رأيتها في المنتصف تقريبًا تتحدَّث مع رجلٍ ما. بدا أنَّها تبطئ في الركض، ثم بعد لحظات حملها الرجل بين ذراعيه. وبعدها صرتُ أهرب لأنقذ نفسي فلم أعد أعرف ما حدث.]
[يبدو أنَّها سقطت من المنتصف تقريبًا… من الصعب جدًّا أن تكون نجت. الجسر مرتفعٌ جدًّا، والتيار في النهر أسفله عنيفٌ…]
[بفضل تلك المرأة لم يعبر كثيرون الجسر. ومن عبر رغم تحذيرها فهم من ضحَّوا بحياتهم بأنفسهم.]
الخبر الوحيد الجديد الذي وصل كان بشعًا: عُثر على جثة امرأة ذات شعرٍ وردي.
في كلّ مرةٍ يصل مثل هذا الخبر، كان قلبه يهوي إلى الحضيض.
يُردِّد في نفسه بجنونٍ “لا يمكن أن تكون هي”، ثم يذهب ليتأكَّد من الجثة، ويتأكَّد مرةً أخرى.
أمّا الصحف فقد أعلت من شأن فيفي، ووصفتها بأنَّها ” الزوجة التي ربطها المصير بالبطل”، و”البطلة التي ضحَّت بنفسها لإنقاذ الناس”.
في البداية كان المديح صادقًا، ثم سرعان ما تحوَّل إلى رواياتٍ مثيرةٍ مبالغٍ فيها لزيادة المبيعات.
وحتى الصحفيّون الوقحون اقتربوا منه يتساءلون عن تفاصيل حياتها، مدَّعين أنَّهم يريدون كتابة سيرتها.
دفع سينييل تلك الذكريات بعيدًا بعينين محمرتين من شدَّة الاحتقان.
كان ينوي الآن توسيع نطاق البحث إلى القرى السفلى.
كان على وشك ركوب الحصان بنفسه والانطلاق.
“لقد أرسلنا كلَّ فرق البحث… أليس من الأفضل أن تعود إلى داخل المعبد حتى تأتي الأنباء؟ كما أنَّ المرفأ أيضًا تضرَّر كثيرًا، فيجب أن تذهب إليه…”
كان ذلك عتابًا مبطَّنًا: هذا ليس وقت البحث عن زوجتك، بل وقت أداء واجبات رئيس الكهنة.
نظر سينييل إليهم من فوق حصانه بلا تعبير، وجهه جامدٌ كالحجر.
لقد سئم من الواجبات المفروضة عليه، والأخلاق، والخير، وكلّ ما يُلزَم به.
“اسحبوا منّي منصب رئيس الكهنة. هذا أفضل للجميع.”
“ماذا؟! معالي رئيس الكهنة؟! رئيس الكهنة!!”
صرخ ببرودٍ قاطع، ثم دفع حصانه بقوةٍ وعنف.
حاول الكاهن أن يتبعه بعينين مندهشتين، لكن سينييل كان قد انطلق بسرعةٍ جنونية فلم يتمكَّن من ملاحقته.
لم يعبأ بسحب العيون المحمرَّة، وركب الحصان بلا هوادة.
كثيرًا ما كانت عيناه تتورَّمتين وتتعبتين، وما أن تعالجا حتى تعودا إلى الاحمرار من جديد.
لم تكن الدموع تنزل، لكنَّ الشعور بالفقدان الذي يتصاعد جعل حافة عينيه تحترق من الألم.
‘فيفي…’
ردَّد اسمها في سرّه مرارًا وتكرارًا.
لو كانت حيَّةً فقط، لاستطاع أن بعالجها من كلّ شيء.
مجرد التفكير فيها ملقاةً في مكانٍ ما تنتظر الإنقاذ جعل قلبه يحترق من القلق الشديد.
‘آسف لأنّني تأخَّرتُ دائمًا. اليوم… اليوم سأجدها بالتأكيد.’
انطلق سينييل على حصانه بجنونٍ حتى اختفى.
* * *
رمشت فيفي بعينيها.
كان كلّ شيءٍ من حولها أبيض تمامًا.
في فضاءٍ فقد فيه الشرق والغرب والجنوب والشمال معناه، شعرت بذهنها يبتعد ويغيب.
كانت تتذكَّر أنَّ هناك شيئًا كانت تتمنَّاه بشدَّة، لكنَّ الذاكرة خانتها.
مشَت بضع خطواتٍ أخرى ثم توقَّفت.
خطر ببالها أنَّه من الأفضل أن تبقى في مكانها بدل أن تتحرَّك وتنسى موقعها الأصلي.
شعرت بألمٍ في ساقيها، فجلست على الأرض.
أخذ الإرهاق يغمرها بسرعة، فأخذ رأسها يتمايل وهي تغفو.
بدأ ضوءٌ صغيرٌ يتشكَّل أمام عينيها، كأنَّه يمتصّ النور من كلّ الجهات، وصارت المنطقة المحيطة به مظلمةً سوداء.
“يمكنكِ أن تقولي أنّني… جنية. وإن لم أكن جنية بالمعنى الدقيق.”
فجأةً تقول أنها جنية.
إذن فإنَّ لقاء الجنية يعني غالبا أنَّها ماتت.
للتأكّد من افتراضها سألتها:
“إذن أنا ميتة؟”
“تقصدين الجسد الذي كان على الأرض؟ بالطبع مات ذاك الجسد.”
“لا، ليس ذلك. أقصد جسدي هنا.”
“حسنًا… سأخبركِ بذلك بعد أن أنتهي من حديثي. آه، لا تصنعي هذا الوجه المرعب. لقد اتفقنا على أن نتحدَّث في هذا الأمر حتماً. لأنَّنا عقدنا صفقة، أليس كذلك؟”
“صفقة؟”
“يبدو أنَّ الذكريات محيت حين دخلتِ ذلك الجسد. حسنًا، سأشرح لكِ من جديد. دعيني أفكّر… من أين أبدأ؟ آه، أنتِ تتذكّرين بالتأكيد أنَّ هذا العالم داخل رواية…”
شعرت فيفي بشيءٍ غريب، فتجعَّد أنفها في تعبيرٍ من الاستغراب.
“هل نبدأ من هناك إذن؟ هل سمعتِ يومًا بفكرة أنَّ الكاتب إذا انغمس في القصة انغماسًا مفرطًا، وأكل أرواحًا ليصنع منها حكاية، فإنَّ ذلك قد يُولد عالمًا حقيقيًّا؟ الأمر قريبٌ من هذا. هذا العالم داخل الكتاب، لكنَّه في الوقت نفسه عالمٌ مستقلٌّ خارج الكتاب. وأنا… صرتُ الجنية التي تساعد في بناء هذا الكتاب. همم… ربما يسهل الأمر إذا تخيّلتِ أنَّ الفكرة تحولت إلى جسيمات مادية؟”
ما هذا الكلام؟ لقد كان من الأسهل فهم أنَّ للماء عواطف، أكثر من هذا.
“لا بأس إن لم تفهمي. المهمّ يبدأ الآن. فيفي… هل تتذكّرين جويل؟”
تجمَّعت الذكريات المتفرّقة فجأةً عند سماع اسم جويل.
تذكَّرت فيفي أنَّ عليها العودة إلى سينييل وكيد.
“أتذكَّره.”
“وتتذكّرين أيضًا كيف صُدمتِ لأنَّ الشخصيات مختلفة عمَّا في الرواية؟”
“نعم.”
“في الرواية الأصلية، كان يُفترض أن يكون سانشي طيّبًا جدًّا، وأن يكون كيد وسينييل مجرَّد نتاج تجارب، لكنَّهما كانا مختلفين تمامًا. والسبب هو الإعدادات. الكاتب كتب إعداداتٍ مفصَّلة جدًّا، ثم لم يتمكَّن من إدراجها كلّها في النص الفعلي.”
“أها…”
عبست فيفي. فجأةً تظهر جنية وتبدأ بالحديث عن رواياتٍ وإعداداتٍ وكلامٍ في الهواء.
وهي تريد العودة إلى سينييل وكيد.
“يبدو أنَّكِ مللتِ. حسنًا، سأذهب إلى صلب الموضوع. لقد لاحظتِ بالتأكيد: هذا العالم لا يسير تمامًا كما جاء في الرواية. كان الكاتب في الأصل ينوي كتابة نهايةٍ حزينة.”
“ماذا؟”
“لكن بسبب المال، أُجبر على تغييرها إلى نهايةٍ سعيدة. أخبره المحرّر أنَّ النهايات الحزينة لا تُباع، فبكى وعدّل النهاية. كذلك إعدادات جويل وكيد وسينييل كانت ثقيلةً جدًّا بالنسبة لفئة القرّاء العمرية، فاقترحوا عليه أن يخفّفها، فبكى مرّةً أخرى وأزالها.”
“آه… نعم…”
“صحيح أنَّه جنى مالًا وفيرًا، لكنَّ الكاتب كان حزينًا جدًّا. لذلك، في الخفاء، أعاد كتابة النهاية بناءً على الإعدادات الأصلية. يمكنكِ الرجوع إلى ما يلي تقريبًا.”
كان البشر كائنات مليئة بالطمع والأنانية، يطلبون من الجنية حين يحتاجون، ثم ينسون وجودها تمامًا. ومع ذلك، فقرَّرت أن تعطيهم فرصة أخيرة و تختبرهم: هل يستحقّون أن يبقى هذا العالم؟
“إن استطعتم أن تصنعوا وحشًا بأيديكم، ثم تحبّوه، وتفهموه… فإنّي أيضًا سأسامحكم.”
حتى يفهموا نيّتها، زرع لهم تلميحًا على شكل أحلام. ثم اكتفت بالمراقبة.
نظرت الجينية إلى سينييل وإيزيت وهما مغرمان. كانا يحبّان بعضهما بحرارة، ومع ذلك لم يثق أحدهما بالآخر قطّ.
كان سينييل وكيد يعيشان في خوفٍ دائم: ماذا لو عرفت إيزيت سرَّهما فتركتهما؟ أمّا إيزيت فكانت تكره الرجلين أكثر يومًا بعد يوم لأنَّهما يخفيان عنها شيئًا.
تعفَّن قلب كيد من الداخل.
عاد سينييل إلى عادة جلد الذات.
وإيزيت كانت تنتظر أن يخبراها، وتقرّر في قرارة نفسها أن تحبَّهما مهما حدث.
نادت الجنية إيزيت بهدوء:
“هل تريدين أن أخبركِ بسرّهما؟”
“…سأنتظر حتى يخبراني هم بنفسيهما.”
“يجب أن تعلمي أنَّهما يكبحان رغبة القتل يوميًّا.”
“لا تختبريني.”
“تخدعين نفسكِ وتهربين. انظري إلى هناك: إنَّهما يخدعانكِ ويجريان تجارب أخرى. مخلوقٌ نتج من تجربة، وهو الآن يصنع وحشًا آخر بالتجارب.”
عادت إيزيت إلى البيت، فوجدتهما كما هما رغم إزالة الشرّ. ماذا حدث؟ هل خدعتها الجنية؟ أم أنَّهما شرٌّ خالصٌ لا يُزال؟
في النهاية، تخلَّت إيزيت عن محاولة فهمهما.
لم يتمكَّن سينييل وكيد من منعها من الرحيل.
انتظرت الجنية طويلًا، لكن لم يأتِ أحدٌ بعدها ليحاول فهمهما حقًّا.
بدأ العالم يتفتَّت تدريجيًّا.
رفع سينييل عينيه إلى السماء المتصدّعة وأغمضهما.
لو مات الجميع وصاروا واحدًا، فلن يشعروا بهذه الوحدة القاسية.
“قصة كئيبة جدًّا. لكن لماذا تُرينني كلَّ هذا بالضبط؟ هل تريدين أن تقولي أنَّ سينييل مات وحيدًا؟ أنا غير مهتمةٍ بذلك. هل أنا ميتة أم حيَّة؟ إن كنتُ حيَّةً فأعيديني الآن. أرجوك.”
“…هذا تلميح. لا أستطيع قول الأمر مباشرةً… أحاول إعطاءكِ أكبر قدرٍ من المعلومات… حسنًا. ننتقل إلى الموضوع الحقيقي الآن. على عكس الرواية الأصلية، ظللتُ أساعد البشرفي الخفاء، وما زلتُ حتى الآن. أرى نفسي الآن خطأً في الإعداد. لكنَّ هذا الخطأ لم يؤثّر كثيرًا في تغيير القصة.”
عقدت فيفي ذراعيها ونظرت إلى الجنية بنظرةٍ متحدّية وغير مهذَّبة.
“لأنَّ مشاعري وحدي لا تكفي لتغيير أيّ شيء. حاولتُ تغيير العالم. لكنّني فشلتُ مرارًا. كلّما تدخّلتُ، ينهار العالم بسرعةٍ مذهلة.”
“همم.”
“الطريقة الوحيدة التي تُبطئ الانهيار هي السير حسب الرواية الأصلية. نعم… منطقيٌّ أن ينهار العالم إذا انحرفت الرواية، لأنَّ وجوده مرتبط بها أصلًا. لكن…”
تردَّد الضوء قليلًا.
“لم أستسلم. جرَّبتُ كلَّ السبل. فكَّرتُ: نحن جميعًا -بما فيَّ- شخصياتٌ داخل الرواية، فنحن ننهار بمجرد أيّ انحراف بسيط. لكن ماذا لو أحضرتُ روحًا من عالمٍ آخر؟ ربما لا ينهار بهذه السرعة.”
“لذلك أحضرتني.”
“نعم… لكن لم أكن متأكّدة تمامًا. قوّتي ليست كاملة، فالانتقال إلى عالمٍ آخر مسموحٌ به مرّةً واحدة فقط. لذا خاطرتُ بكلّ شيءٍ لأحضر مُخلِّصًا لهذا العالم.”
بدأت فيفي تشعر بالملل بعد التوتر الشديد. ماذا بعد؟ تقول أنَّها ستصل إلى الموضوع الرئيسي، ثم تدور في حلقاتٍ منذ البداية.
التعليقات لهذا الفصل " 99"