“سأثق بكِ، سيدتي. في يوم الرحيل، سأعيركِ القلادة.”
أخيرًا! من شدّة الامتنان، أمسكتُ يده دون وعي منّي وهززتها بحماس.
لم يسحب رونان يده، لكنّ الارتباك بدا واضحًا على ملامحه.
“شكرًا جزيلًا!”
“بل أنا من يجب أن يشكركِ.”
ما الذي يدعوه للشكر؟ أنا التي كنتُ أغيّر رأيي مرارًا، وأحذّره من إرسال الرسائل، وأوبّخه باستمرار.
“من الآن فصاعدًا، أرجو أن تستمرّ في مساعدتي. أشعر أنّني لم أشكركَ بالشكل المناسب سابقًا… لكنّي كنتُ ممتنّة جدًّا حين قلتَ أوّلًا أنّكَ ستحميني.”
مددتُ يدي إليه بصورة رسميّة لأصافحه.
أمسك رونان يدي بيده الخشنة بقوّة معتدلة ومناسبة.
ظلّ يحدّق في يدينا المتصلَتَين بنظرة طويلة.
أهدابه البيضاء الطويلة ألقت ظلالًا على عينيه الزرقاوَين.
ما الذي يدور في ذهنه؟ وجهه أصلًا صعب القراءة، فكيف إذا أُغلقت عيناه أيضًا؟
“سأبذل قصارى جهدي.”
لقد بذل رونان قصارى جهده مرات عديدة من قبل.
ومع ذلك، كنتُ أعلم أنّه سيستمرّ في بذل أقصى ما يستطيع من أجلي في المستقبل أيضًا.
هكذا كان طبع رونان.
تذكّرتُ فجأة أنّ الوقت قد تأخّر كثيرًا. حان وقت الرحيل.
أفلتُ يده واستأذنتُ منه بلطف:
“هل يمكنني المغادرة أوّلًا؟ لا داعي لأن ترافقَني.”
“إن خرجنا معًا…”
لم يكمل رونان جملته. لقد تذكّر فجأة أنّ أعين المعبد كثيرة.
حتى لو استثنينا مراقبة أتباع دين فاوست، فإنّ خروجنا معًا من مكان خفيّ كهذا سيثير الشكوك والأقاويل بين الناس.
كان ذلك مرشّحًا لسوء الفهم بشدّة.
‘حسنًا… أصلًا، سوء الفهم بشأن علاقتنا لن يهمّ كثيرًا، إذ سنرحل قريبًا جدًّا.’
لكنّ جذب الانتباه في هذه اللحظة ليس في صالحنا.
ابتسمتُ له ابتسامة تجمع بين الامتنان والحرج، ثمّ ودّعته بنظرة.
لم يودّعني رونان بالكلام. ظلّ ينظر إليّ بعينين تحملان كلامًا كثيرًا لم يُنطَق به بعد.
انتظرتُ قليلًا، لكنّه لم ينبس ببنت شفة.
فتحتُ الباب وخرجتُ. مشيتُ مسافة طويلة ولم أسمع خطوات تتبعني.
يبدو أنّ رونان قد قرّر الانتظار لمدّة أطول قبل أن يغادر.
استلقيتُ على المقعد المخمليّ الناعم داخل العربة، مرهقةً تمامًا.
وضعتُ الأوراق التي أعطتني إيّاها سانشي على المقعد المجاور.
انحنيتُ على نفسي واستسلمتُ للوسادة.
‘رونان… إنسان طيّب حقا.’
بعد أن ننجح في الفرار إلى البلد الأجنبي، هل سيعود رونان مباشرة إلى بيته؟
هذا هو الاحتمال الأكبر. لن يبقى إلى جانبي بالتأكيد.
‘… لكن إن بقي، فأنا سعيدة جدًّا بذلك.’
في مكان غريب مليء بالشكوك والمخاطر، أن يكون هناك شخص أثق به تمامًا دون أن أخاطر بحياتي… هذا وحده كافٍ لأقبل وجوده.
‘يمكن أن نصبح صديقين مقربين.’
وربّما… أكثر من ذلك.
رونان إنسان طيّب حقًّا.
يحترم الآخرين، يتصرّف بنضج، ويظلّ جادًّا في كلّ أموره. لم يقل يومًا أنّه سيقتلني، ولم يحبسني في البيت بحجّة أنّه سيقتل غيري.
ولن يبكي كلّ يوم حين يواجه المحن، ولن يثقل كاهلي بمسؤوليّة إنقاذه.
ليس لديه شخصيّتان مختلفتان تجعلني أشعر بالارتباك بين حبّ شخصين في جسد واحد.
*أنفال: و يسألوني ليش عندك متلازمة البطل الثاني، يخي مضحي بكل شيء عشانها حرفيا و هي للحين ما صارحته بشيء و دوما خالته كآخر حل، اليطلة طيبة مع الكل الا معه هو استغلال صريح*
ارتجّت العربة بعنف.
في تلك اللحظة فقط أدركتُ أنّني، وأنا أفكّر في رونان، كنتُ في الوقت ذاته أقارنه بشخص آخر.
شعرتُ بغثيان يعتصر معدتي.
هل هي دوار الحركة؟ فتحتُ النافذة قليلًا، ثمّ انحنيتُ إلى الجهة المقابلة.
دخل هواء بارد منعش.
لكنّ ذلك الهواء المنعش زاد من الغثيان بدلًا من أن يخفّفه.
فجأة، انفجرت المشاعر في صدري كالبركان.
في الحقيقة… منذ وصولي إلى المعبد الكبير، كنتُ أكبح صدري الذي يعتصر بالضيق والغليان، وكدتُ أذهب إلى سينييل مرّات عديدة.
أردتُ أن أمسك به رغم انشغاله، وأن أصبّ عليه كلّ الأسئلة التي تكدّست في حلقي: من أين تبدأ الذكريات؟ هل تفهم معنى كلام كيد؟ لماذا قال لي ذلك؟
وإن لم يستطع الإجابة، أردتُ على الأقلّ إجابة واحدة واضحة.
حتى لو اضطررتُ إلى إبكائه، كنتُ أريد أن أجبره على الإجابة حتى النهاية.
‘أين كيد؟’
طلب معرفة مكان كيد من سينييل أمرٌ لا معنى له، ومع ذلك لم أجد سؤالًا أنسب منه.
حين رتّبتُ الأسئلة بوضوح، لم يهدأ رأسي، بل اشتعل أكثر.
مجرّد أن ألقيتُ هذه الأسئلة داخلي، بدأت أسئلة أخرى تتساقط معها كجذور مقتولة.
سينييل… هل تتخيّل ما الذي كان يفكّر فيه كيد حين خرج في وضح النهار؟ لماذا شحب وجهه فجأة وهرب أثناء سماعه للعزف على البيانو؟
لماذا اعتذر لي فجأة؟
نعم، قد يظهر اسمه في الصحف، لكنّ ما معنى قوله أنّ اسمه نفسه سيختفي قريبًا؟
لماذا قال لي كلّ ذلك؟
يتغيّر المشهد في ذهني فجأة.
الأسئلة التي كانت موجّهة إلى سينييل تحولت بسرعة إلى ذلك الكلب الجبان الذي اختبأ داخل سينييل.
… لماذا؟
لماذا، حين سمعتَ اسمك من فمي، ابتسمتَ بهذه الابتسامة المشرقة؟
لو كنتَ سترحل، لكنتَ رحلتَ كما أنتَ: بلا اعتذار، بلا كلام، بطباعك الوغدة.
وإن كنتَ مصرًّا على الاعتذار، لكنتَ اكتفيتَ بالاعتذار وانصرفتَ.
وإن جئتَ للاعتذار، فلماذا طلبتَ منّي أن أناديكَ باسمك في اللحظة الأخيرة؟
لا… دعنا نترك كلّ ذلك جانبًا.
حسناً، لنفترض أنّني أستطيع أن أتفهّم وأتغاضى عن كلّ شيء بكرم قلبي الواسع.
لكن هناك أمر واحد فقط… لا أستطيع تجاوزه بأيّ حال.
‘لا تبتسم هكذا!’
ذلك الوجه الذي كان يعجّ بالشكوى والتمرّد على العالم، والذي كان يبدو دائمًا منحرفًا ومتجهمًا… تحول فجأة، بمجرد سماع اسمه مرّة واحدة، إلى أسعد وجه في الدنيا.
في تلك اللحظة، شعرتُ وكأنّني أصبحتُ شيئًا ثمينًا جدًّا في عينيه.
ذلك التحوّل السريع من الرفض والعناد إلى الفرح الغامر… غرس في ذهني كالوشم، لا يُمحى.
الغثيان لم يتوقّف.
كان يتصرّف ككلب قتال في حلبة، يلتهم كلّ ما يقع تحت بصره بنظرات عدوانيّة… فكيف يمكن أن يتحوّل فجأة إلى هذا الابتسام الذي يبدو وكأنّه يستسلم للعالم كلّه؟ ما معنى تلك الابتسامة؟
لهذا السبب أردتُ أن أذهب إلى سينييل.
‘أين كيد؟’
في خيالي، جرّرتُ سينييل إليّ بالقوّة، ووقفتُ أنتظر إجابته دون أن أطلب إذنًا.
سينييل الذي رسمته في ذهني نظر إليّ بعينين مشوشتين ببطء، ثمّ أجاب أخيرًا:
‘لماذا تسألين عنه؟’
في عالم خيالي هذا، لم أرتبك من سؤاله المضادّ. فأجبتُ بثقة كبيرة:
‘لأنّني إن التقيته، سأبدأ باعطاءه صفعة واحدة على الأقلّ.’
كيد يستحقّ أن يُضرب من قبل عازفة بيانو.
قد لا أملك قوّة خارقة، لكنّ قبضتي وقوّة ذراعيّ كانتا دائمًا قويّتين.
بعد أن حلّت روحي في جسد فيفي، ضعفتْ قوّتي قليلًا، لكنّني ما زلتُ أعرف كيف أجمع القوّة في يدي وأضرب بكلّ ما أوتيتُ.
سأضربه بكلّ قوتي.
‘أنتَ، كلبٌ حقير.’
ومع ذلك… ما زلتُ لا أعرف.
هل كيد فعلًا قرّر الموت ويُقدم على تدمير ذاته؟ هل سيتأثّر بما سأفعله بعد الآن؟
إن صحتُ في العالم كلّه: “هذا هو الجاني!” وأغضبته، هل سيلغي اعتذاره السابق ويندفع نحوي صارخًا: “لنمت معًا”؟
حين أتذكّر تصرّفاته السابقة، أشعر أنّ ذلك ممكن جدًّا…
لكنّ جزءًا من قلبي يهمس بتفاؤل غامض: ربّما يختفي كيد بهدوء، دون أن يزعجني بعد الآن.
أفكاري المتقلّبة لا تفعل سوى أن تزيد من الارتباك، ولا تقرّبنا ولو خطوة واحدة من الإجابة الحقيقيّة.
في النهاية، توصلتُ إلى قرار حاسم: يجب أن أسأل سينييل مباشرة، دون لفّ ولا دوران.
أطبقتُ على أسناني بقوّة، وألقيتُ جسدي على مسند العربة بعصبيّة.
‘الآن هو وقت الهروب.’
هذا هو الوقت الذي يجب أن أركّز فيه بكلّ طاقتي…
فلماذا يصرّ على تعذيبي حتى اللحظة الأخيرة؟
لو كان قد قال شيئًا كهذا قبل أسبوع، أو حتى قبل يومين فقط، لكان الأمر أقلّ إيلامًا.
إن كانت لديه موهبة في اختيار التوقيت الدقيق للنيل من أعصاب الآخرين… فهو حقًّا موهوب في ذلك.
التعليقات لهذا الفصل " 77"