أنهيتُ الاستعدادات البسيطة بسرعة، ثمّ نزلتُ إلى غرفة الاستقبال.
ما أن فتحتُ الباب حتى رأيتُ رونان يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً.
كما فعلتُ مع جويل، أبعدتُ الخدم، ثمّ أغلقتُ باب غرفة الاستقبال.
اقترب رونان منّي بخطواتٍ واسعة.
كانت شفتاه مشدودتين بقسوة.
وجهه الذي كان كئيباً كالطقس الغائم، بدا اليوم حادّاً وقاسياً بشكلٍ خاصّ.
إنّه غاضبٌ جدّاً… وله الحقّ في ذلك.
“أنا آسفة. هل انتظرتَ طويلاً؟”
“كلا.”
“لنجلس أوّلاً ثمّ نتحدّث. لم تكن تنتظر واقفاً طوال الوقت، أليس كذلك؟”
“…لا.”
تأخّر رونان نصف لحظة في الردّ.
يبدو أنّه ظلّ واقفاً فعلاً طوال الوقت.
لم يكن هناك داعٍ لذلك.
جلس رونان في المكان الذي كان جويل جالساً فيه سابقاً.
جلستُ أنا أيضاً في المكان نفسه الذي كنتُ فيه من قبل.
على الطاولة الخشبيّة الطويلة، كان الشاي والحلوى البسيطة قد أُعدّت.
لكن رونان لم يمدّ يده إليها.
لم أشرب الشاي أنا أيضاً.
نظرتُ إلى وجه رونان المتيّبس، واعتذرتُ:
“أنا آسفة لأنّني تردّدتُ مراراً بين الذهاب وعدم الذهاب. وأنا آسفة أيضاً لأنّني لم آتِ بنفسي لأخبرك بدلاً من إرسال الرسالة.”
“هل تلقّيتِ تهديداً؟”
“…تهديداً؟”
“لقد رأيتُ بنفسي أنّ رئيس الكهنة هو نفسه كيد. قبل ليلتين، تسلّلتُ سرّاً إلى مبنى الطائفة الهرطوقية، ورأيتُه يقضي على الجميع، ثمّ يحرق المكان كلّه ويغادر.”
“ماذا؟”
“لو لم أكن متأكّداً من أنّه رئيس الكهنة، لما استطعتُ التعرّف عليه أبداً… كان حذراً لدرجةٍ مخيفة. لم يخرج من الباب الرئيسي، بل من مخرجٍ آخر. لذا لم أتمكّن من رؤية وجهه بوضوح عند الخروج. لم أتأكّد من هروبه الكامل إلا بعد اشتعال النار، فبدأتُ البحث عن أيّ أثر متأخّراً.”
لم يكن لديّ ما أقوله.
لكن هل يشكّل رونان خطراً على سينييل؟ لا، ليس كذلك.
لن يجد دليلاً قاطعاً على أنّ سينييل هو كيد، وحتى لو وجد، فلن يصدّقه أحد.
إن أكّدتُ كلامه، سأشعر بالضيق.
وإن أنكرتُ، سيظلّ رونان يلحّ ويحفر.
لم ينتظر رونان إجابتي بالضرورة؛ بعد صمتٍ قصير، واصل كلامه بهدوءٍ:
“لمَ لا تغادرين؟ لا يوجد سببٌ يجعلكِ تبقين إلى جانب قاتلٍ متسلسل.”
“ليس قاتلاً متسلسلاً. و أنا أحبّه.”
“تحبّين قاتلاً متسلسلاً؟ لقد خدعكِ بكلماتٍ حلوة كالسكّر.”
كان أسلوبه يقول: “استيقظي”.
لكنّه مخطئ.
كيد لم يحاول خداعي أبداً، ولو لمرّة واحدة.
لم يتوقّف رونان عن المحاولة:
“ولمَ كنتِ تنوين الهروب البحريّ؟”
كانت نظرته تضغط عليّ كأنّه يقول: تذكّري تلك اللحظة.
تجنّبتُ نظراته قليلاً، ونظرتُ من النافذة.
منذ متى أصبحت السماء مظلمةً هكذا.
هبّت نسمةٌ خفيفة تهزّ الأشجار.
“كانت مجرّد فكرةٍ طفوليّة. كنتُ أريد الهروب فقط لأنّني لم أرد الزواج. منصب زوجة رئيس الكهنة ثقيلٌ جدّاً.”
“لن أطلب منكِ فتح محاكمة ضدّ رئيس الكهنة. توقّفي عن الكذب، وأخبريني بالحقيقة.”
أدرتُ وجهي جانباً.
بدت عيون رونان الزرقاء السماويّة باردةً كالجليد.
“هل تنوي البقاء هنا تقنعني حتّى أقرّر الذهاب؟”
“نعم.”
“وإن لم أقتنع، فهل ستجرّني قسراً؟”
“لن ألجأ إلى التهديد أو أيّ فعلٍ كهذا.”
أكّد كلمة “تهديد” عمداً.
حتّى لو قلتُ انّني لم أتعرّض لتهديد…
تنهّدتُ في سرّي، ثمّ واجهتُ نظراته مباشرةً:
“لن أذهب. لم يكن هناك تهديد. سأعوّضك عن الوقت الذي أضعته بسببي كما تشاء… فارجع الآن.”
لم يجب رونان.
بعد تلك النظرة العنيدة، قرّرتُ أن أقول نصف الحقيقة على الأقلّ:
“سينييل… لم يهدّدني أبداً. بل على العكس، هو من طلب منّي المغادرة. وذلك الشخص الذي تتحدّث عنه، كيد أو القاتل المتسلسل… لا أعرفه جيّداً، لكن سواء في الليل أو النهار، بالنسبة لي هو دائماً سينييل.”
“……”
“لأتجنّب سوء الفهم، سأصحّح: قراري بالرحيل في البداية لم يكن بسبب أمرٍ خطير. كان هناك بعض التوترات الزوجيّة في البداية، وشعرتُ بثقل منصب زوجة رئيس الكهنة، فأردتُ الرحيل فقط. يمكنك أن تعتبرني سخيفة.”
*أحس أشفقت عليه، على الاقل خبريه بالحقيقة بعد كل التضحيات اللي ضحاها عشانك*
“إذن ما معنى قولكِ في المعبد أنكِ ستخبريني بكلّ شيء؟ ولمَ طلبتِ استعارة العقد؟”
“…لأنّ زواجنا كان بأمرٍ من المعبد. لو علم الجميع أنّني هربتُ، لعاملوني كخائنة. كنتُ أستعدّ لذلك.”
استمع رونان إليّ، لكنّ نظرته الثابتة لم تتلاشَ.
بل زاد عليها شعورٌ بالريبة.
“أنا آسفة لأنّني أقلقتكَ بهذا السبب التافه. الآن استعدتُ رشدي. لن أتصرّف كطفلة بعد الآن، وسأحاول العيش بجدّية.”
انتظرتُ ردّ رونان.
كان يحدّق فيّ وكأنّه يرتب أفكاره.
بعد فترة، نهض رونان من مكانه.
“أريد أن أصدّق كلامكِ، لكن بعد أن رأيتُ رئيس الكهنة يرتكب جرائم القتل المتسلسل… لا أستطيع التصديق. وتقولين انكِ لا تعرفين كيد، لكن تذكّري انّكِ أخفيتِه على متن السفينة… هذا أيضاً لا أستطيع تصديقه.”
“سيدي، أنا…”
“لكنّ الإقناع الآن لن يفيد سوى في إرباككِ أكثر. سأعطيكِ وقتاً. فكّري لوحدكِ، وعندها ستتّخذين قراراً صائباً. الارتباك ليس خطأكِ، بل خطأ ذلك القاتل… فلا تشعري بالذنب.”
نهضتُ مع رونان.
“سأنتظركِ حتّى منتصف الليل عند جسر مينوتارد. إن تغيّر رأيكِ في أيّ وقت، فتعالي. سأساعدكِ.”
اقترب رونان منّي، انحنى وقبّل ظهر يدي.
“إن شعرتِ أنّ البقاء في المنزل ليلاً خطير… فيمكنكِ الفرار إلى منزلي. أرجو أن تكوني بأمان.”
تلك العيون الباردة سابقاً أصبحت الآن مغشاةً بالضباب.
لم أستطع قول “لا داعي للانتظار”.
بينما كنتُ أكتم أنفاسي، غادر رونان غرفة الاستقبال.
التعليقات لهذا الفصل " 96"