مع كلّ حركة، انتشرت رائحة الورد الخفيفة ممزوجة برائحة مكتبة قديمة تفوح منه.
“جاء محقق من أجل حفلة السفينة، وقام بزيارة القصر. لكن لا شيء حدث، فلا تقلقي. لقد غادر للتوّ بعد أن أكّدتُ له أنّ شهادتي كافية.”
“محقّق؟”
“نعم. آه، أخبرتُ المحقّق أنّ فيفي كانت معي طوال الوقت الذي وقعت فيه الجريمة. فقال أنّه لم يعد لديه أسئلة أخرى، وانصرف. هل أفزعتكِ؟ لا بأس، لن يعود المحقّقون بعد اليوم، فلا تشغلي بالكِ بهذا الأمر.”
لم أتوقّع أبدًا أن أسمع من فم سينييل أنّ زيارة المحقّق “لا شيء يُذكر”.
‘كنتُ أظنّ أنّ سينييل سيتألّم…’
توقّعتُ أن يتصرّف كسجين يتمنّى العقاب.
ومن الطبيعي أن أظنّ ذلك، فهو دائمًا ما يحمل رغبة في الاعتراف بجريمته، ومع ذلك يعجز عن ذلك.
كنتُ أتخيّله يتجوّل وهو مغطّى بطبقات سميكة من الشعور بالذنب.
لكنّ الابتسامة المستقيمة على وجهه، والإيمان الأعمى الذي يلمع في عينيه، والجوّ الخطير الذي ينبعث منه موجّهًا نحو شخص ما… لم يكن ذلك سينييل الذي أعرفه.
كان الاتصال قصيرًا، ومع ذلك شعرتُ بتخدير يسري في أطراف أصابعي.
“أكثر من ذلك… أعتذر لأنّني تأخّرتُ اليوم. سمعتُ أنّكِ لم تتناولي الطعام بعد، هل انتظرتِ طويلًا؟”
أخذتني عيناه المتّقدتان كالنار الحمراء، فتأخّرتُ في فهم كلامه.
حين استعدتُ وعيي، سحبتُ يدي بسرعة كأنّني أخفيها.
أدركتُ أنّ تصرّفي كان محرجًا.
لكنّ سينييل لم يبدُ متأثّرًا؛ تبع نظره يدي للحظة، ثمّ عاد ليحدّق في عينيّ بوضوح، كأنّ شيئًا لم يكن.
انتظر إجابتي بنظرة تحثّني على الكلام.
تأخّرتُ نصف لحظة قبل أن أردّ:
“… لا.”
لم أنتظر، فقد كنتُ نائمة طوال الوقت.
وحتى أنّني لم أعرف أنّه تأخّر إلّا الآن من خلال كلامه، فلا يمكن القول أنّني انتظرتُ طويلًا.
“في المرّة القادمة، إن تأخّرتُ، تناولي الطعام أوّلًا. الصيام ليس جيّدًا. يجب أن تكوني جائعة الآن… فهل نذهب إلى غرفة الطعام؟”
كأنّه يقول: “سيتكرر التأخّر مرّة أخرى، فلا تنتظريني بعد اليوم.”
أتراني أنا من يفسّر الكلام بطريقة معوّجة؟
مدّ سينييل يده إليّ بطبيعية، وقادني نحو غرفة الطعام.
كانت الأجواء مختلفة تمامًا عمّا كانت عليه في الصباح، فشعرتُ بغرابة تتسلّل إلى قلبي.
“هل ستتأخّر مرّة أخرى في المرات القادمة؟”
ما أن نطقتُ بالكلمات حتى عاد الغثيان يعتصر معدتي.
شعرتُ وكأنّ كلّ شيء على وشك أن يرحل، أن يتلاشى.
والرحيل… كان أمرًا جيّدًا في الحقيقة.
يعني ذلك أنّ فرص بقائي على قيد الحياة أصبحت أكبر…
عضضتُ شفتيّ بقوّة.
حين كنتُ أظنّ أنّ الأمور بدأت تستقيم قليلًا… لماذا ينوي الجميع الرحيل فجأة؟
يأتون دون إذن، يعذّبونني، ثمّ يختفون دون حتى أن يستأذنوا.
على الأقلّ، كان يجب أن يتركوا لي فرصة أن أكون أنا من يودّع أوّلًا. كان الوداع حقّي.
لم ينظر سينييل إليّ حين أجاب:
“يبدو أنّني سأكون مشغولًا جدًّا في الفترة القادمة. كنتُ أنوي إخباركِ على أيّ حال، لذا سأروي لكِ التفاصيل في غرفة الطعام.”
غريب.
لم يكن هناك وصف يناسب سينييل الحالي أكثر من كلمة “غريب”.
ضغطتُ على يده بقوّة.
شعرتُ وكأنّ كيدًا ثمّ سينييل سيختفيان فجأة، كلاهما، دون رجعة.
حدّقتُ في ملامحه الجانبيّة بعناد، لكنّه لم يلتفت إليّ ولو مرّة واحدة حتى وصلنا إلى غرفة الطعام.
* * *
ما أن جلستُ حتى وُضعت الأطباق أمامي.
كانت الأطباق متنوّعة، لا يتكرّر فيها نوع واحد، ومغرية بألوانها الشهيّة…
لكنّني لم أمنحها نظرة واحدة.
ظللتُ أحدّق في سينييل بعناد، بل وبالأحرى: أحدّق فيه بنظرات مليئة بالغضب.
لم يبدُ أنّ نظراتي تؤذيه، فلم يرفع عينيه إليّ أبدًا.
انتظر فقط حتى يغادر الخدم.
حاولتُ لفت انتباهه بسؤال:
“لماذا ستكون مشغولًا؟”
كان السؤال يحمل في طيّاته الكثير:
‘لن تفعل شيئًا غريبًا مجددا، أليس كذلك؟ حتى الصباح كان كلّ شيء على ما يرام… فلماذا هذا التغيير المفاجئ؟’
لو لم يكن سينييل مشبوهًا، لكنتُ افترضتُ أنّ الأمر يتعلّق فقط بحفلة السفينة.
لكنّ حدسي – الذي نجا من كيد مرّات عديدة – كان يصرخ: هذا ليس أمرًا بسيطًا.
دفع سينييل طبقي نحوي، مؤجّلًا الإجابة.
الشخص الذي كان يتجنّب حتى النظر في عينيّ حتى اللحظة الماضية، ألقى الآن نظرة متوجّعة، كأنّه يتوسّل.
“سأخبركِ أثناء تناول الطعام. ما زال لدينا وقت كثير.”
وما أغرب الأمر… أنّ هذه الكلمات بدت وكأنّها تقول: “الوقت ينفد.”
رغم أنّ سينييل لا يعلم بعد أنّني على وشك الرحيل.
أمام تلك النظرة المتوسّلة التي تتضرّع: “انتظري قليلًا فقط”، قرّرتُ الصبر.
في داخلي، كنتُ أريد أن أستجوبَه فورًا، أن أضغط عليه حتى ينهار… لكنّني كبحتُ نفسي.
قطعتُ الخضار واللحم بلا اهتمام، ومضغتُ.
ربّما بعد ثلاث لقمات يبدأ بالكلام.
ظلّ سينييل صامتًا.
يبدو أنّه لن يتكلّم إلّا بعد أن أنهي نصف حصّتي على الأقلّ.
ابتلعتُ الطعام دون أن أشعر بطعمه.
في المنتصف، توقفتُ عن الأكل.
لم أكن جائعة، ولا شهيّة لديّ.
وضعتُ الأدوات جانبًا، وشربتُ قليلًا من الماء.
نظرتُ إلى طبقه.
كان يلحّ عليّ بالأكل، بينما هو لم يمسّ شيئًا؛ الأطباق أمامه ما زالت كما هي تقريبًا.
لم أعد أستطيع الانتظار أكثر.
وضعتُ كأس الماء على الطاولة بقوّة، فتناثرت قطرات قليلة.
حدّقتُ فيه بنظرات حارقة، كأنّني أحرقه بعينيّ.
إن حاول التهرّب أو تغيير الموضوع هذه المرّة… كنتُ مصمّمة على ملاحقته حتى يبكي.
يبدو أنّ سينييل أيضًا قرّر أنّ الوقت قد حان.
أخيرًا، فتح فمه:
“حفلة السفينة هذه المرّة متورّطة مع الطائفة الهرطقية. إنّها جماعة تتوسّع بسرعة، ولديها الكثير من الأمور التي يجب التعامل معها، لذا سأكون مشغولًا جدًّا في الفترة القادمة.”
هل هذا كلّ شيء حقًّا؟
لو كان الأمر بهذه البساطة، لما كان هناك داعٍ لكلّ هذا التردّد.
كان يكفي أن يقول: “أنا مشغول بسبب ذلك” وينتهي الأمر.
“فيفي… لديّ طلب.”
أم أنّ هذا الطلب هو ما جعله يتردّد؟
أومأتُ برأسي: “تكلّم.”
“أرجوكِ… وافقي على البقاء في المنزل لأسبوع واحد فقط. حركة الطائفة الهرطقية غير طبيعيّة، وأخشى أن يكون الخروج خطرًا عليكِ.”
“هل هذا كلّ شيء؟”
كنتُ أعرف عن الطائفة الهرطقية ما يكفي، فطلب البقاء في المنزل بدا – ظاهريًّا – منطقيًّا.
ابتسم سينييل ابتسامة مصطنعة:
“نعم. إن بقيتِ في المنزل، فسينتهي كلّ شيء.”
لكنّ كلماته الأخيرة: “سينتهي كلّ شيء”… بدت تحمل معنى عميقًا ومقلقًا.
لو كانت كلمة “كلّ شيء” تشير فقط إلى القضاء على الطائفة الهرطقية، لما تصرّف سينييل بهذه الدرجة من الريبة والغموض.
‘حتى الصباح لم يكن هكذا…’
لماذا يتغيّر فجأة؟ ما الذي حدث حتى يخفي الأمر مرّة أخرى؟ لماذا يبتعد هو الأوّل؟
شعرتُ ببرودة تخترق صدري.
غضبٌ متأجّج تجاه الرجلين اللذين يتصرّفان دائمًا كما يحلو لهما.
لم أعد أستطيع كبح جماح نفسي.
انفجرت الكلمات من فمي دون سيطرة:
“ما الذي سينتهي؟ هل تقصد الطائفة الهرطقية؟”
“فيفي…”
“أم كيد؟ أم سينييل؟ أم… كلّ شيء؟”
أدركتُ متأخّرًا ما الذي قلته، لكنّني لم أستطع إيقاف نفسي من الاستمرار في الاندفاع.
“لهذا قلتَ أنّ كلّ شيء سينتهي؟”
“فيفي، اسمعي كلامي…”
“أنت تعرف السبب الذي جعل كيد يريد الاختفاء فجأة. تعرف لماذا فعل ذلك.”
توقّفت شفتا سينييل عن الكلام، وهو الذي كان على وشك الاحتجاج.
تلك النظرة المتوجّعة التي كان يرميني بها هدأت تدريجيًّا.
حاول أن يجيب، ثمّ توقّف.
كرهتُ هذا الصمت البارد.
“أنت تعرف السبب. تعرف لماذا اعتذر كيد لي. لماذا قال أنّه سيختفي. ولذلك الآن، بعد أن اختفى كيد، تريد أن تنهي كلّ شيء، أليس كذلك؟ إن قلتَ أنّك لا تعرف… فسأعتذر أنا.”
عند سماع كلمة “اعتذار”، ارتجف جفن سينييل برفق.
أخيرًا، فتح فمه الثقيل:
“نعم… أعرف.”
كنتُ أتوقّع هذه الإجابة.
ومع ذلك، اهتزّ قلبي بعنف لدرجة أنّني لم أستطع الردّ فورًا.
“ما هو السبب؟”
“…”
“أجبني.”
قرّرتُ في نفسي أنّني، مهما كلّف الأمر، سأعرف السبب اليوم.
مرتّ ثوانٍ بطيئة كأنّها ساعات.
يبدو أنّ سينييل أدرك عنادي، ففتح فمه مجدّدًا:
“هل تريدين منّي أن أعبر الخطّ؟”
لكنّ هذا لم يكن الجواب الذي أريده.
حين أردتُ أن أعاتبه، التقت عيناي بعينيه.
تلك النظرة المتردّدة التي كانت تتجنّبني قد اختفت.
بدلًا منها، احتلّ المكان لهيب من الرغبة المتأجّجة، وعاطفة حارقة لا تبدو وكأنّها ستخمد أبدًا.
كانت تنبعث منه حرارة البركان المتفجّر باللون الأحمر، وتيّار من الحبّ الذي يتدفّق بحرارة.
ومع ذلك… كان هناك تناقض في هالته.
كأنّه يعلم أنّ هذا الحبّ لن يُقابل بالمثل، فحماسه كان يحمل بالفعل رائحة اليأس والحزن المسبق.
لم أعد أستطيع طرح أيّ سؤال آخر على سينييل.
حتى دون سماع الإجابة، كنتُ أعرف ما هي.
كان ذلك حرفيًّا: عبور الخطّ الرفيع الذي كان يفصل بين سينييل وبيني.
انهارت عزيمتي في تعذيبه حتى يجيب أمام هذا السؤال.
سقط قلبي بقوّة، كأنّه يهوي إلى قاع لا قرار له.
ابتسم سينييل ابتسامة مريرة.
كانت ابتسامة من يعرف أنّني سأصمت فجأة، تمامًا كما توقّع.
“حين يختفي كيد تمامًا… سأجعلكِ تعيشين الحياة التي تريدينها.”
الحياة التي أريدها؟
تحدّث سينييل وكأنّه يعرف تمامًا ما أريده، دون أدنى شكّ.
لكنّني لم أخبره يومًا بما أريده من الحياة.
كيف يعرف؟ أنا نفسي لا أعرف بعدُ ما هي الحياة التي أريدها.
“يكفي أن تعرفي هذا فقط، فيفي.”
كان ذلك تحذيرًا واضحًا.
إن لم تعبري الخطّ إلى هذه الجهة… فتوقّفي عن السؤال الآن.
لم أفهم بعدُ لماذا أصبح سينييل فجأة هكذا، ولماذا اتّخذ هذا القرار.
لكنّني، كما حذّرني، لم أعد قادرة على طرح أيّ سؤال آخر.
لا أؤمن بالحبّ، لكنّني لستُ متأكّدة إن كنتُ سأستطيع الرحيل حتى بعد سماعه.
وبما أنّني لا أؤمن به، فلستُ متأكّدة أيضًا إن كنتُ سأبقى رغم كلّ شيء.
نهضتُ بهدوء من مكاني.
“أنا… سأذهب أوّلًا.”
“أنا لم أنهِ طعامي بعد ، فاذهبي أنتِ أوّلًا.”
تركتُ ورائي اعتذار سينييل عن عدم قدرته على مرافقتي، وخرجتُ من غرفة الطعام.
كان الخارج أكثر ظلامًا من المعتاد، لا يُرى فيه شيء.
الظلام الدامس جعله يبدو كقاع المحيط، يخنق الأنفاس.
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
تابعونا على قناة التلغرام : https://t.me/+C0ZwazOixupjNzM0
التعليقات لهذا الفصل " 78"