كدتُ — في لحظة من التوتر الشديد — أن أعضَّ أظافري من القلق.
لكنّي أدركتُ أنّ الدفاع عن النفس في مثل هذه اللحظة لن يجدي نفعًا، فازددتُ هجوميةً في ردّي:
«لا تُطلق مثل هذه الأقوال المريعة. لقد كان ثملًا بالخمر فحسب، وسماع مثل هذا الكلام عنه يُثير الاشمئزاز والغثيان.»
«لو كان السيد كبير الكهنة هو الجاني حقًا، لما بقي أمام السيدة — في ما أظنّ — سوى الفرار. فلا أحد سيصدّقها.»
«كفى، قلتُ لك كفى.»
أخيرًا أغلق رونان فمه.
ارتجفتُ يداي بعنف، ولم أستطع التمييز فيما إذا كان ذلك الارتجاف نابعًا من الغضب أم من الرعب.
لكنّ أمرًا واحدًا كان واضحًا جدًا في داخلي:
‘حتى لو كشفوا أنّه الجاني… فأنا من يجب أن يكشفه.’
لم أطق سماع اسم كيد يُنطق على لسان غيري.
إن كان لا بدّ من التشهير به، فأنا من سيُشهره.
وإن كان لا بدّ من ضربه، فأنا من يضربه.
‘وحتى لو افترضنا — جدلًا — أنّ رونان قد أعلن للعالم أنّ سينيال هو الجاني… فماذا سيحدث؟ كيد سيقتلنا نحن الاثنين، أليس كذلك؟ هل ستتحسّن الأمور بهذا الشكل؟’
في الليلة الماضية، حين غادر كيد، كان قد نطق بكلمات تحمل في طيّاتها إيحاءً بالموت موجّهًا إليّ.
فكيف إذا ما غيّرتُ موقفي فجأة وصرختُ في وجه الجميع: «هذا هو الجاني!»… هل يتركني كيد حيّة بعد ذلك؟
‘كلاّ!’
ذلك الرجل سيُلغي اعتذاره السابق، وسيعتبر أنّ الطريق إلى العالم الآخر أصبح أقلّ وحدةً بوجودي معه، فيجعلني رفيقةً له في رحلة الموت.
*أنفال: هموووت*
الهروب أصبح وشيكًا، ولم أكن أريد — بعد كلّ هذا الطريق — أن أُفسد الأمر بخطأ أحمق في اللحظة الأخيرة.
أخذتُ نفسًا عميقًا حادًّا، ثم أطلقته بقوّة لأهدّئ من روعي، ثم قلتُ:
«ليس هناك شيء من هذا القبيل أبدًا، فلا تُطلق الأحكام مسبقًا. سأتغاضى عن وقاحتك اليوم، لكن لا تكرّرها أبدًا.»
«… سيدتي.»
حين رمقته بنظرةٍ حادّةٍ لاذعة، ارتجفتْ حدقتا عينيه برفق.
ثم ما لبث أن أرخى نظره، وأطرق جفنيه قليلًا كمن أُصيب بجرحٍ عميق، فألقى نظرةً سريعة إلى الأرض، ثم رفع عينيه إليّ ببطءٍ وحذر:
«لا أريد أن أكون وقحًا معكِ أبدًا، سيدتي. كيف لي أن أجرؤ على ذلك؟ لم أنبس ببنت شفةٍ للمحقّقين بعد، خشية أن أُلحق بكِ ضررًا. وإن كانت كلماتي الوضيعة قد تُسبّب لكِ أذًى، فلن أنطق بها بعد اليوم أبدًا.»
«…»
«أردتُ فقط أن أقول لكِ… أنّني وإن لم أكن بمستوى يُمكّنني من مواجهة كبير الكهنة، فإنّني مستعدٌّ لأن أُضحّي بحياتي كلّها في سبيل مساعدتكِ.»
كلّ هذا الكلام… فقط لأجل مساعدتي؟
شعور الامتنان يتصارع في صدري، ومع ذلك… مَن أكون أنا حتى يُقدَّم لي هذا العرض؟
«أعتذر عن اندفاعي وتسرّعي. كما قلتِ تمامًا، هناك احتمالٌ كبيرٌ جدًّا ألّا يكون لكبير الكهنة أيّ علاقة بهذه الجريمة. لكن القلق غلبني… فإن صحّت ظنوني، أردتُ أن أقول لكِ: لنهرب الآن، قبل فوات الأوان.»
«…»
تدريجيًّا بدأت عضلات جسدي المشدودة بالتوتر تسترخي.
تغيّر ثقل الهواء من حولنا.
نظر إليّ رونان بعينين مفعمتين بالرجاء.
ابتلعتُ كلماتي.
أن يكون قد ضغط عليّ بهذا الشكل فقط ليقول «لنهرب الآن»… كان ذلك — في الحقيقة — أمرًا طيّبًا بالنسبة لي.
ومع ذلك… لم أفهم.
لقد التقينا أنا ورونان مراتٍ قليلة جدًّا يمكن عدها على أصابع اليد.
كان بإمكاننا أن نصبح أصدقاء مقربين، لكن الظروف لم تُسعِفنا، فانقطعت لقاءاتنا فجأة.
هل يُقدّم لي كلّ هذا العطاء لمجرد أنّني أعطيته مبلغًا كبيرًا من المال؟
لكنّ هذا القدر من الحماسة والتفاني يتجاوز ما يمكن تفسيره بالمال وحده.
أن يسبق الآخرين بخطوة في التفكير بمصلحة شخصٍ يعاني… لا يمكن أن يحدث إلّا من قلبٍ صادق.
عادةً، بعد أن يُقبَض الأجر، تنتهي القصة.
لا أحد يرغب في تعقيد حياته أكثر من اللازم.
نظرتُ مليًّا في عينيه الزرقاوين المتلألئتين كالجليد.
أعرف جيّدًا ما يختبئ وراء هذا النظر.
إنّه الشعور الذي أراه كلّما نظرتُ في المرآة.
‘الوحدة.’
كنتُ — في بعض الأحيان — حين أشعر بأنّني لا أنتمي حقًّا حتى إلى أقرب الأصدقاء، أختفي فجأة بحجّة التركيز على العزف، هربًا من عالمٍ يبدو فيه الجميع سعداء عداي.
لو وجدتُ شخصًا يعيش نفس الألم، نفس الشعور بالاغتراب… لما عدتُ أشعر بالوحدة أبدًا.
هكذا كنتُ أحلم أحيانًا.
ربّما يكون رونان الآن غارقًا في وحدةٍ قاسية، بحيث لم يعد يجد للحياة معنى إلّا في أن يكون إلى جانب شخصٍ عاش نفس المحن، نفس اليأس.
ولذلك يُقدّم حياته بلا تردّد.
لم أستطع لومه على هذا التفكير، ولا اعتباره وهمًا.
لو كنتُ أنا في مكانه في السابق، لفعلتُ الشيء نفسه على الأرجح.
بالطبع… قد لا يكون هذا هو السبب الوحيد.
ربّما يكنّ لي نوعًا من العاطفة… لكن أن يُقدّم حياته من أجل مشاعر كهذه، ونحن لم نلتقِ إلّا مراتٍ معدودة؟
يصعب تصديق ذلك. أنا لستُ ممن يملكون جاذبيةً ساحرةً خارقة.
‘… وعلى أيّ حال، أنا لا أؤمن كثيرًا بالحب.’
لأنّني واقعيةٌ أكثر من كوني رومانسية، صرتُ أراهن على الهروب بهذه الطريقة.
مهما كان السبب… إن كان رونان يفكّر بي إلى هذا الحدّ، فليس بإمكاني أن أرفض عونَه.
كنتُ أتوق إلى الحياة بشدّة.
نظرتُ إليه وسألته بهدوء:
«كيف يُمكننا أن نهرب الآن، في هذه اللحظة؟ حتى بعد خمسة أيام، لن تُرفع الحدود بين القارات بالكامل. فإذا كانت مخاطر الاكتشاف مرتفعة بعد خمسة أيام، فهي الآن أعلى بكثير، أليس كذلك؟ … وعلى أيّ حال، كنتُ سأقبل عرض كيد بالرحيل معه بعد خمسة أيام.»
عندما سمِعَ أنّني كنتُ سأرحل مع كيد، اتّسعت عينا رونان دهشةً.
لم أره مندهشًا هكذا من قبل.
ورغم أنّ اللحظة لم تكن تسمح بذلك، بدا لي — لثوانٍ — لطيفًا بشكلٍ غريب، ربّما لأنّني اعتدتُ على وجهه الجامد أو المغموم دائمًا.
بدت على رونان ملامح السرور الخفيّ، وإن كان الدهشة قد غلبت عليه حتى أعاقت كلامه للحظات.
مرّت بضع ثوانٍ صامتة قبل أن يستعيد وعيه ويفتح فمه أخيرًا:
«كنت أنوي إخباركِ بهذا في طريق العبور، لكنّني سأخبركِ الآن. لدينا في العائلة، منذ أجيال، كنز موروث.»
أومأت بعينيّ مندهشة، متسائلة في سرّي: هل سمعتُ حقًّا؟ لم أكن أتوقّع أن يتحدّث رونان عن القلادة.
بل إنّه أخرجها فعلًا من صدره، كأنّما كان يحملها معه طوال الوقت.
كانت قلادةً بسيطةً جدًّا، لا تتعدّى فيها الأناقة حجم جوهرة زرقاء صغيرة كظفر الإبهام، لكنّها في يد رونان بدت وكأنّها تحمل سرًّا عظيمًا.
‘إذًا هذه هي القلادة…’
تلك التي كنتُ أبحث عنها في جسده حين كنا في العربة المتّجهة إلى التهريب.
حينما رآني أحدّق فيها دون أن أرفع عينيّ، بدأ رونان يشرح بهدوء:
«من يرتدي هذه القلادة يستطيع أن يأخذ شكل أيّ شيء… سواء كان كائنًا من نسج الخيال أو إنسانًا حقيقيًّا. إنّها مسحورة بسحرٍ قويّ جدًّا لا يستطيع حتى من يملك قوّة روحيّة عالية أن يكشفه. لذلك كنتُ أنوي استعمالها لخداع الأعداء والحلفاء على حدّ سواء أثناء عبوري للقارّة.»
كنتُ أتردّد كثيرًا في كيفيّة فتح الموضوع، لكنّ الأمور جرت بهذه الطريقة الطبيعيّة، فلم يكن بوسعي أن أتمنّى أفضل من ذلك.
تظاهرتُ بالجهل وسألته متردّدة:
«هل هذه القلادة… تملك فعلًا هذه القوّة؟»
«نعم. أذكر جيّدًا أنّ والدي كان يتجوّل في معبد الكهنة الكبير وهو يُقلّد أحد النبلاء، ولم ينتبه إليه أحد على الإطلاق.»
يا لها من شخصيّة غريبة لوالد رونان! ما الذي دفعه لأن يتخفّى كنبيل ويتجوّل في المعبد… ومعه ابنه كذلك؟
لعلّه قرأ الاستغراب في عينيّ، فأجابني بصراحة دون تردّد:
«كان يستمتع بتلقّي المعاملة الرفيعة التي يحظى بها النبلاء.»
‘آه… إذًا كان ذلك علاجًا لاستعادة كرامة ذاتيّة مشوّهة.’
أومأت برأسي موافقةً، ثم عدتُ أركّز على القلادة وعلى فكرة عبور القارّة.
«إذًا إن لم تكن القلادة معنا، فالعبور اليوم مستحيل؟ وماذا عن بعد خمسة أيام؟ هل لا بدّ منها حتى حينها؟»
«… اليوم سيكون صعبًا جدًّا. بعد خمسة أيام سنحتاجها أيضًا، لكن إن سألتِ عمّا إذا كان ممكنًا بدونها… فالجواب: ممكن، ولكنّه محفوف بالمخاطر. ليس مستحيلًا تمامًا.»
اليوم مستحيل، لكن بعد خمسة أيام قد يكون ممكنًا.
أغمضتُ عينيّ للحظة.
أخيرًا… ظهر أمامي المخرج الذي بحثتُ عنه طويلًا. لقد انتهى الأمر حقًّا.
*أنفال: من بداية الرواية و انا منتظرتك تهربي و للحين ما هربتي، اخاف تخلص الرواية و تفضلي هنا*
تدفّقت في صدري مشاعر التحرّر والابتهاج، ممزوجةً بشيء من الشعور الغريب بالندم، كأنّني تركتُ شيئًا هامًّا ورائي.
شعرتُ للحظة وكأنّ قوّةً كونية عظيمةً تشير إليّ وتدعوني للذهاب إلى هناك.
فتحتُ عينيّ أخيرًا وألقيتُ السؤال الذي طالما تردّدتُ في طرحه:
«إذًا… هل يمكنك إعارتي هذه القلادة؟»
«لا يمكن.»
توقّعتُ أن يتردّد، أو أن يسأل عن السبب على الأقل.
لم أكن أتخيّل رفضًا قاطعًا بهذه السرعة.
لمّا رأى ارتباكي، أردف رونان بهدوءٍ يشوبه الحزم موضّحًا السبب:
«كلّ من ارتدى هذه القلادة تعرّض لمصائب سيّئة. يقال في عائلتنا منذ أجيال أنّ من يرتديها يُلعن في النهاية. أنا لم أصدّق ذلك يومًا، ولا أصدّقه الآن. لكن إن كنتِ أنتِ من سترتدينها… فلن أستطيع تجاهل اللعنة بعد اليوم.»
كان قد قال إنّه مستعدّ لاستعمالها من أجلي، ثم يرفض أن أستعملها أنا… هذا التناقض جعلني أشعر بمدى عمق مشاعره.
انتقلت إليّ تلك الخشية الحقيقيّة من أن تتحقّق الكلمات إذا نطق بها.
لم أرد أن أستغلّ صدقه.
لكن إن كان هذا هو السبب الوحيد الذي يمنعه من إعارتها لي، فعليّ أن أتغلغل في هذا الشعور.
«لكي أُصاب باللعنة… يجب أن أظلّ حيّةً أوّلًا.»
«سأرافقكِ حتى النهاية.»
«وحتى لو صرتُ مطاردةً كخائنة للوطن، وانتشرت أوامر القبض عليّ في كلّ مكان، وحتى لو استُدعي الجيش لملاحقتي… هل ستظلّ قادرًا على ذلك؟»
صمت رونان أخيرًا. كلامه يبدو وكأنّني ألمّح إلى أنّني ارتكبتُ جرمًا فادحًا وأنوي الفرار من تبعته.
لم يسألني: ماذا فعلتِ؟ لكنّه بدا يتصوّر المشهد حين يُستدعى الجيش.
«لستُ أشكّك في قدرتك. أنا فقط… أريد أن أقلّل من الأذى الذي قد يلحق بك بسببي قدر الإمكان. وضعي الحالي ليس على ما يرام.»
«إذًا الطلب الذي كنتِ تنوين طرحه عليّ في البداية… كان متعلّقًا بهذا الوضع أيضًا؟»
«أجل… شيء من هذا القبيل. كنتُ سأطلب منك أن تخفيني بأيّ ثمن. إن اكتُشف أمري، ستصبح الأمور بالغة الصعوبة. أنا لم أرتكب جريمة، لكنّ هناك من…»
تردّدتُ قليلًا، ثمّ أدركتُ أنّ الوقت لم يحن بعد، فأوقفتُ كلامي.
«بعد خمسة أيام، قبل أن نرحل، سأخبرك بكلّ شيء. إن سمعتَ ظروفي ورأيتَ أنّ المخاطرة كبيرة، فاتركني واذهب. لن ألومك أبدًا.»
«لن يكون هناك ما يدعو إلى اللوم.»
«حتى وإن لم تسمع بعد؟»
«نعم.»
كان جوابه حاسمًا حتى فقدتُ الكلام.
ما الذي يجعله واثقًا إلى هذه الدرجة؟
«على أيّ حال، لكي ننجح في الهروب بسلام، يجب أن أُخفي وجهي. ولذلك أحتاج إلى القلادة. يجب أن أبقى حيّةً الآن حتى أتحمّل اللعنة أو أيّ شيء آخر. وفوق كلّ ذلك… أنا أيضًا لا أؤمن بهذه اللعنة.»
«…»
«سأثبتُ لك ذلك بنفسي.»
طال صمت رونان.
لم ينبس بكلمة، بل ظلّ يحدّق في عينيّ، غارقًا في تفكير عميق وحده.
انتظرته بهدوء، تاركةً له كلّ الوقت الذي يحتاجه ليُقرّر.
التعليقات لهذا الفصل " 76"