وفي خضمّ الارتجاف، امتدت يدي نحوه بلهفةٍ ويأسٍ، ممسكةً به بإصرار.
“س… سانشي… لا، جويل سيدي! ا… انتظر لحظة، أرجوك. رجلاي… ترتجفان كثيراً… هل… هل يمكنك أن تمسك يدي؟ سأخرج بهدوءٍ تامّ قدر الإمكان. لا أريد أن يتأذّى الخدم بسببي…”
تَسْ –صوت تكرار اللسان–، تنهّد جويل بضيقٍ، ومدّ يده نحوي بلامبالاةٍ دون أن ينظر إليّ حتى.
كان مختلفاً تماماً عن جويل الواثق المترفّه الذي دخل غرفة الاستقبال في البداية.
الآن هو الوقت المناسب.
لم يكن هناك الكثير من الناس، فلا داعي لأن يتوتر جويل كثيراً، ولا حاجة لإحداث فوضى تؤذي الخدم، ولا وقت للتفكير في التنظيف بعد الحادث… كان التوقيت مثاليّاً.
في اللحظة التي أمسك فيها جويل بمقبض الباب، ضغطتُ جهاز الصعق الكهربائي المقدّس على يده.
“م… ما هذاـ!”
انقلبت عينا جويل إلى الخلف وسقط أرضاً على الفور.
خفق قلبي بعنفٍ كأنّني ركضتُ سباقاً طويلاً.
بعد انتهاء الأمر، بدأت يدي ترتجف بعنف، لكنّني أمسكتُ الجهاز بقوّةٍ أكبر خشية أن يحدث ما لم يُحسب له حساب.
“ه… هل نجح الأمر؟”
دفعته بقدمي برفقٍ مرّاتٍ عديدة.
تحرّك جسده مع كلّ دفعةٍ كدميةٍ مهترئة.
مرت فترةٌ طويلة ولم ينهض.
“أيّها الأحمق… هل تظنّ أنّني سأذهب إلى المعبد حيث قد أراك دون أيّ استعداد؟”
قلتُ ذلك بلساني، لكنّ قلبي كان لا يزال يخفق خوفاً من الفشل.
كنتُ قد ارتديتُ ذلك الرداء الأحمر الثقيل رغم الجوّ الحارّ لسببٍ واحد: لأخفي تحتَه بدلة الحماية، والأسلحة المخفية في كلّ مكان.
كان جهاز الصعق يظهر بوضوح من خلال كمّ الشيميز الرقيق، لذا اضطررتُ إلى ارتداء الرداء لإخفائه.
كنتُ قد خبّأتُ في حذائي لفافةً تُشعل النار عند تمزيقها، وفي عقد الرصاصة لفافةً أخرى قادرة على تقييد شخصٍ ما.
وحتى بعض القوّة المقدّسة…
‘لم أكن أتخيّل أنّها ستُستخدم بهذه الطريقة يوماً.’
الأشياء التي لم أستخدمها أبداً ضدّ كيد، أثبتت فائدتها الآن.
حسناً فعلتُ بعدم التخلّص منها.
مزّقتُ اللفافة الموجودة داخل العقد، فالتفت حول جويل حبالٌ تشبه الخيوط بسرعةٍ فائقة، تقيّده بإحكام.
هاااه…
كانت هذه أوّل مرّةٍ أفقد فيها شخصاً وعيه ثمّ أقيّده، فبدأت رجلاي ترتجفان فعليّاً الآن.
كيف وصلتُ أنا، مواطنةٌ عادية، إلى هذه النقطة؟
وضعتُ يدي على الأريكة التي كنتُ جالسةً عليها للتوّ، متكئةً عليها لأستعيد بعض قواي.
كان يجب أن أستدعي سينييل أو أفعل شيئاً، لكنّ جسدي رفض الحركة تماماً.
لقد استهلكتْ كلّ طاقتي الذهنية والجسدية في الحادثة السابقة.
تنفّستُ بصعوبةٍ ومسحتُ العرق عن جبيني.
يدي اليمنى لا تزال تمسك جهاز الصعق بقوّة.
“ماذا أفعل به الآن…”
بعد أن صُعق بجهاز الصعق المقدّس، لن يتمكّن من الخروج من القيود بسهولة.
ربما أحمله على العربة وأرسله مباشرةً إلى المعبد.
أمّا الخدم، فسأقول لهم شيئاً ما… على أيّ حال، ينظرون إليّ كامرأةٍ غريبة الأطوار، فحتى لو قلتُ أنّني أفقد شخصاً وعيه وأحمله إلى المعبد، لن يعترضوا كثيراً.
“سأستدعي هاربن.”
رئيس الخدم.
الرجل الذي تغاضى عن علاقتي برونان، والذي يناضل بكلّ جدّيةٍ ليحافظ على وظيفته الرائعة بأخلاقٍ مهنيةٍ عالية.
استقام جسدي المتكئ على الأريكة.
انتهت المهمّة، لكنّني لم أترك جهاز الصعق من يدي.
توجّهتُ نحو الباب بخطواتٍ متعثّرة.
كانت ساقاي ترتجفان كساقي غزالٍ صغيرٍ حديث الولادة، والمسافة إلى الباب لم تكن سوى بضع خطوات، لكنّها بدت صعبةً جدا.
عندما أمسكتُ أخيراً بمقبض الباب بعد جهدٍ مضنٍ…
سمعتُ من الخارج خطواتٍ سريعة تقترب بلهفة، ثمّ فتح الباب بعنفٍ دون طرق.
“فيفي!”
“آآآآه!”
من شدّة الرعب، كدتُ أصاب بتشنّج.
ارتجف جسدي كلّه، ودون أن أرى من هو، وجّهتُ جهاز الصعق نحوه مباشرة.
طقطق… انطلقت شراراتٌ خفيفة.
لم يسقط الشخص كما حدث مع جويل.
في حالة ذعرٍ تامّ، واصلتُ الضغط على الجهاز مراراً، لكن دون جدوى.
وبينما كنتُ أتلعثم في حالةٍ من الفوضى العقلية، جذبني الشخص أمامي فجأةً إلى حضنه بقوّة.
“فيفي.”
“س… سينييل؟”
“الحمد لله… أنتِ بخير.”
ما أن تأكّدتُ من أنّه ليس عدوّاً آخر بل سينييل، حتى انهار جسدي فجأةً من الإرهاق.
لم تعد لديّ قوّةٌ حتى لأمسك جهاز الصعق، فسقط من يدي على الأرض.
لو لم يمسكني سينييل بقوّة، لكنتُ سقطتُ على ركبتيّ دون حولٍ ولا قوّة.
بينما كنتُ أستعيد هدوئي مستنشقةً رائحة جسده ورائحة الصابون، لاحظتُ متأخّرةً أنّ يديه اللتان تحتضناني، وتنفّسه، كانا يرتجفان بشكلٍ غريب.
“ه… هل أنتَ تبكي؟”
دفعتُ صدره برفقٍ محاولةً رؤية وجهه.
في العادة، كان سيتركني بسهولة، لكنّ ذراعيه الآن ملتفتان حول ظهري وخصري بإحكام، فلم أستطع رؤية وجهه.
“سينيال؟”
“…لم أتوقّع أبداً أن يأتي جويل بنفسه إلى هنا. دائماً ما كان يخفي نفسه، فاعتقدتُ أنّه لن يدخل المنزل أبداً… كله خطأي. كان يجب أن أعود إلى المنزل فوراً.”
يا إلهي… ماذا أفعل بهذا الرجل؟
صحيح أنّه كان يجب أن يتّخذ إجراءات دفاعٍ أفضل للمنزل، فهو مخطئٌ حقّاً.
لكن… لا أدري. لم أشعر برغبةٍ في توبيخه.
نعم، بسببه كدتُ أموت، لكن ربما أنا من أصيبت بالعمى العاطفيّ الشديد.
الناس يخطئون أحياناً، والمهمّ أنّ النهاية سعيدة…
أنا لا أحبّ هذه الكلمات عادةً، لكنّ قلبي كان يميل إليها الآن.
“على أيّ حال، وصولك في هذا الوقت يعني أنّك انطلقتَ من الفجر، أليس كذلك؟ الطريق من المعبد إلى هنا يستغرق ساعاتٍ عديدة.”
“…نعم. بحثتُ في كلّ مكان دون أن أجد أثراً، فخفتُ، فسألتُ اليوم عمّن تقدّم بعذر غياب. عندها فقط علمتُ أنّ سانشي هو جويل.”
“تصرّفٌ صائبٌ أنّك لم تذهب إلى مكان اللقاء الذي حدّده المُهدّد، بل جئتَ مباشرةً إلى هنا.”
دفن سينيال وجهه أكثر في كتفي، مقترباً منّي بكلّ جسده.
كان يقول بكلّ جسده أنّه آسف.
تنفّستُ تنهيدةً خفيفةً من الارتياح، وابتسمتُ ابتسامةً صغيرة.
“كيد وسينيال… لم يُصب أي أحد منكما بأذى، أليس كذلك؟”
شعرتُ برأسه يهتزّ موافقاً من كتفي إلى أعلى وأسفل.
هذا يكفي.
ربتُّ على ظهره برفقٍ لأهدّئه.
نادرٌ جداً أن يحتضنني سينيال أوّلاً… بل ربما هذه أوّل مرّة؟
أردتُ البقاء هكذا إلى الأبد، لكنّ جويل الملقى على الأرض لا يزال يشغل بالي.
“سينيال… أنا أيضاً أريد البقاء هكذا، لكن قبل ذلك… هل يمكنك التعامل مع ذلك الشخص أولاً؟”
“آه…”
لم يتركني سينيال، بل استدار بجسده قليلاً فقط لينظر إلى جويل الممدد على الأرض.
بدت نظرته وكأنّه يحاول فهم كيف وصل هذا الرجل إلى هذه الحالة، فأشرتُ إلى جهاز الصعق الملقى على الأرض وأجبتُ:
“لقد صعقته بهذا. كان شعوري اليوم سيئاً منذ الصباح، فاحتمالاً حملته معي تحسّباً… وكانت له فائدة كبيرة.”
” أنا سعيد… حقّاً…”
هززتُ كتفيّ. بدأت القوّة تعود تدريجيّاً إلى ساقيّ، لكنّني كنتُ منهكةً، فأسندتُ رأسي برفقٍ على صدر سينيال.
“هل ستُحيله إلى محاكمة ؟”
“نعم. إذا أردنا إجراء محاكمة فوريّة مختصرة، فإنّ سانشي… لا، جويل، كان يملك نفوذاً كبيراً داخل المعبد، ولن نستطيع تجاهل المعارضة. والآن، بعد أن بقي هو الوحيد، لا يبدو أنّه كان لديه وقتٌ كافٍ لإخفاء الأدلّة، لذا أعتقد أنّ إحالته إلى محاكمة رسميّة هي الخيار الأفضل.”
أو ربّما نقتله هنا مباشرة ونجبره على كتابة وصيّة مزيّفة… تمتم سينيال بهمس.
“مهما كانت العقوبة، يجب علينا العودة إلى الكاتدرائية الكبرى الآن. نحتاج إلى العثور على مكان إخفاء كرة الكريستال السرّية والوثائق السرّية الأخرى وتدميرها.”
نظر سينيال إليّ بنظرةٍ متردّدة، كمن لا يريد الرحيل.
لكنّه يعرف عقليّاً أنّه يجب أن يذهب، فلم ينطق بها صراحة.
“كم من الوقت سيستغرق كلّ ذلك؟”
“إذا سارت الأمور بسرعة… يوم واحد. في أسوأ الأحوال… يومان.”
“هل تنتهي المحاكمة بهذه السرعة؟”
“لأنّها محاكمة أُحيلت باسمي أنا شخصيّاً. لن يكون هناك من يعترض كثيراً على محاكمة رسميّة كاملة، وليست مختصرة كالمحاكمات الفوريّة.”
آه… صحيح، فهو رئيس الكهنة.
قد تظهر بعض الهمسات، لكنّ قوّة السلطة لا تُقاوم.
ظلّ سينيال يسرد الأسباب التي تجبره على الذهاب، ومع ذلك لم يفكّ حضنه عنّي، بل ظلّ يحتضنني برفق.
دفعتُ صدره برفقٍ مرّة أخرى.
“اذهب. وبعد انتهاء المحاكمة… اقضِ يوماً كاملاً معي فقط. بهذا سأغفر لك هذه المرّة.”
ابتسمتُ ابتسامةً عريضة، لكنّ وجه سينيال بدأ يذبل تدريجيّاً.
“…فيفي. في الحقيقة… كنتُ أريد الحديث عن هذا الأمر بالذات.”
“إن كنتَ تريدني أن أغيّر رأيي، فسأتظاهر أنّني لم أسمع.”
“أعتقد أنّك إذا بقيتِ هنا أكثر قليلاً… فقد يتغيّر رأيك. لم أكن أنوي أن ألومكِ أبداً، لذا إن تغيّر رأيكِ في أيّ وقت… أرجوكِ أخبريني فوراً.”
كنتُ أعرف أنّ عليّ أن أتركه يذهب سريعاً، لكن بعد سماع هذا الكلام… لم أستطع تركه بهذه السهولة.
“سينيال… أنا أحبّك.”
“……”
“هل تكرهني يا سينيال؟”
عبستُ قليلاً، منتظرةً إجابته.
“لو كنتُ أكرهكِ… لما طلبتُ منكِ المغادرة أصلاً.”
“إذن هذا يكفي.”
“من الواضح أنّ البقاء هنا لن يكون في مصلحتكِ… فكيف أطلب منكِ البقاء؟”
“لمَ؟ المهدّد سيزول قريباً، وكيد سيبدأ في طاعتي الآن… ما الذي سيبقى سيّئاً بعد اليوم؟”
سكت سينيال للحظة.
ثمّ نطق ببطءٍ شديد، وبوجهٍ يبدو وكأنّه على وشك الانهيار:
“ألا تشعرين بالاشمئزاز منّي يا فيفي؟… أنا الذي أخفيتُ الحقيقة عن كيد… كيف يمكن أن تكوني راضية عنّي؟ كيف تقبلين البقاء هنا وأنتِ تعلمين أنّ كيد لا يختلف عنّي؟”
كان ذلك صادماً حقّاً.
لكن… بدلاً من الاشمئزاز، شعرتُ بمزيدٍ من الشفقة.
بالنسبة لي، ظلّ سينيال هو سينيال نفسه، دون تغيير.
ربما يجب أن أشعر بالاشمئزاز… لا أدري.
لقد سامحته بالفعل.
ربما أنا، في قرارة نفسي، لستُ أفضل من كيد بكثير.
اقتربتُ من سينيال تدريجيّاً، ثمّ احتضنته بقوّة.
“لا أعرف. أنا فقط… أحبّ سينيال. إن قلتُ لك أنّني في الحقيقة شيطانة أو شيء من هذا القبيل… فهل ستكرهني؟”
“كيف يمكنني أن أكرهكِ؟”
“ها أنت ذا. وبخصوص كيد… أنا أيضاً لستُ بريئة تماماً. عندما رأيتُ ما فعلته أنت بالتجارب سابقاً… ظللتُ أفكّر لوحدي أنّ كيد ربما وُلد من تجربةٍ مشابهة.”
بالطبع، قرأتُ ذلك في القصة الأصلية.
لكن عندما ذكر سينيال اسم كيد، تذكّرتُ الكذبة التي قلتها عنه في ذلك اليوم، فشعرتُ ببعض الذنب وقلتُها.
كنتُ أريد أن أواسيه في الوقت نفسه.
لم يجب سينيال.
دفنتُ وجهي في صدره وقلتُ بصوتٍ مكتوم:
“فلهذا تريدني أن أتركك وحدك؟”
“……”
“ماذا؟ حقّاً… ستتركني حتى بعد كلّ هذا؟”
لمّا لم يأتِ جواب، رفعتُ رأسي بسرعة وحدّقتُ فيه بنظرةٍ غاضبة.
التعليقات لهذا الفصل " 95"