وسط الصمت دوّى صوت كيد المنخفض حدَّ القسوة.
“اعزفي باستمرار… إلى أن آمركِ بالتوقف.”
أن أواصل العزف حتى يأمرني بالتوقف؟
ما هذا النوع الجديد من التعذيب؟
مجرد أنه لم يقطع عنقي في الحال يُعدّ حظًا حسنًا، لكنني ما زلت غير قادرة على فهم نوايا كيد.
بتردد وضعت يدي مجددًا على مفاتيح البيانو.
في داخلي، كان الأمر يسرّني، لأنه طلب مني أن أواصل العزف.
فقد شعرت أن عزف مقطوعة واحدة فقط و التوقف سيكون أمرًا محبطًا.
بعد “ضوء القمر” لدبوسي، حاولت أن أعزف “الأرابيسك”.
كنت أضغط على المفاتيح بينما أرمق كيد بطرف عيني.
كان جالسًا على الأريكة في وضع مائل، وكأنّه يستمع للعزف.
لم أستطع أن أستشف ما يجول في ذهنه.
“يبدو كأنه نائم أيضاً.”
لم يسخر ولم يثر شجارًا.
كان يطلق فقط أنفاسًا هادئة.
‘قال لي أعزفي حتى آمركِ بالتوقف.’
لكن إن غلبه النوم وكأنها ترنيمة نوم، فمتى سأتوقف أنا إذن؟
كادت نفسي تُغويني أن أوقظه بضربة قوية عبر عزف “بلاّد شوبن الأولى” التي كانت قطعة امتحاني، لكنني عدلت، فأنا لا أملك الجرأة.
تجاهلت كيد النائم على ما يبدو، وركزت على العزف.
شعور الأصابع على المفاتيح كان كهربائيًا.
النشوة عند تطابق الإيقاعات بدقة جعلت قشعريرة تسري في عنقي.
شيئًا فشيئًا، نسيت أمر كيد مجددًا.
في البداية كنت أنتظر أمره بعد كل مقطوعة، ثم تركت نفسي تغرق في عزفٍ متواصل.
بهذا الشكل عزفت سبع مقطوعات متتابعة بلا توقف.
تقريبًا كبرنامج حفل بيانو كامل حتى مع مقطوعة الختام الإضافية.
كان الإحساس غريبًا.
“لم أكن أحلم أن أعيش ليلة عزف متواصل كهذه هنا بالذات.”
أحسست بكتفيّ وذراعيّ يثقلان.
ثم تذكرت فجأة أنني قد تجاهلت وجود كيد مرة أخرى، فأخذت أراقبه بحذر، بينما أدلّك ذراعي خفية.
لم ينبس بكلمة رغم أن العزف توقف.
“ماذا يفعل بالضبط؟”
انحنيت قليلًا محاوِلة رؤية وجهه.
لكن الظلام حال دون رؤية حتى نظراته الحادة.
في الغرفة المعتمة، بصري صار بلا جدوى، فشدّدت تركيزي على السمع.
لم أسمع سوى صوت تنفس منتظم… هادئ…
‘تنفس نائم؟’
ما الأمر؟ هل غط في النوم بالفعل؟
أمعنت النظر ثانية فيه بعينين متسعتين.
رفعت نفسي قليلًا للأمام.
هناك… بدلاً من ملامحه، لمح بصري مؤخرة رأسه.
لم يُبدِ أي رد فعل رغم حركتي، فأخذت أتقدّم خطوة بعد خطوة.
رأيت كيد منحنياً، وصدره يعلو ويهبط بتناغم مع أنفاسه الهادئة.
كان مشهدًا لا لبس فيه: إنه نائم.
“هل يعقل أنه نائم؟”
لم أتوقع أن أراه نائمًا، فشعرت بارتباك غريب.
لماذا ينام الآن؟ هو بنفسه قال: “حتى آمركِ بالتوقف.”
مشهد كيد غارقًا في النوم بعث داخلي مشاعر متناقضة.
ربما عليّ أن أعتبرها لحظة نادرة، أو ربما أنظر إليها كدليل بسيط أنه في النهاية مجرد إنسان يحتاج إلى النوم.
“حتى في نومه، إن ضربته الآن فسيدرك فورًا.”
غمرتني حالة شعورية غريبة لا أستطيع وصفها، فبقيت متسمّرة في مكاني.
“لكن ماذا عني أنا؟ هل يجوز لي أن أدخل إلى غرفتي الآن؟”
مع رؤية كيد غاطسًا في النوم، تسللت إليّ رغبة في النعاس.
لقد شبعت عزفًا على البيانو حتى ارتويت، والآن كل ما أريده ه أن أنام مرتاحة في غرفتي.
“كم الساعة الآن؟”
حين أتى كيد كان الوقت يقارب الثالثة فجرًا، ما يعني أن الساعة الآن تجاوزت الخامسة.
بعد قليل سيطلع الفجر، ربما أستطيع الانسحاب بهدوء.
صحيح أن أمام الفجر أكثر من ساعتين، لكن لا رغبة لي بالبقاء هنا جامدة.
فتحت خطوتي بحذر شديد.
كيد لم يتحرك.
وأخيرًا وصلت إلى الباب.
مددت يدي بهدوء نحو المقبض.
لكن فجأة… خشخشة!
جاء صوت طفيف من جهة كيد.
تجمد جسدي كدمية صدئة غير مشحمة.
‘اللعنة! يا للمصيبة!’
حدقت في هيئته الغامضة.
لم يتحرك، يبدو أنه تحرك فقط في غفوة عابرة.
رغم أن شيئًا لم يحدث، خوفي كان يمنعني من فتح الباب.
في النهاية عضضت شفتي وعدت لأجلس على كرسي البيانو.
“الأفضل أن أستسلم… هكذا سأرتاح أكثر.”
وضعت ساعدي على لوحة المفاتيح، وأسندت وجهي عليهما.
كان يمكنني أن أواصل العزف لإيقاظه، لكن بدا لي أن التظاهر بالنوم هنا أفضل.
أن يُظن أنني غفوت صدفة أكثر أمانًا من أن يكتشف أنني أردت الهروب لغرفتي.
مع كيد النائم إلى جواري لم يكن النوم سهلًا، لكنني أغمضت عينيّ بالقوة.
***
“… فيفي.”
متى غفوتُ؟ أحسستُ بيدٍ صغيرة تهزني.
لماذا يوقظني وأنا أنام بسلام؟
ثم إنني لستُ “فيفي”.
مع اهتزاز جسدي، سُمعت نغمة خفيفة، طَنين طَنين…
صوت البيانو تحت جسدي؟
ماذا؟
هل غفوت وأنا أعزف؟
يا إلهي، سأُتلف الآلة هكذا.
“فيفي، استيقظ.”
قلتُ لك لستُ فيفي… لكن، لحظة. “فيفي”؟
كأني سمعت ذلك الاسم من قبل.
“… هذه أنا فعلاً.”
أفقت فجأة، رفعتُ جذعي بسرعة، وعينان تبحثان بعجلة لفهم الوضع.
لكن سينييل، الذي ناداني، لم يكن أمامي.
ماذا يحدث؟ حدّقت إلى أسفل دون تفكير.
“… لماذا تفعل هذا؟”
كان سينييل جاثيًا على ركبتيه بجانبي، يرفع بصره نحوي.
تلك النظرة الحادة القاسية التي صوبها نحوي ليلة أمس اختفت، وحلّت مكانها عينان رقيقتان وديعتان.
عند رؤية ذلك، لم أستطع أن أُبدي انزعاجي من أنه كاد يُفقدني وعيي البارحة بسبب شخصيته الأخرى.
وفجأة امتلأت عيناه الجافتان بالدموع شيئًا فشيئًا.
لم يكن وقتًا مناسبًا للتفكير بهذا، لكن المشهد كان جميلًا كلوحة فنية جعلني أحدّق فيه مأخوذة للحظة.
“سكبتُ فيك كل قوتي المقدسة… ومع ذلك لم تستيقظي… كنت… خائفًا جدًا…”
أجاب بإجابة غريبة عن سؤالي.
لكن عينيه المرتعشتين، المليئتين بالارتباك والذعر، دلّت على أنه لم يكن في وعيه الكامل.
الأهم الآن أن أجعله ينهض عن الأرض الباردة في الحال.
‘ما بال البطلة والبطل… وكأنهم يعشقون الجلوس على الأرض؟’
الجلوس على البارد لا ينفع الجسد أبدًا.
أمسكتُ بذراعيه الاثنتين.
“لقد غفوتُ قليلًا فقط، اجلس هنا أولًا لنتحدث.”
ترك نفسه يُسحب بضعفي، فأجلسته على كرسي البيانو بجانبي.
لكن الكرسي لم يكن يتسع لشخصين، فبدونا متلاصقين.
حاولت أن أترك مسافة، لكن الأمر كان مستحيلًا.
كلما أدرت جسدي نحوه لرؤيته، تلامست ركبتانا.
تجاهلت ذلك، فالموقف لم يكن مقصودًا، وركزت على ما يجب قوله.
أشرتُ نحو الأريكة وسألته:
“هل استيقظت صباحًا هناك؟”
“… نعم. سمعتُ صوت البيانو في نومي أيضًا.”
هاه؟ متى؟ أدهشني جوابه حتى رمشتُ بارتباك.
“لكن، بما أن لا أحد في هذا البيت يجيد العزف… اعتقدت أنه مجرد حلم.”
كيد وسينييل لا يتشاركان جميع الذكريات.
إذن هل تأثر بشيء ما في العزف؟
أم أن كيد انسحب فجأة ليظهر سينييل؟
وبينما كنا نتحدث بهدوء، عادت الدموع تتلألأ في عينيه، مهددة بالسقوط.
وبصوت مثقل باليأس قال:
“حين أشرقت الشمس، فتحتُ عيني… ورأيتُ فيفي ممددة فوق البيانو.”
كنتُ نائمة فقط، لكن بالنسبة له بدوت كمن انهار.
“تحققتُ من أنكِ تتنفسين… لكن مهما حاولتُ، لم تستيقظي. عندها، أنا… أنا مجددًا…”
ارتجفت شفتاه بعنف.
كيف يمكن لهذا الإنسان الرقيق أن يتحول إلى كيد؟
حين تذكرت كيد الذي استعملني كعلبة موسيقية للنوم، كان يجب أن أغضب.
لكن الغضب على شخص لا يقوى حتى على الموت بنفسه؟
ذلك مجرد مضيعة لكلماتي.
ارتجافه الضعيف الرقيق أثار بداخلي شفقة أكثر من غضب.
“اهدأ… الأفضل أن تستعيد هدوءك.”
كان عليّ إنهاء هذا الموقف سريعًا.
“هيا، تنفّس بعمق معي، حسنًا؟ جيد… الآن احبس أنفاسك قليلًا ثم أخرجها ببطء.”
لم ينبس بكلمة، فقط تبعني.
طلبتُ منه أن يكررها ثلاث مرات أخرى، ففعل تمامًا كما قلت.
بدا أكثر استقرارًا بعدها.
حين بدا أنه صار جاهزًا لسماع تفسيري، فتحت فمي ببطء.
“ذلك الصوت الذي سمعته ليلًا لم يكن حلمًا. لقد كنتُ أعزف فعلًا.”
كنت أود الادعاء بأنه حلم ولا شيء حصل، لكن عندها لن أجد مبررًا لبقائنا معًا حتى الصباح.
فآثرت أن أشرح ببساطة.
“كيد طلب مني أن أعزف على البيانو… ففعلت.”
أسقطت بعض التفاصيل، لكنني لم أكذب.
“… ماذا؟”
اختفت دموع سينييل فجأة.
“كل ما في الأمر أنني عزفت تلبيةً لطلب كيد، ثم غفلنا نحن الاثنان فقط.”
شرحتُ الأمر بوضوح وبساطة.
سينييل بدا عاجزًا عن الرد.
وبعد لحظة من التفكير، رفع حاجبيه وجادلني بنبرة أكثر صلابة مما اعتدتُ عليه منه:
“كيد لا يمكن أن يطلب شيئًا غريبًا كهذا.”
‘يبدو أنك تعرفه جيدًا يا عزيزي… لكن الحقيقة أنه فعل. طلب مني أن أعزف.’
هززت كتفي بخفة.
“كان يطالب بأشياء غريبة.”
ارتجفت حدقتا عيني سينييل باضطراب، فبدت أفكاره الداخلية واضحة للعيان. كان عكس كيد تمامًا، الذي لم أستطع أن أفهم ما يفكر به أبدًا.
“على أي حال، لم يحدث شيء آخر.”
حين أنكرت الأمر بشكل قاطع، اضطربت حدقتا سينييل أكثر فأكثر.
“والدليل أنني ما زلت حية أمامك، أليس كذلك؟”
في الحقيقة، لم أنجُ لمجرد عزفي على البيانو، بل بسبب ذلك التهديد السخيف بأنه يجب أن أغوي سينييل.
لكن لم يكن بإمكاني أن أشرح ذلك.
تجعد جبين سينييل قليلًا، وكأنه يحاول أن يفهم.
بدا جبينه مثيرًا للرغبة في لمسه، حتى إنني دون أن أشعر مددت إصبعي ولمست جبهته برفق.
٠اتسعت عينا سينييل مثل عيني أرنب.
“لا تفكر بعمق. حقًا، لم يكن هناك شيء أكثر من هذا.”
سحبت يدي من جبينه.
تتبعت عيناه إصبعي المرتبك، ثم سرعان ما خفض نظره.
“…… لا أستطيع أن أفهم ما الذي يجول في داخل عقل كيد.”
“ومن يستطيع أن يفهم ما في داخل كيد أصلًا؟”
كلمتي التي رميتُها بابتسامة مرّة جعلت وجه سينييل يزداد ظلمة.
بدا أنه يفكر وحده بشيء ما، إذ شدّ شفتيه بخط مستقيم.
حوّلت بصري بعيدًا عنه، وضغطت على مفتاح البيانو بسبابتي.
“ري، ري”
صوت صافٍ تردّد في الأجواء.
‘في مثل هذا الموقف لا يجب أن أفكر بهذا… لكنه حقًا، مؤسف.’
كنت أودّ أن أستمر في العزف حتى يحين وقت الهروب سرًا.
“و مع ذلك، لم أكن أعلم أن في القصر غرفة كهذه.”
لم أعتد أن أطيل الحديث مع سينييل، لكن هذه المرة كان مختلفًا قليلًا، ربما لأن البيانو كان بيننا.
قلت ذلك دون أن أشعر، ثم ندمت في الحال.
لكن سينييل أجاب ببرود:
“عادة ما تكون مغلقة، حتى الخدم لا يعرفون عنها. وأنا من كان يتولى تنظيفها.”
نظرت إليه بدهشة، فبدا الأمر عنده طبيعيًا، وكأنه شيء عادي.
“آه، لا عجب إذًا أن الغرفة بحالة جيدة. حتى البيانو مضبوط النغم.”
ضغطت مجددًا على مفتاح “ري”.
دوى صوته الصافي.
ثم، بشيء من الحسرة، سألته:
“إذن، هل ستغلقها مجددًا؟”
لم يجب. التفتُ برأسي فقط في اتجاهه.
“هل يمكنني إذن أن أعزف مرة أخيرة فقط؟”
أضفت بلطف: “صوته جميل، وحافظتَ عليه جيدًا.”
قلتها كنوع من المديح.
لكنه ظل صامتًا، فتمتمت بصوت خافت:
“حسنًا، إن لم يكن ممكنًا فلا بأس.”
لم أرد أن ألحّ أكثر. لا بد أن لِغلق هذه الغرفة سببًا.
وبينما كنت أهمّ بالنهوض، مدّ سينييل يده إلى جيب سترته.
“…… آه، هذا المفتاح الذي جاء به كيد…….”
لم يكن سينييل وكيد حتى يتشاركان المفاتيح.
أعاد المفتاح الاحتياطي إلى جيبه، ثم أخرج يده وهو يتمتم،
وكأن الأمر يعنيه وحده.
وقفت ساكنة أراقبه، ثم نهض فجأة من كرسيه.
“انتظري قليلًا.”
واندفع خارج الغرفة بخطوات سريعة، ساقاه الطويلتان جعلتاه يختفي بسرعة.
‘ما الأمر؟’
جلستُ بتردد على الكرسي أنظر نحو الباب.
في الغرفة الفارغة، نقرتُ على مفاتيح البيانو عبثًا.
ثم خطرت ببالي فكرة:
أليس من المفترض أن يذهب سينييل إلى عمله الآن؟
انتظرت بضع دقائق، ثم عاد وهو يلهث كمن ركض.
لم يُرتّب حتى شعره المبعثر.
تقدم إليّ بخطوات واسعة، ثم مدّ قبضته أمامي.
بدا وكأنه كلب ضخم جاء بشيء ليقدمه بفخر لسيده.
مددت يدي من غير وعي، فسقط شيء في كفّي.
كان مفتاحًا.
“هذا مفتاح هذه الغرفة. سأعطيك إياه.”
“ماذا؟ لماذا تعطيني إياه……؟”
“بإمكانك أن تعزفي متى شئت.”
لكن… لماذا يعطيني المفتاح وهو الذي كان يغلق الغرفة دائمًا؟
التقط نظرتي المتسائلة، فأجاب:
“أظن أنه من الأفضل أن يحتفظ به شخص يعرف كيف يعزف، لا شخص لا يعرف.”
شعرت بخشونة المفتاح في راحتي.
لم أكن أنوي قبوله أصلًا.
‘لم يتبقَّ سوى ثلاثة أيام على الرحيل سرًا… هل ينبغي لي أن آخذه؟’
نظرت إلى المفتاح، ثم إلى سينييل.
كان في عينيه طلب صامت.
وأنا بدوري أردت قبوله.
كم من المقطوعات التي لم أستطع عزفها في الليل… كم تاقت أصابعي لذلك.
‘إذن، ليكن.’
لن يكتشف كيد إن عزفت سرًا في النهار.
أطبقت أصابعي على المفتاح بقوة.
لم يعد لدي مبرر للرفض.
“سأستخدمه جيدًا. شكرًا لك!”
تذكرت أستاذة البيانو التي كانت تؤجرني مفتاح قاعة التدريب بسعر زهيد رأفةً بحالي.
كنت حينها في غاية السعادة.
والآن، غمرني نفس الشعور، فانفلتت مني ابتسامة فرِحة.
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
تابعونا على قناة التلغرام : MelaniNovels
التعليقات لهذا الفصل " 18"