أصبح الليل مظلماً تماماً، حتى القمر لم يطلع.
كان كيد، الذي تبحث عنه فيفي بلهفة، يمشي دون تردد في المناظر المعتمة بعد منتصف الليل.
لم يكن هناك أحد جريء يتجول في الأزقة المظلمة، لذا كان كيد الوحيد الذي يتجول فيها.
لو انعطف قليلاً إلى أزقة أكثر ظلاماً، لكثر الأشخاص ذوي النوايا السيئة، لكن هنا لم يكن كذلك.
كان كيد يعرف المكان جيداً، فلم ينظر حوله، بل نظر أمامه فقط وهو يقود الحصان.
ذاب شعره الأسود الطويل في الظلام بسلاسة.
كانت عيناه الحمراوان ينيران الليل ببريق مرعب.
كان منهمكاً في التوجه إلى وجهته، لكنه كان يعصر حاجبيه أحياناً كأن رأسه يؤلمه.
وجه كيد كلامه إلى من يحاول إطفاء وعيه باستمرار.
‘بعد انتهاء المهمة، سأختفي إلى الأبد.’
كان يعلم أن سينييل لن يسمعه، لكنه حاول حواراً عديم المعنى وسط ألم يشوي دماغه.
‘ أنت تثير الضجيج خوفاً من خطأ واحد.’
منذ متى امتلك هذه القدرة على عرقلتي؟ هل كل ذلك بسبب فيفي؟
ارتسمت على شفتي كيد ابتسامة ساخرة من نفسه.
تذكر فجأة اللحظة التي التقى فيها بفيفي أول مرة.
في ذلك الوقت، كان جاهلاً تماماً، متعجرفاً لأنه حصل على فرصة للسيطرة على عنق سينييل.
لكن انظر إلى حاله الآن. لم يدرك أن ذلك الطوق أصبح حبل مشنقة يشد حوله بقوة، وكم كان متكبراً.
كان الشعور بائساً تماماً.
ومع ذلك، لعنة، لم يكن لديه خيار رفض هذا الشعور.
بما أنه لا يمكنه رفض العواطف، فالآن لم يبقَ إلا التأمل في كيفية التصرف. لذا، قضى نصف اليوم يفكر ويفكر.
توقف الحصان الذي كان يضرب الأرض بعنف.
تعامل معه بمهارة، ونزل من السرج بخفة.
ربط الحصان في الإسطبل، ثم مشى بخطوات واسعة نحو بوابة القصر الرئيسية.
بالنسبة إلى كيد، كان القصر قاتماً إلى حد يشعر بالبرودة.
لكن منذ فترة، لم يعد ذلك ينطبق. لم يدرك ذلك إلا الآن.
أدرك أخيراً أن هذا القصر أصبح دافئاً.
مشى كيد ببطء في الممر. لم يخرج كثيراً مؤخراً، لذا شعر بالغرابة في دخوله الآن إلى المبنى الرئيسي عبر البوابة الرئيسية.
كان هذا هو الأمر الطبيعي، وما حدث مؤخراً كان استثناء.
كان يسمع في أذنيه صوت خطواته فقط.
كان دائماً وحيداً، لكن اليوم شعر بالغرابة.
استمع إلى خطواته وتأمل وجوده للحظة.
أول ما تذكره كان برودة حرارة الآخرين في أطراف أصابعه.
اللحظة التي تختفي فيها تاريخ الفرد وآثاره مع صرخة أخيرة.
وزن الحياة الحقيرة والخفيفة التي تنتهي هكذا.
رغم أنه شاهد نهايات الآخرين مرات عديدة، إلا أن موته الخاص كان غامضاً تماماً.
ينتهي الإنسان بالموت، لكن إلى أين يذهب هو؟
لكنه الآن يشعر أنه يعرف قليلاً.
كان يعرف جيداً ما هو الخير وما هو الشر.
غياب الخير هو الشر، وغياب النور هو الظلام.
كان ماهراً في إزالة الخير والتركيز على الشر، محطماً العادات، متجاهلاً الخير للمجتمع.
اعتقد أن الخير لن يدخل حياته أبداً.
لكن فيفي اقتحمت حياته فجأة وهزته.
أراد كيد أن يتجه نحو الخير من أجل فيفي، رغم أنه يعلم أن ذلك يعادل الموت بالنسبة له.
لكنه لم يتمكن من رفض هذا المنعطف.
ماذا يفعل؟ لم يعد يريد إيذاءها.
سعادتها أصبحت أعلى خيره.
ومع ذلك، لم يكن خالياً من المشاعر الشريرة.
كلما فكر في فيفي، زاد تناقضاً رغبته في الحفاظ على الشر من أجلها.
لم يكن حباً نقياً، بل رغبة في التملك والالتصاق، يريد الإمساك بها.
يعلم أنه لن يحصل على قلبها، لذا يريد ربط يديها ورجليها ليبقى جسدها معه.
يريد اقتلاع أعين من رآها، وحبسها في مكان يراها هو فقط.
نظر كيد بهدوء إلى موجة العواطف المختلطة.
لم تكن مقسمة إلى خير وشر، بل مختلطة.
بل، لم يكن مركز الموجة خيراً أو شراً.
كانت العواطف المرفوضة تتجمع حول نقطة واحدة، متضمنة بشكل طبيعي.
آه، أدرك كيد أخيراً.
غياب الخير ليس شراً، وغياب النور ليس ظلاماً.
الاثنان ليسا في علاقة يلغي أحدهما الآخر، بل يجب أن يتعايشا ليكتملا.
بدون النسبية، يصبحان ناقصين.
تحطمت عقيدته التي كانت تضع الخير والشر في مواجهة شرسة.
عندما احترق الخير أخيراً، توازن قلبه غير المستقر وهدأ.
عندما بدأ في تحمل الخير من أجلها، أدرك تناقضاً أن وجوده يمكن الاعتراف به أخيراً.
كيد، المنفصل عن سينييل، لم يتمكن حتى من قبول نفسه.
الآن، قبل نفسه بسرور لأول مرة. جاء السلام إلى قلبه المهدد لأول مرة.
شعر أن سينييل يشعر بالمثل.
ما الذي فكر فيه ذلك الذي يكره الشر إلى هذا الحد، عندما رأى نفسه يبتلع الشر بشكل طبيعي؟
لم يتمالك كيد نفسه عن الضحك الساخر.
بالطبع، كان ذلك الضحك بصقاً على وجهه الخاص.
الآن، يمكن لكيد فهم مشاعر حورية البحر في الحكاية.
الحورية التي لم تتمكن من طعن الأمير بسكين من أجل سعادته، وتحولت إلى رغوة، لم تكن تعتقد أنها تعيسة على الأقل.
كان كيد يشعر أنه يمكنه تحمل كل شيء من أجل فيفي، رغم أنها لا تحبه.
بالطبع، كلمة “تحمل” لا تليق، فقد ارتكب الكثير من الأفعال الشريرة ضدها.
كان عنيفاً وغير لائق في كلامه، لا يليق بحورية.
التحمل الذي يقصده كان الموت فحسب.
كان يؤمن أن ذلك سيكون خيراً لها.
لذا، اعتقد أن ارتكاب أول فعل خيري بعد آلاف الأفعال الشريرة ليس سيئاً.
لذا، يمكنه الآن التنبؤ بنهايته. ونهاية سينييل أيضاً.
هو المرفوض والناقص إلى الأبد، يمكنه قبول الموت بفضل فيفي، وسينييل الذي يرفض نفسه إلى الأبد، سيتعلم الاحتواء من فيفي ولن يرفض موته، بل يستخدمه كسماد.
ربما تكون هذه أول مصالحة بينهما، وأفضل نهاية.
ومع ذلك، لم يكن كيد ينوي أن يصبح حورية في حكاية بعد. كان لديه أمور يجب إنجازها.
* * *
فور دخوله الغرفة، ابتسم كيد بلا مبالاة لكومة الغطاء البارزة.
كان الجسد المستلقي على جانبه مخفياً بالغطاء، وظهر جزء من الجبهة إلى العينين.
حتى ذلك كان يرتجف قليلاً، كأنه يتظاهر بالنوم بسرعة.
تذكر كيد رموش فيفي التي لمست راحة يده ذات مرة.
كانت لمسة غريبة كتلك التي تشبه الإمساك ببذور الهندباء.
توقف عن المشي دون وعي، وأخذ ينظر إليها بهدوء، محتضناً صورتها بعينيه.
فتحت فيفي عينيها قليلاً عندما توقف صوت الخطوات.
ثم التقى نظرهما فجأة. بدت فيفي كأنها تفكر “آه لا”، فنظرت إليه بحذر، ثم فتحت عينيها بتعبير يعترف بخطئها.
كانت تعلم من تجارب عديدة أن التظاهر بالنوم بعد التقاء النظر لن يجدي نفعاً.
نهضت فيفي بوجه محرج.
“أه، أمم. جئت؟”
اقترب كيد من فيفي دون كلام. نظرت إليه بخلسة.
نظرته غير الشريرة وتصرفه الهادئ دون سخرية بدا كأن مزاجه جيد خلافاً للتوقع.
شعرت فيفي ببعض الراحة، فأخلت المكان بجانبها بشكل طبيعي.
اقترب كيد من السرير، ثم جلس مقرفصاً أمام فيفي مباشرة.
اهتزت حدقتا فيفي أمام نظرته المنخفضة.
كان كيد الجالس على الأرض ينظر إليها من أسفل. غرقت فيفي في الصدمة.
‘هل جن؟’
لا أعرف كم مرة سألت نفسي إن كان مجنوناً.
‘أم أنه الآن سينييل لا كيد؟ سينييل لا ينام بجانبي―’
نظرت إليه بعينين مشوشتين.
لكن عدم الطرق على الباب والدخول، والمشية الجريئة، لم تكن لسينييل.
عندما رفعت فيفي حذرها وتراجعت، قال:
“فيفي.”
كانت نبرة كيد ناعمة، مختلفة عن سينييل، لكنها خرجت من فمه.
انتفض جسد فيفي برعشة. لم تفكر في حلاوة صوته، بل تساءلت إن كانت قد ارتكبت خطأً، ففتحت عينيها على وسعهما وبدأت تفكر.
خرجت كلمات اعتيادية لإرضائه.
“أه، كما تعلم، اليوم لم ألتقِ بسينييل، فلم يكن لدي ما أفعله…”
“لقد فزتِ.”
“غداً سأبذل جهداً أكبر… أه؟”
انقطعت كلماتها أمام كلام كيد غير المتوقع.
لم تستطع منع السؤال الغبي “أه؟”.
نظرت إليه بغباء، رامشة بعينيها.
أعاد كيد الإجابة بلطف، دون سخرية أو استهزاء.
“قلت أنكِ فزتِ.”
خافت فيفي أكثر من مظهره غير المعتاد. ما هذا؟ ما الذي فزتُ به؟
“لم أفهم جيداً، فما الذي بالضبط…؟”
متى راهنت مع كيد؟ في ذاكرتها، كان هناك رهان واحد فقط بينهما.
“ربما.”
اهتزت حدقات عيني فيفي الشبيهة بالكوارتز الوردي بالقلق، متفتتة إلى قطع صغيرة.
لم يجب كيد فوراً، بل رفع زاوية فمه بلطف.
كانت مختلفةعن ابتسامته الساخرة المعتادة من جانب واحد.
توقفت أنفاس فيفي أمام ابتسامة كيد النقية الأولى.
ابتسامة خالية من السخرية أو الظلام، تشبه سينييل.
أدركت أن شيئاً ما قد اختل تماماً.
“من الآن فصاعداً، لا تنتظريني ليلاً، نامي فقط.”
“……”
“اعتبري لقاءنا كابوساً سيئاً جداً. لن تحلمي بمثل هذا الكابوس مرة أخرى.”
الوداع المفاجئ أربك فيفي. لم تستطع متابعة الحديث.
“ربما يغطي اسمي الصحف في الأيام القادمة. بعد انتهاء ما يجب إنجازه، لن يبقى حتى الاسم، فانتظري قليلاً.”
“ما الذي تقوله؟”
قاطعت فيفي كلام كيد الغامض.
كان كيد قد بدأ اللقاء الأول حسب مزاجه، والآن يريد إنهاء العلاقة كذلك.
اختفت الابتسامة من شفتي كيد ثم عادت.
كانت زاوية الشفة مشوهة قليلاً هذه المرة.
خرج صوته المنخفض جداً مرتجفاً قليلاً.
“أنا آسف.”
تجمدت فيفي من صدمة اعتذار كيد. كأن أحداً ضربها من الخلف، لم تستطع التركيز.
لم ينتظر كيد حتى تستعيد وعيها.
حرك شفتيه، متردداً قليلاً، ثم تابع:
“…… قبل أن أذهب، هل يمكنني طلب شيء واحد؟”
انتظرت فيفي دون إشارة، فقط الاستمرار.
“اسمي، هل يمكنكِ نطقه لآخر مرة؟”
ازداد ارتباك فيفي أمام نبرة كيد الهادئة غير المعتادة.
ازداد غضبها تدريجياً.
عندما حدقت فيه بصمت، لم يطلب كيد المزيد، كأنه لم يتوقع. نهض بوجه غير واثق.
يا له من… يا له من حقير حتى النهاية.
نادته فيفي بسرعة.
“كيد!”
توقف كيد. التفت إليها ببطء شديد.
نسيت فيفي أنها أرادت الإمساك به، ونظرت إليه بغموض.
كان كيد يبتسم ابتسامة مشرقة دون أن يدرك هو نفسه.
“…… شكراً.”
بدأ كيد يمشي مرة أخرى بوجه مرتاح.
خطى بخطوات واسعة نحو الظلام.
نهضت فيفي متأخرة، وركضت بقوة لتلحق به. تطاير شعرها في الغرفة المظلمة.
لكن عندما وصلت إلى الممر، توقفت.
فقد ابتلع الليل الذي لم يطلع فيه القمر كيد بالكامل، من رأسه إلى أقدامه.
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
تابعونا على قناة التلغرام : MelaniNovels
التعليقات لهذا الفصل " 67"