‘لا يوجد خيار أفضل من أن ألتقي برونان، أطلب منه الحراسة، وأستعير منه القلادة أيضًا.’
بما أنني يجب أن أعبر القارة، فالذهاب وحدي مستحيل.
لذا، أحتاج إلى حراسة رونان والقلادة معًا.
لكن هناك مشكلة واحدة تنشأ في هذه الحالة:
الطائفة المنحرفة تعرف وجه رونان.
ومع ذلك، إذا تغيرتُ أنا إلى شخص آخر، وادّعينا أن رونان يحرس شخصًا ثريًا مقابل مبلغ كبير، فسيكون ذلك كافيًا.
قد يثير الأمر شكوكًا، لكنهم لن يتأكدوا أن الشخص الذي يحرسه رونان هو أنا، فمع مرور الوقت ستخفت تلك الشكوك.
لكن المشكلة الكبرى كانت شيئًا آخر.
‘أين يجب أن أذهب لألتقي برونان؟’
رونان ليس في مكان محدد.
بالطريقة العادية، كان يجب الانتظار في مقر فرقة الفرسان، لكنني لا أستطيع ذلك.
فجأة، تلاشت فكرة الذهاب إلى المعبد للقاء سانشي من ذهني.
آسفة تجاه سانشي، لكنني لم أعد بحاجة إلى تلك المعلومات.
يكفي أن أغير مظهري وأهرب.
تركزت أفكاري كلها على رونان.
‘في الرسالة اليوم، سخر مني قائلاً أن ‘الخطة البريئة’ لطيفة إلى درجة الإضحاك. لو انتظرتُ علانية أمام منزل رونان، لا يمكن توقع كيف سيتحرك المبتز.’
بما أنه شخص غير عقلاني، فلا خير في استفزازه.
بعد أن سالت الدماء بغزارة هذه المرة، أصبح جسدي يتقلص أكثر من الخوف.
‘هل يجب أن أرسل رسالة إلى رونان؟’
لكن الرسالة ليست وسيلة جيدة.
مجرد التفكير في أن يعترضها أحد في الطريق و تتسرب معلومات عن القلادة يجعل رأسي يؤلمني.
بالطبع، قد يُتنصت على الحديث أيضًا، لكنه أفضل من الرسالة التي لا يمكن تتبع مصدر التسرب فيها.
إذا طلبتُ من رونان التخلص من المتتبعين، ربما نستطيع التحدث في مكان خالٍ تمامًا.
‘إذن، أين أجد رونان؟’
الانتظار علانية في مقر الفرسان أو أمام منزله أمر مزعج.
والبحث عنه بنفسي في كل الحي أمر غير مرغوب فيه.
‘في هذا الوقت، أين يكون رونان؟’
أين هو رونان الآن وماذا يفعل؟ في هذه الفترة التي يسود فيها الارتباك بسبب حادث السفينة، من المؤكد أن رونان يتنقل مشغولاً، كالكهنة داخل المعبد.
‘انتظري… المعبد؟’
شعرتُ فجأة أنني رأيتُ فرسانًا مقدسين في المعبد.
ربما سيكونون أكثر انتشارًا اليوم.
لقد مات شخصان مرتبطان بالمعبد، فمن المستحيل ألا يركز الفرسان المقدسون على حراستهم.
ما أن خطرت فكرة الذهاب إلى المعبد حتى نهضتُ من مكاني.
‘ في أسوأ الأحوال، لن أخسر شيئًا. احتمال وجوده في المعبد هو الأعلى.’
طويتُ الرسالة التي في يدي بسرعة، وأمسكتُ الصندوق.
لم يكن لديّ حضور ذهن لإعادة الرسالة إلى داخل الصندوق.
دفعتهما معًا عميقًا تحت السرير.
في طريق خروجي من الغرفة، ناديتُ الخادمة.
“اليوم لا حاجة لتنظيف غرفتي. وأعدّي العربة فورًا، فأنا ذاهبة إلى المعبد الآن.”
قلتُ لها ألا تنظف الغرفة اليوم تحسبًا لأي شيء.
أُعدّت العربة بسرعة.
صعدتُ إليها دون تأخير.
سرعان ما انزلقت العربة وابتعدت تدريجيًا عن القصر.
ما أن صعدتُ إلى العربة حتى أصبح مزاجي معقدًا إلى درجة لا توصف.
لكن هذا هو الطريق الصحيح.
حتى لو أمسك بي أحد، فيجب أن أرحل.
* * *
تأخرتُ في التفكير أن رونان قد لا يكون في المعبد.
‘في حفلة السفينة، كان رونان يقوم بالحراسة. ربما تمت محاسبته على الحادث وفُصل.’
لم يمت شخص واحد بل اثنان.
ليست كلها جرائم كيد، لكن بما أنها حدثت في مكان مغلق كالسفينة، ربما اتهموه بأنه كان يمكن منعها لو ركز قليلاً.
إذن، هل عاد رونان إلى منزل العائلة حيث تعيش إيزيت؟
أعرف موقع منزل عائلته لأنني زرته سابقًا.
لكنني ترددتُ في تغيير اتجاه العربة فورًا.
فالمعبد ومنزل رونان في اتجاهين متعاكسين، وقد قطعتُ نصف الطريق إلى المعبد الكبير بالفعل.
بما أنني قطعتُ نصف الطريق، فربما يكون من الأفضل التأكد مما إذا فُصل رونان أم لا.
لو تصرفتُ بتردد بناءً على تخمينات، فسيضاعف الوقت فقط.
‘كل هذا لأنني كنتُ مشوشة جدًا في الصباح.’
بعد مشاهدة الشريط وقراءة الصحيفة، لم أعد قادرة على التفكير بعقلانية.
يجب أن ألتقي برونان في غضون خمسة أيام وأطلب منه إحضار القلادة، لكنني لا أعرف أين ألتقي به، فأنا قلقة.
لا ضمان أنني سألتقي به في خمسة أيام.
لا أريد تفويت أي فرصة.
الآن فقط، شعرتُ بالقلق لأنني تركتُ الرسالة وصندوق الهدية مدسوسين تحت السرير.
لكن العربة قد ابتعدت كثيرًا للعودة.
الأفضل حل الأمر بسرعة والعودة.
مع اهتزاز العربة المنتظم والضوضاء المتقطعة، أصبح بصري غائمًا تدريجيًا.
شعرتُ بأن قلبي يهدأ قليلاً وأنا أستعيد هدوئي.
بدأ نبضي المتسارع يبطئ، وانحلت عضلات كتفيّ تمامًا.
استسلمتُ للأريكة وأغلقتُ عينيّ، ففي الظلام الدامس، بدأ شخص ما يتراءى لي.
ما أن هدأ ذهني، حتى شعرتُ أن ذلك الذي كان يعذبني قد أدرك دوره وبدأ يحتل المكان تدريجيًا.
[آسف.]
‘كيد.’
لم أكرهه يومًا كما اليوم.
لطالما كنت أكرهه، لكن كرهي له اليوم لا يُقاس بغيره.
حاولتُ جاهدة محو صورة كيد وهو يعتذر من ذهني، لكن ذلك لم يكن سهلاً.
بل على العكس، محوتُ المبتز من ذهني بسهولة أكبر.
أمر يثير الدهشة.
ظننتُ أن ليلة التفكير الطويلة قد انهت الأمر، وأنني بالكاد محوته.
كنتُ أفكر في أن أرتاح قليلاً في العربة من جسدي المنهك، لكن كيد أصبح الآن يعيقني من خلال ذكرياتي.
في عربة لا مكان فيها لتضييع الوقت بشيء آخر، لم يكن هناك طريق للهروب من كيد.
قلتُ لنفسي ان هذا ليس الوقت المناسب، وحاولتُ محو نسخ عديدة من كيد، حتى أرهقتُ نفسي وانتهى بي الأمر إلى تحديقي في كيد داخل الذكرى.
‘أيها الوغد.’
وبينما أقتل الوقت بتحديقي في كيد، خطرت لي فجأة شكوك كهذه: إذا كنتَ تشعر بالأسف تجاهي، فلو أخبرتكَ عن المبتز، فهل ستؤذيني؟
ماذا سيحدث إذا اعترفتُ بهذا الأمر لكيد الذي يقول أنه آسف لي؟ هل سيبقى كيد – الذي كان دائمًا متقلب المزاج – على اعتذاره بعد سماع هذا الأمر؟ هل سيبقى هادئًا حتى بعد معرفته بأنني كنتُ أخطط للهروب؟
إذا فكرتُ في تصرفات كيد، فقد يسحب اعتذاره ويقول: ‘سأقتل المبتز أولاً، ثم أقتلكِ أنتِ لأنكِ خدعتني’.
‘ربما لن يمسّني بسوء.’
رغم أنني رأيتُ كيد تقريبًا كل يوم على مدى أشهر، إلا أنني ما زلتُ لا أعرفه.
إلى أي مدى كان ذلك الاعتذار صادقًا؟
ولماذا اعتذر لي فجأة؟
‘ما الذي عناه بأن هناك أمرًا يجب عليه فعله؟’
هل كان قتل جويل، أم إنهاء كل الانتقام هو ذلك الأمر الواجب؟ هذا هو الاحتمال الأكبر.
فلم يخطر لي شيء آخر يمكن أن يكون ‘أمرًا يجب’ على كيد فعله.
‘لو كنتُ آمنتُ باعتذاركَ من قلبي، لما كنتُ الآن أبحث بيأس عن وسيلة للهروب هكذا.’
في الواقع، ليس قلب كيد وحده ما أجهله.
فأنا لا أفهم سينييل أيضًا.
من محاولته إخفاء شيء عني هذا الصباح، إلى معنى تلك النظرة اللزجة التي وجهها لي، كل شيء غامض.
‘… ربما معنى النظرة هو ما أعتقده أنا بالضبط.’
لم أكن أريد أن أدرك معنى نظرة سينييل الحارة، لكنني كنتُ مضطرة إلى معرفته.
في الواقع، كنتُ مشغولة بالدراسة، ثم بعد البلوغ مريضة بالسرطان، فلم أعش حبًا صحيحًا قط، لكن حتى لهذه المبتدئة في الحب، كان واضحًا أن سينيال يكن لي أكثر من مجرد إعجاب.
وليس منذ صباح اليوم فحسب، بل منذ زمن طويل نسبيًا.
ومع ذلك، السبب في الغموض هو:
‘لا يمكن لكيد أن يجهل ذلك.’
رد فعل كيد. لو كان سينييل يحبني، لما بقي سبب لتركي حية.
لكن ما اختاره كيد لم يكن قتلي، بل الاعتذار لي.
اجتاحني شعور غامض يحفر في أعماقي.
لامس إجابة لا يجب أن ألمسها، ثم انسحب مسرعًا.
مستحيل. طويتُ السؤال بلطف.
لم أرد قضاء الوقت في مشكلة لن أعرف إجابتها مهما فكرتُ وحدي.
حاولتُ مجددًا محو كيد من ذهني.
* * *
نزلتُ من العربة بشعور من الإرهاق.
هواء أكثر رطوبة قليلاً من الأمس هاجم رئتيّ فجأة.
رائحة الصيف الرطبة جعلتني أشعر أن هطول المطر أو قيام العاصفة لن يكون غريبًا.
مشيتُ بخطى حاسمة كجنرال يتجه إلى ساحة المعركة.
في داخل المعبد، رأيتُ فرسانًا لا يُرون عادة يتجولون.
ابتهجتُ في سري.
ما دام لم يُفصل، فاحتمال وجود رونان هنا عالٍ جدًا.
رأيتُ أيضًا أشخاصًا يرتدون زي الفرسان غير المقدسين، وآخرين بزي رسمي لم أره من قبل.
كانت التوتر يعم المعبد أكثر من الأمس.
‘ربما يأتي المحققون إلى المنزل اليوم.’
مظهر حمل الأسلحة المهددة علانية على الخصر لا يتناسب مع معبد سلمي.
لو لم يكن هناك هدف جدي للعثور على المبتز، لكنتُ أنا أيضًا ابتعدتُ مذعورة من تلك الهالة المهددة.
بالطبع، لو لم تكن المشكلة أصلاً، لما وضعتُ قدمي في المعبد.
‘الآن أفهم لماذا كانت الأجواء مضطربة بشكل غريب أمس.’
موت سايلن – الكاهن السابق – وحده كافٍ لإثارة الاضطراب، فكيف بمقتل طالب لاهوت أيضًا؟
وفوق ذلك، انتشرت شائعات أن ذلك الطالب كان في الواقع من الطائفة المنحرفة – وهي شائعات صحيحة – فلا بد أن المعبد أصبح أكثر برودة وحساسية من أي وقت مضى.
حبستُ أنفاسي وأنا أتجنب نظرات الناس الحادة، وأدرتُ عينيّ بهدوء بحثًا عن رونان الذي يجب أن يكون هنا في مكان ما.
تجولتُ بلا هدف بحثًا عن رونان.
وكنتُ أفكر في سؤال أحدهم بلطف عن مكانه، عندما سمعتُ صوتًا مألوفًا من الخلف.
“أيتها السيدة الشريفة؟”
التفتُ، فبدلاً من الشخص الذي أبحث عنه، ظهر الشخص الذي بحثتُ عنه بجد أمس.
اقترب سانشي – ذو الشعر الأخضر الفاتح والعينين البنيتين الدافئتين – بخطى سريعة نحوي.
لو التقيته أمس، لكنتُ قفزتُ فرحًا، لكن التوقيت كان خاطئًا تمامًا.
‘هل أسأل سانشي عما إن كان رأى السير فيلاکسيس؟’
كان سانشي يبتسم بلطف كعادته، لكنه بدا متعبًا، ربما من الإرهاق.
ومع ذلك، حياني بأدب.
رددتُ التحية محافظة على الأدب.
“حسن التوقيت. كنتُ أفكر في الاتصال بك لأنني قد لا أجد وقتًا لاحقًا. سعيد جدًا بلقائك هكذا بالصدفة.”
ابتسم سانشي كأشعة الشمس رغم إرهاقه.
شعرتُ بتأنيب الضمير يلدغني لأنني كنتُ أفكر فقط في استغلاله.
كنتُ أتعلق به عندما أحتاج معلومات، ثم نسيته تمامًا عندما لم أعد بحاجة إليها، فشعرتُ بالأسف.
بما أنني لن أحتاج إلى معلومات أكثر، قررتُ تخصيص وقت قصير له.
التعليقات لهذا الفصل " 73"