انحنى جسد كيد الذي أُمسك بطوقه إلى الأسفل.
مع حركة الجسد، انخفضت نظراته أيضًا.
بشكل لا يُقاوم، وجد نفسه يرمي نظرةً إلى فيفي.
«أيّها لئيم!»
نظرت عيناها الورديتان المغطّى بالعناد إليه بحدّة قاسية.
كانت الأوعية الدموية الدقيقة في بياض عينيها منتفخة من الغضب الشديد.
بقايا الدموع في عينيها جعلت صدره يتألّم كأنّ الملح يُرشّ على جراحه.
‘هل تقصد سِنيِيل؟’
تساءل للحظة إن كانت قد اكتشفت هويّته، فشعر ببرودة في مؤخّرة عنقه.
لكنه استنتج سريعًا أنّه لو كانت قد عرفته، لما أمسكت بطوقه بهذه الجرأة.
ومع ذلك، كانت فيفي قد أمسكت بطوق كيد حقًّا، لا سينييل.
لم تكن نيتها منذ البداية أن تمسك بطوقه.
الوصف الأدقّ هو أنّها، عندما استعادت وعيها، وجدت يدها قد أمسكت بطوقه.
كان ذلك فعلًا لا إراديًّا، نابعًا من عزمها السابق على ضربه.
لكن ما أن أمسكت بطوقه ونظرت في عينيه حتى تردّدت شجاعتها للحظة.
ومع ذلك، قرّرت فيفي ألا تتراجع.
لم يكن ذلك لأنها تصدّق كلامه السابق بأنه لن يقتلها، ولا لأنه قال أنه سيموت قريبًا.
ظلّ كيد شخصًا لا يُمكن الوثوق به.
‘افعل ما شئت! إن أردتَ قتلي فاقتلني!’
كان الأمر صعبًا في المرّة الأولى، أما الثانية فأصبح سهلاً.
لئلا تبدو خائفة، أمسكت فيفي بطوقه بقوّة أكبر عمدًا.
الشعور بالضغط على عنقه كان بالنسبة لـكيد مربكًا أكثر من كونه مؤلمًا.
لم يكن ألمًا بقدر ما كان ارتباكًا حقيقيًّا.
هل تعيش هكذا مع سينييل بلا حواجز إلى هذه الدرجة؟
شعر بمرارة خفيفة…
«إن قلتَ أنك ستموت بشكل جميل بعد انتهاء كلّ شيء، فهل تقصد أنك ستصعد إلى المنصّة لتُقطع رقبتك؟»
دوّى صراخ فيفي في الغرفة.
شعر كيد بالأسف للحظة من غضبها، ثم أتاه تساؤل.
هل قال سينييل لفيفي أيضًا أنه سيموت بعد انتهاء الأمر؟
حاول البحث عن إجابة، لكنّ هجوم فيفي السريع والمتتالي قطع تفكيره.
«تعتذر كما تشاء ثم تقول أنك ستموت، وهذا كلّ شيء؟!»
«فيـ…»
اتّسعت عيناه.
كيف علمت؟
كان الصدمة أنها أمسكت بطوقه مع علمها بهويّته.
هذا يعني أن غضبها منه كان شديدًا إلى هذه الدرجة.
«تدعوني ثم تقلّد سينييل وتقول أنك ستموت، ما هذا؟!»
بدأت الدموع التي جفّت تترقرق مجدّدًا.
لكن فيفي لم تُرد أن تبكي بشكل بائس الآن.
إن بكت، فلن تستطيع الكلام بوضوح.
كانت لديها الكثير من الكلمات التي تريد أن ترميها في وجهه.
شدّت فيفي عضلات وجهها بقوّة حول عينيها لتمنع الدموع.
لكن بما أنها بدأت تبكي بالفعل، أصبح حلقها مشدودًا.
أدركت أن صوتها لن يخرج بوضوح.
شدّت عضلات حلقها بقوّة قبل أن تفتح فمها.
«أيّها لئيم!»
لم يكن لدى كيد ما يقوله، حتى لو كان لديه عشرة أفواه.
كلّ ما استطاع فعله هو أن ينحني بجسده قدر الإمكان، منحنيًا في الخصر والساقين، ليجعل من السهل عليها أن تمسك بطوقه.
ولئلا يبدو مهدّدًا، أخفى يديه خلف ظهره أيضًا.
أراد أن يخفض نظره، لكن عند رؤية عينيها الورديتين المبلّلتين بالدموع، لم يستطع.
اكتفى بالنظر إليها بذهول، متفحّصًا ردود أفعالها.
كانت فيفي لا تزال تتنفّس بصعوبة من شدّة الغضب.
نظرت إليه بحدّة من خلال عينيها المجعدتين.
عندما رأته يبدو مذعورًا ومقهورًا، ازداد غيظها.
تصرّفه غير المعتاد جعلها تشعر بالغضب أكثر.
رغم أن غضبها لم يهدأ، قرّرت تهدئة النار المشتعلة.
لم يكن ذلك لأنها شعرت بالشوق لرؤيته، أو لأن رؤيته يتفحّصها بعناية بدت له مخجلة.
لمعرفة سبب تصرّفه هكذا، كان عليها ألا تبقى غاضبة.
في حالة الغضب لا يتقدّم شيء.
أخذت فيفي نفسًا عميقًا.
ظلت يدها تمسك بطوقه بقوّة.
خرج صوتها أهدأ من قبل، وإن كان لا يزال يحمل لمحة سخرية.
«حسنًا. دعني أسمع السبب. لماذا دعوتني؟»
لم تكن السخرية قد اختفت تمامًا، لكنها بدت مستعدّة على الأقل للحوار.
تأخّر في الردّ لأنه كان مشغولاً بتأمّل فيفي التي بدت أكثر نحولاً مما كانت عليه.
سعل مرّة ليصفّي حلقه، ثم أجاب:
«جويل… أقصد، أثناء تفتيش مقرّ الطائفة الهرطوقية، رأيت خطّة لاختطافك.»
كان يتلعثم بشكل غير معتاد.
كان يفترض أن يقول ما يجب قوله ثم يغادر، لكن شيئًا ما كان يعيقه، فيظلّ يدور حول النقطة دون أن يصل إليها.
«رأيت ذلك في مقرّ الطائفة الهرطوقية. ولهذا؟»
ليست الرسائل، بل رآها فعلاً في المقرّ.
ضاقت عينا فيفي.
لكن من خلال تردّده وتلعثمه، بدا أن هذا الكلام صادق.
«غدًا هو اليوم… فلا تذهبي إلى أيّ مكان. ابقي في المنزل فقط…»
لم تعد فيفي تخشى شيئًا، فانطلقت نحوه بكلمات حادّة كالسهام:
«لماذا تقول هذا وأنت تتظاهر بأنك سينييل؟»
أغلق كيد فمه.
كانت هذه أول مرّة يفشل فيها في أداء دوره، فتاه وغرق في صمت مطبق.
ارتعش حاجبا فيفي.
لا تردّ؟
انطلقت إليه نظرة مشتعلة، لكنه ظلّ يتجنّب عينيها فقط.
حسنًا. سأؤجّل هذا السؤال إذن.
كان لدى فيفي الكثير من التساؤلات تجاه كليهما — سينييل وكيد — فآثرت ترك هذا السؤال جانبًا مؤقتًا.
«وما قصّة صعودك إلى المنصّة لتقطع رقبتك؟»
«هذا…»
«هذا ماذا؟»
«…كما قلتُ بالضبط. بعد انتهاء كلّ شيء، سأعترف بكلّ ما فعلته ثم أموت. هناك أدلّة كافية.»
«إذن لماذا؟ لماذا تريد الاعتراف؟»
لم تستطع فيفي فهم ما يحدث.
كيف يمكن لشخص كان يهدّد بالقتل ويلعن العالم كلّه أن يتحوّل فجأة إلى تائب نادم؟
فيفي العادية الحذرة والخائفة لم تكن لتطرح مثل هذا السؤال، لكن الجوّ المهزوز والمخجل الذي ينبعث من كيد الآن منحها شجاعة غير معهودة.
لم يجب كيد بسهولة هذه المرّة أيضًا.
حسنًا… السؤال التالي إذن.
«قولك أنك اتفقت مع سينييل على الصعود إلى المنصّة، ماذا يعني هذا؟ هل أنت من أغريت سينييل؟»
«لا. هو من اقترح ذلك أولاً. وأنا من وافق.»
ارتعشت أطراف أصابع فيفي التي تمسك بطوقه.
لو استطاعت، لقطعت عنقه هنا والآن، لكن قبضتها التي كانت مشدودة بقوّة بدأت ترتخي تدريجيًّا.
قرأ كيد العواطف المتشابكة في عيني فيفي.
كان شعور الخيانة.
اللعنة.
أراد أن يسدّ فمه الذي لا ينطق إلا بالكلام السيّئ.
نظرت فيفي إلى الفراغ بذهول للحظة، ثم أعادت تركيزها عليه.
مع أنفاسها المتقطّعة، خرج سؤال صغير، مشبع باليأس العميق:
«لماذا…؟»
كان صوتها خافتًا جدًّا، لكنه واضح وحاضر بقوّة.
شعر جسد كيد هو الآخر بالوهن، مثله مثل فيفي.
أدرك نهاية هذه العلاقة بشكل نهائي، فغمرته موجة من الإرهاق والعجز.
‘لماذا أصعد إلى المنصّة؟’
لمَ لا أفعل؟
لكن كيد لم يرد الإجابة.
لم يستطع فتح فمه.
«لماذا… لماذا تفعل هذا؟»
نعم، أنت مخطئ، وتستحقّ العقاب، لكن لماذا؟
مرّت في أذني فيفي كلمات سينييل الأخيرة كأنها هلوسة:
سأترككِ تعيشين الحياة التي تريدينها.
نظرت فيفي إليه الآن كأنها تتوسّل.
كأنها تتضرّع إليه أن يقول شيئًا، أيّ شيء.
لم يستطع كيد تحمّل تلك النظرة.
ثقل قلبه بسبب ضرورة قطع هذا الحوار المتوتّر الذي كاد يستمرّ.
نظر كيد ببطء في عيني فيفي الجريحتين، ثم أجاب:
«لأترككِ تذهبين.»
«ماذا؟»
تجعّد جبين فيفي النقيّ.
نظرت إليه بعينين لا تفهمان، تطالبه بالتوضيح.
«وجودي سيبقى عائقًا فقط. إن أردتِ نسيان كلّ ما حدث هنا وبدء حياة جديدة، فيجب ألا يكون هناك ما يعيقكِ. وحتى وجود سينييل وحده سيذكّركِ بي.»
«لذلك قررتما الموت معًا الآن؟»
«في البداية كنتُ أنوي أن أموت وحدي، لكن سينييل قال إن وجود زوج سيّئ في العالم سيبقى عائقًا، فقرّر أن يموت معي.»
«إذن ستتركاني وحدي في هذا القصر؟»
«لا، أنتِ لن تبقي في القصر… آه…»
«ماذا؟ أنا ماذا؟!»
أدرك كيد أنه أخطأ في الكلام، فسدّ فمه بسرعة.
نظرت فيفي إليه — وهو الذي لم يعد يستطيع التحكّم في تعابير وجهه — ثم شدّت قبضتها مجدّدًا على طوقه.
تجعّد زيّ الكاهن بشدّة.
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
تابعونا على قناة التلغرام : MelaniNovels
التعليقات لهذا الفصل " 88"