في هذا اليوم الذي بدا فيه الجوّ مشرقاً بشكلٍ غريب ومبهر، اخترتُ أن أرتدي درعاً خفيفاً من الشيميز الأبيض النقي.
حتى ذلك الثوب الرقيق وحده كان كافياً ليُشعرني بالدفء الطفيف في هذا الجوّ المائل إلى الحرارة.
“أعدّي العربة.”
بينما كنتُ أطلب من الخادمة تجهيز العربة، انهمكتُ في ارتداء ذلك الرداء الأسود المائل إلى الحمرة الذي يصل إلى ربلة الساق، وأنا أتأوه من ثقله وصعوبة ارتدائه.
بعد أن رتّبتُ الرداء، كنتُ على وشك الخروج.
فجأةً، أوقفني كبير الخدم وهو يتردّد ويتحيّر:
“سيدتي… في غرفة الاستقبال…”
في مثل هذا الوقت المزدحم، من الذي يجرؤ على زيارة غرفة الاستقبال؟!
لم أكمل سماعه حتى صرختُ:
“قول له أنني غير موجودة!”
*بابا تلفون، قولو مو هون*
أو قلي أنني مريضة! صرختُ دون أن ألتفت إليه.
أجاب كبير الخدم بصوتٍ حازم: “حسناً، سيدتي، سأفعل.”
كنتُ أنزل الدرج بسرعة حتى كدتُ أفقد أنفاسي.
فجأةً، وقعت عيناي على الممرّ المؤدّي إلى غرفة الاستقبال.
للحظة، بدا لي حضور زائرٍ في هذا الوقت المبكّر أمراً مريباً.
‘ليس لديّ من يُفترض أن يزورني.’
لم يكن أمامي سوى شخصيْن محتملَيْن: إما رونان الذي تلقّى رسالتي الليلة الماضية وهرع إليّ على عجل، وإما ذلك الرجل الذي هدّدني بالخروج في هذا الوقت تقريباً.
لا بدّ أن يكون أحدهما.
أوقفتُ خطواتي المتعجّلة، وغيّرتُ وجهتي.
رفعتُ يدي مشيرةً إلى كبير الخدم الذي كان يتبعني ليوقفه.
“غيّرتُ رأيي. من الزائر؟”
“إنه المقدّس سانشي نيفين.”
نعم… لم يكن لديّ سوى هذين الاسمين كزوّارٍ محتملين.
لكن أن يتكرّم فيأتي إلى البيت بهذه الطريقة الودودة، لم أكن أتوقّعه أبداً.
ولا أظنّ أن سينييل نفسه كان يتوقّع ذلك.
كلّما اقتربتُ خطوةً خطوةً من غرفة الاستقبال، كلّما شعرتُ بنبضي يتسارع في حلقي ببرودةٍ غريبة.
دفعتُ باب غرفة الاستقبال.
بفضل العناية الدائمة من الخدم والتلميع المنتظم، فتح الباب الخشبي اللامع دون أدنى صوت.
وراء الباب، رأيتُ الخادمة و رئيس الخدم يتبعانني بخطواتٍ خفيفة.
هززتُ رأسي رافضةً دخولهما معي.
على أيّ حال، حتى لو دخلا معي، فمن الواضح أن الزائر سيطردهما على الفور.
كان ذلك الزائر جالساً في منتصف الأريكة المقابلة للباب تماماً.
ما أن رآني حتى ابتسم ابتسامةً مشرقةً كالشمس، وقام نحوهي بخطواتٍ ودودة.
“أول مرة نلتقي فيها صباحاً مبكّراً، أليس كذلك؟”
خدّاه الأبيضان الناعمان، تلك الابتسامة التي كنتُ أظنّها يوماً لطيفةً، بدت الآن منافقةً ومقزّزة.
مدّ الزائر، وهو يرتدي زيّ الكهنة، يده نحوي بطبيعية.
من أطراف أصابعه، انبعث عبيرٌ خفيفٌ للورد.
“جئتُ لأتناول فنجان شاي على يديكِ… هل يناسبكِ الآن؟”
بالطبع يجب أن يناسبك.
أضاف سانشي هذا الكلام بصوتٍ خافت، ثم ضحك ضحكةً خفيفة كأنها همس.
* * *
“سيدي سينييل… سيدي كيد.”
أدرك جويل في وقتٍ متأخّر أنه أغفل أمراً هامّاً.
لقد اعترف أخيراً أن سيده، بعد أن فقد كلّ ذكرياته وتجسّد من جديد كإنسان، يمرّ الآن بمرحلة فهم البشر، وأن هذا جعله ضعيفاً للغاية.
أنه أصبح إنساناً كاملاً، مضطراً إلى التصرّف كالبشر ولا شيء غير ذلك.
ولهذا السبب، وقع سيده في وهمٍ خطير: أنه سيبقى زوجاً لهذه المرأة إلى الأبد.
كان من المفهوم أن يتزوّج امرأةً لا تملك أيّ قدرةٍ مقدسة، فهذا جزءٌ من إرادته.
لكن أن يقع السيد في حبّ تلك المرأة… هذا أمرٌ لا يستطيع هو، وهو مجرّد مخلوقٍ تافه، أن يفهمه أبداً.
ربما يريد سيده، في قرارة نفسه وبدون أن يدرك، أن يُظهر للعالم كيف يُمكن للسيد نفسه أن يحبّ مخلوقات أدنى منه، أي الإنسان؟
ومع ذلك، فإن السيد الآن ضعيفٌ للغاية، حتى أنه نسيَ أمراً جوهريّاً.
تلك المرأة لا تملك أيّ قوّةٍ مقدسة، وهي ستستغلّ الحبّ لتُضعف السيد أكثر فأكثر، حتى تكشف مكانته الحقيقية، وتُلحق العار بكرامته.
ومَن غير الشيطان يمكن أن يقوم بمثل هذا الفعل؟
كما فعل الشيطان القديم الذي طمع في عرش سيده، فسقط وتحوّل إلى شيطانٍ يقضم أسنانه في الجحيم من شدّة الحقد.
“لا يُمكن إلا أن تكون تلك المرأة شيطاناً.”
ولهذا السبب بالذات استطاعت أن تكتشف هوية سيده الحقيقية.
فسيده لا يتحرّك عبثاً.
*أنفال: و السيد هذا عارف بالعبث اللي قاعد تفكر فيه؟*
لو كانت إنسانةً عادية، لما لاحظت شيئاً أبداً.
“حتى أنا لا أعرف كيف تمكّنت تلك المرأة من اكتشاف هوية سيده الآخرى. أملك فقط النتيجة: أنها تعرف.”
قبل سنوات، في ليلةٍ لم يغمض له فيها جفن، خرج من غرفته وتوجّه إلى غرفة الصلاة المطلّة على مكتب رئيس الكهنة.
في العادة، لا يُسمح لأحدٍ بدخول غرفة الصلاة في منتصف الليل العميق، لكنه كان يملك صلاحيةً جزئية في إدارة أجزاء من المعبد، فتمكّن من الدخول خفية.
“اغفرْ لي، يا سيدي، حماقتي التي تجرّأتُ بها على إجراء التجارب عليك، واغفرْ لي جهلي الذي جعلني أناديك بسيدي وأنا لا أعرفك حقّ المعرفة…”
في ذلك اليوم بالذات، كان يغرق في تأمل أخطائه الماضية.
تذكّر اليوم الذي أسّس فيه طائفة فاوست، وهو يتوسل طالبًا الغفران لذنوبه.
وفي تلك اللحظة، رأى بالصدفة سيده ذا المظهر المظلم وهو يدخل إلى مكتبه الخاص.
كتم أنفاسه، فلم يُكتشف أمره، ولم يكن يظنّ أنّه سيُكتشف أصلاً.
لأنّ كلّ شيءٍ لا يحدث عبثًا.
اكتشافه لسيده بهذه الطريقة لا يمكن إلا أن يكون دليلاً واضحًا على أنّ سيده يحميه ويريده أن يشارك في هذا المصير!
“أهو يغفر لي؟”
حتى الآن، كان جويل يشعر بالخجل الشديد والدموع تترقرق في عينيه كلما تذكّر خطيئته.
سمع أنّ ابن رئيس الكهنة السابق يمتلك قوّة مقدسة هائلة، فأعماه البريق للحظة.
في ذلك الحين، اعتقد أنّه إذا استطاع تحويل سينييل إلى إنسانٍ خيّرٍ مثاليٍّ تمامًا، فإنّ سيده سيغفر له.
إذا استطاع أن يُظهر لسيده، نيابةً عن كلّ البشرية، أنّ هناك إنسانًا بهذا القدر من الخير والنقاء، فربما يقول سيده الذي تخلّى عنه: “يوجد إنسانٌ صالحٌ كهذا”، وربما يُعيد النظر في البشر ويفهمهم قليلاً.
لكن كلّما تقدّم في التجربة، كلّما ذُهل جويل برحمة سينييل ولطفه.
في بعض الأحيان، عندما كان سينييل يبتسم نحوه، كان قلبه يخفق بعنف، ويشعر وكأنّ قدميه اختفتا من تحتِه، فيغيب عن الوعي للحظات.
تلك الابتسامة التي بدت وكأنّها تعرف كلّ شيء عنه ومع ذلك تبتسم بلطف…
في لحظةٍ من اللحظات، خطرت ببال جويل فكرةٌ مفاجئة:
‘إمّا أن يتخلّى عنّا، وإمّا أن يفهمنا.’
لقد جاء سيده بنفسه إلى هذا العالم ليلهو ويختبر، من أجل أن يفهم البشر.
وأنا… كنتُ أقف أمام السيد ذاته ولم أعرفه!
بل إنّه ذهب في تفكيره إلى حدّ الخوف: ربما يأتي اليوم الذي يتحرّك فيه السيد بنفسه ليعاقبنا.
في تلك الحالة من التوبة، أسّس جويل طائفة فاوست.
وبعد ذلك اليوم، خفّف من شدّة التجارب.
لكن البشر لم يطيعوا، و أخذ سيده يضعف شيئًا فشيئًا.
رأى السيد الرقيق الهزيل، الضعيف، فأثار ذلك في نفسه الشكّ للحظة… ثم أدرك خطأه مرّة أخرى فورًا.
‘لم يكن سيده يلهو… بل إنّه محى حتى ذكرى كونه سيدا، ونزل ليعيش حياة البشر كواحدٍ منّا، على قدم المساواة!’
*الشيء الوحيد اللي تأكدت منه في هذا الفصل أن هذا جويل زنديق، قد ما حرفت واضح الشرك بالموضوع*
كلّ ذلك من أجل فهمنا فقط.
يتحمّل كلّ المحن بنفسه، يمشي في درب الشوك.
لكنّه اكتشف ذلك متأخّرًا جدًا.
لم يفهم الحقيقة إلا بعد أن علم بأنّ رئيس الكهنة السابق قد قُتل على يد ابنه.
بكى جويل وهو يكتب رسالةً إلى سيده.
لم يحاول حتى إخفاء هويّته.
كان يظنّ أنّه سيموت قريبًا، فأرسل الرسالة.
وفي اليوم نفسه، قرّر أن يقوم بعملٍ صالحٍ أخير قبل موته، فذهب ليبحث عن أخيه غير الشقيق، الابن غير الشرعي لأبيه.
كان ذلك الأخ، الذي عومل بالإهمال طوال حياته وأُخفيت هويّته، يجد متعته الوحيدة في الحياة في القمار.
وقف جويل مذهولاً ينظر إلى الجثّة التي تشبهه تمامًا ملقاة على أرضية بيتٍ مهترئ، مغطّاة بالدماء.
الدم لم يجفّ بعد ولم يتسرّب إلى الأرض، ما يعني أنّ الوفاة حدثت منذ وقتٍ قصير جدًا.
لم يكن في البيت أيّ أثاثٍ سليم.
ربما تشاجر مع دائنيه وقتلوه.
أو ربما ربح مبلغًا كبيرًا من المال في ذلك اليوم، فحاول لصوصٌ آخرون سرقته فقتلوه.
شعر جويل بالأسى على حياة أخيه.
لكنه هو نفسه سيموت قريبًا، فلم يكن لديه وقتٌ ليدفن الجثّة أو يعتني بها.
سيبقى أخوه مجهولاً، لن يعرف أحدٌ أنّه عاش ومات في هذا العالم… يا لأخي المسكين المحزن.
“انتظر لحظة…”
فجأةً، فتح جويل عينيه على وسعهما كمن أدرك شيئًا عظيمًا.
دمعت عيناه من نعمة سيده.
في اللحظة التي قرّر فيها أن يتقبّل العقاب، منحه سيده جثّةً تشبهه تمامًا، وفي الوقت نفسه منح أخاه الذي عانى طويلاً راحةً أبدية.
والأعظم: لديه الآن عيّنات من جسد سيده ومعلوماته الحيوية.
ربما يستطيع إعادة توليد الجلد ليبدو شابًا.
أولئك الحمقى لا يفكّرون إلا في فصل الخير عن الشر لاستخلاص القوّة، وحتى لو فكّروا في تجديد الجلد، لن يعرفوا كيف يبدؤون أو ما يفعلون.
أما هو… فقد منحه سيده موهبةً تمكّنه من ذلك!
إن لم تكن هذه ارادة سيده، فما هو إذن؟!
*صدفة و خبثك مثلا؟*
هذا واضح: يأمره سيده أن يستمرّ في الحياة، وأن يظلّ حيًّا ليكفّر عن خطايا البشرية طوال حياته، وأن يواصل رعاية الطائفة وتنميتها.
مسح جويل دموعه، وحمل الجثّة بحرصٍ شديد.
قبّل جبين أخيه الذي لم ينل حتى لقب أبيه، ولا حتى اسم أمّه الوضيعة.
“سانشي… سأستعير اسمك، وسأمنحك الشرف والمجد الذي حُرمتَ منه طوال حياتك.”
التعليقات لهذا الفصل " 93"