عندما عدت إلى القصر كان الوقت قد قارب المساء.
لم أشعر بالجوع لأنني كنت قد أفرطت في شرب المشروبات وأكل الحلويات.
لكن بما أنني وعدت سينييل، فقد كان عليّ الذهاب.
قبل ذلك استدعيت كبير الخدم وأمرتُه بتحويل ألف قطعة ذهبية إلى رونان.
أضفت عذراً مناسباً بأنني تعرضتُ مؤخراً لمحاولة سرقة في الشارع لكنه أنقذني.
كبير الخدم نفّذ الأمر من دون أي جدال.
حتى أنه لم يبدُ متفاجئاً من سماع مبلغ الألف ذهبية، وكأن ذلك المبلغ ليس بالكبير.
لا عجب، فتكاليف إدارة هذا القصر وحدها قد تصل إلى ذلك.
ساورتني لحظة قلق بأن رونان قد يعترض على استلام مبلغ كبير كهذا.
لكنني سرعان ما طردت الفكرة؛ في النهاية، أنا أتصرف بمالي كما أشاء.
عندما نزلت إلى قاعة الطعام، لفتت انتباهي هيئة سينييل الجانبية، تبدو أكثر وهنًا من المعتاد.
“……”
كان غارقاً في أفكاره لدرجة أنه لم ينتبه حتى إلى دخولي.
تلك الملامح الكئيبة جعلت مشاعري تختلط هي الأخرى.
‘هل كان استمتاعي اليوم مع البطلة آخر حظ جميل لي قبل موتي؟’
لم يكن ذلك قلقاً عليه، بل على نفسي.
ذلك الجو المظلم بدا وكأنه نذير لمصيري.
تنفست بعمق لأطرد تلك الهواجس، ثم حيّيته:
“مساء الخير. هل عدت من المعبد بخير؟”
انتفض سينييل قليلاً من شروده، ثم أجاب متأخراً بابتسامة باهتة:
“نعم. بفضلك لم يحدث شيء.”
“هذا جيد.”
نهض بتردد، ثم لاحظ متأخراً باقة الزهور في يدي.
لوّحت بها بخفة، فتراقصت أوراق فريزيا صفراء زاهية.
“اليوم أحضرت باقة زهور خاصة. ضعها بحرص في مزهرية.”
رغم أن الباقة بدت كبيرة في يدي، إلا أنها في يد سينييل بدت أصغر حجماً.
“حسناً، هل نجلس ونتناول الطعام؟”
كان الجو على المائدة صامتاً كالعادة، لكنه بدا أكثر ثقلاً من المعتاد.
ظل سينييل يعبث بطعامه وكأنه لا يأكل فعلاً.
‘هل هو هكذا دائماً؟’
تساءلت إن كان يأكل هكذا فقط لأنني أصررت على مشاركته، أو أنه يتعمد ذلك بسببي.
الفضول بدأ يتسلل إليّ.
“سينييل…”
“نعم؟”
رفع رأسه بخمول، وعيناه الذابلتان يظللانها رموش طويلة وكثيفة تنزل بحزن.
“كُل كثيراً، ……”
كان ينتظر كلماتي بصبر، لكنني سكتُّ وأغلقت فمي.
‘وأنا لست في وضع يسمح لي بالقلق على الآخرين.’
ابتلعت كلماتي التي كانت ستشجعه على الأكل أكثر.
فما جدوى التشجيع وأنا سأرحل بعد أيام؟
“لا، لا شيء.”
وكتمت أيضاً مواساة خفيفة كنت أنوي قولها:
أنك تبدو متعباً بسبب ذكرى وفاة والدك، فلا تقلق كثيراً.
“……حسناً.”
لم يسألني مجدداً، بل اكتفى بطاعتي.
ثم أنزل جفونه ورفع قطعة صغيرة من السلطة وأدخلها بهدوء إلى فمه.
تلك كانت آخر وجبة له.
كان الجو خانقاً، حتى أنا أنهيت طعامي بكوب ماء فقط.
عند الخروج من القاعة، كان سينييل واقفاً ممسكاً بالباقة، ينتظرني بصمت.
أطلقت زفرة طويلة ثم قررت منحه أفضل ما أستطيع من مواساة.
“هل نتصافح؟”
مددت يدي فجأة نحوه.
نظر إليها طويلاً كما فعل البارحة، ثم مد يده هو الآخر.
“فلنحاول أن نعيش بقوة.”
كلمة ‘فلنعِش’ ربما كانت أعظم عزاء يمكن أن نقدمه لبعضنا.
بدا وكأنه يود أن يقول شيئاً، فقد تحركت شفتاه قليلاً.
‘هل كان ينوي الرد؟’
توقعت جواباً بسيطاً مثل: نعم، فلنحاول.
لكن على عكس توقعاتي، أغلق شفتيه من جديد.
ماذا كان يريد أن يقول؟
كنت أرغب في سؤاله، لكن لم يكن فضولي قوياً بما يكفي، فتجاهلت الأمر.
بعد أن تركت يده، ذكّرته بما طلبته منه في الصباح:
“هل تتذكر ما قلته لك صباحاً؟ ألا تخرج وتبقى هادئاً في الداخل.”
“نعم.”
رغم جوابه، انخفضت عيناه أكثر وكأن القلق ينهش قلبه، نظرته تسألني إن كان ذلك حقاً آمناً.
“يكفي أن تلتزم بذلك. اتفقنا؟”
“……نعم.”
ورغم أنه أجاب، ظل يحدق بي كمن يحمل كلاماً لم يبح به حتى النهاية.
لكنه لم ينطق بشيء في النهاية.
***
ارتديتُ منامة برقبة عالية وأدخلت عند خصري شتّى أدوات الدفاع عن النفس.
من الخارج لم يظهر شيء.
بعد أن ربتُّ على بطني حيث خبأت الأدوات، رفعتُ الوسادة لأتأكد أنّ الصاعق المقدّس الصغير ما زال في مكانه.
‘حتى لو كان كيد، فيمكنني المحاولة بهذا القدر.’
الخطة كانت أن أصعقه بالصاعق المقدّس، ثم أشرب جرعة السرعة وأفرّ بكل ما أوتيت من قوة.
لو ركبت أحد خيول القصر وهربت، فقد يكون لدي بعض الأمل.
صحيح أنني لا أعرف كيف أمتطي الخيل، لكن ربما يكفي أن أجلس فوقه وأتشبث به.
بعدها… همم.
بما أنني صرت أعرف مكان بيت إيزيت، فيمكنني التوجّه إليها مباشرة.
‘كيد قوي بلا شك، لكن البطلة ليست أقل منه قوة.’
لم يكن أمامي إلا أن أضع ثقتي بها.
أُعجبت بنفسي وبخطتي المحكمة، ثم لففت جسدي بالغطاء وأغمضت عيني داعية:
“أرجوك، ليت اليوم يمر من دون أن يأتي كيد.”
***
دوّي دوّي
غفوت نصف غفوة قبل أن يوقظني ضجيج مفاجئ.
فتحت عيني مذعورة أحدّق بالباب.
لكنه لم يتحرك قيد أنملة.
الصوت لم يأتِ من الباب، الذي بدا سليماً تماماً.
دوّي دوّي
عاد الصوت مجدداً، هذه المرة أعلى من ذي قبل.
‘كأن شيئاً يضرب أشياءً متعدّدة دفعة واحدة.’
كأنه يجمع أدوات مختلفة ويهوي عليها بقبضة واحدة.
وكان في نهايته صدى رنّان يشبه صوت البيانو.
‘ما الذي يحدث الآن؟’
ارتجفت تحت الغطاء وأنا أقطب وجهي.
تذكرت فجأة كابوس الطابق الأول الذي كنت قد دفنته في ذاكرتي.
ثم صمت الضجيج. فأغمضت عيني بقوة.
‘لقد بدأ الأمر.’
***
في تلك الليلة التي أطلّ فيها القمر منتصفا، استيقظ كيد من نومه في مزاج سيّئ.
أول ما فعله كان أنه مرّر يده بعصبية في شعره، فسقط رباطه إلى أسفل السرير.
جلس نصف جلسة وهو يعدّ في ذهنه:
“آه، اليوم هو ذلك اليوم اللعين.”
ذكرى وفاة والده، واليوم الذي ارتكب فيه جريمته الأولى.
لم يكن غريباً أن يشعر بالضيق.
‘كان يجب أن أقتله أبكر.’
ندم على ذلك وهو ينهض بخشونة أكثر من المعتاد.
أحس بأن مزاجه يزداد سوءاً.
كان يملك عيوناً تبصر في الظلام*، فتمكّن من التجوّل في الغرفة من دون ضوء.
لكن فجأة توقّف حين وقعت عيناه على شيء
.
*قط هذا مش بني آدم، و لا كائن اسطوري، ما في حل وسط*
“وأنا أختنق غضباً، بينما غيري مشغول بالحب؟”
كانت باقة فريزيا صفراء زاهية تلمع تحت القمر قد لفتت انتباهه.
بدلاً من أن تبعث فيه السرور، زادت من غليانه.
مع أنه هو من أجبر فيفي على إغواء سينييل، لم يكن يملك أي حق للغضب.
ومع ذلك، كره المنظر بلا سبب.
كل شيء بدا مقرفاً في عينيه تلك الليلة:
الغرفة، القصر، حتى جسده.
لم يُرضه أي شيء.
خرج من غرفته.
في البداية فكّر أن يذهب إلى الشارع ليقتل أول عابر سبيل، لكنه فقد الرغبة سريعاً.
بدلاً من ذلك، قرر أن يتجه إلى غرفة لم يزرها منذ زمن بعيد.
فتح الباب المغلق ليظهر فراغ شبه كامل، لا أثاث فيه سوى بيانو عتيق وأريكة صغيرة بجانبه.
الغرفة وُجدت فقط للاستماع إلى البيانو.
“مقرف، كما كان دوماً.”
ركل قاعدة البيانو بقدمه.
رؤية ذلك الخشب الأسود جعلت ذكريات والديه وهما يعزفان تتدفق إلى ذهنه.
‘كان يجب أن أحرقه يومها.’
بعد أن قتل والده منذ سنوات، كان قد نوى إحراق البيانو، لكنه انشغل بأمور أهم ونسي.
‘سأحرقه الآن.’
بمزاج مشاكس ضرب المفاتيح بعنف.
عزف كل المفاتيح دفعة واحدة فأصدر البيانو صوتاً قبيحاً.
ورغم ذلك، بدا أنه كان محفوظاً جيداً، إذ لم يتناثر منه غبار.
أعجبه ذلك النشاز، فكرر الأمر أكثر من مرة.
لكنه سرعان ما ملّ.
فأخرج عود ثقاب ليشعل النار.
لكن قبل أن يفعل، اجتاحت عقله ذكرى غريبة:
يد حانية تمرّر أصابعها في شعره وتعلّمه عزف البيانو.
“…تفو.”
شعر بالاشمئزاز، فقد عرف أن الذكرى ليست له بل لسينييل.
هما لا يتشاركان الذكريات عادة، لكن عند انفجار المشاعر كانا يلمسان بعض صور الماضي.
“اللعنة.”
تقيّأ الشتائم من فمه، مشمئزاً.
أراد اقتلاع دماغه كي لا يحمل هذه الصور.
واشتعلت في داخله رغبة أن يغطيها بذكرى أخرى أكثر قسوة.
لكن أي تجربة صادمة يمكن أن تكون؟
حينها خطرت له صورة المرأة المقيمة في القصر.
تساءل: ماذا لو جلب تلك المتحدّية إلى هنا؟ ربما لن تكون صادمة، لكنها ستكون ممتعة.
ترك البيانو واتجه نحو هدفه الجديد.
***
أما أنا فبدأت في الدعاء بكل الأدعية التي أعرفها، وتوسلت بكل جوارحي راجية النجاة.
“تك.”
فُتح الباب.
شهقت وتصلّب جسدي.
أغمضت عيني متظاهرة بالنوم.
يشبه الأمر بعض الحيوانات التي تغشى عليها حين الخطر، ويبدو أنني منها.
خطواته اقتربت ببطء. حدسي أخبرني: ‘اليوم هو يومي الأخير’
الغريب أنني كنت أشعر بسعادة غامرة اليوم، كأنها هدية أخيرة قبل النهاية.
في الغرفة الساكنة كالموت، دوى صوته المرعب:
“تمثيل النوم؟”
“……”
“إذا أردتِ التظاهر، فأتقنيه جيداً. أداءك رديء.”
أول ما فعله عند دخوله هو انتقاد تمثيلي.
لكنني لم أتحرك. عندها لوّح بالتهديد:
“ليس عندي رفاهية الترفق بك الليلة. إن لم تنهضي حالاً فسوفـ—”
“قـ…قمتُ، ها أنا!”
في اللحظة التي نهضتُ فيها مددت يدي خلسة تحت الوسادة.
عندها سخر مني كيد.
“تعالي معي إلى مكان ما.”
إلى… مكان ما؟ لم يسبق له أن قال إنه يريد أن يأخذني إلى أي مكان.
إلى أين يريد أن يرسلني؟
عصفت بعينيّ رجفة لم أستطع السيطرة عليها.
هل يريد أن يقتلني في مكان آخر؟
هل لأنه إذا قتلني هنا فسوف يقع الشك على سينييل؟
ألم يقل إنه سيُبقيني حيّة لفترة على الأقل؟
لم أكن أصدّق كلامه تمامًا، لكن…!
كنت قد فقدت رباطة جأشي منذ وقت طويل، ومع ذلك حاولت جاهدة التماسك.
مددت أصابعي أكثر نحو صاعق الروح المقدس المخفي تحت الوسادة.
فجأة استدار كيد.
تسللت إلى أذني نبرته المنخفضة المخيفة.
“لا أنوي قتلك. لكن إن واصلتِ التحرك بهذا البطء، فقد أرغب في قتلك حالًا.”
“فـ، فهمت. سآتي.”
أعدت الصاعق إلى مكانه ولحقت به.
شعرت أنه لو أمسكت به وأثرت غضبه، فسوف تكون نهايتي أسرع.
لحسن الحظ، كان لا يزال معي الكثير من الأسلحة الصغيرة المثبتة عند خصري.
كان كيد يسبقني بخطوتين تقريبًا.
ضوء القمر يتسلل من النوافذ ليضيء الطريق، لكنه لم يكن كافيًا؛ لم أستطع أن أرى بوضوح سوى ظله أمامي.
كم هو متناقض أن أضطر للاعتماد على خاطفي وأنا أتبع خطواته.
لكن لم يكن أمامي خيار آخر.
تبعته بخطوات مترددة.
هذا الطابق الأول… لا يمكن أن يكون…
تلك الغرفة السرية، أليس كذلك؟
شحب وجهي.
تسارعت الأفكار في رأسي: هل أهاجمه بالصاعق وأهرب الآن بينما هو مستدير؟
أم أواصل اتباعه وأنتظر اللحظة المناسبة؟
كل ما أردته كان أن أبقى على قيد الحياة.
لم أسمع سوى وقع أقدامنا يتردد في الممر المظلم.
وفجأة توقف.
كدت أرتطم بظهره لولا أنني توقفت في آخر لحظة.
يا إلهي…
ارتجفت من فكرة أنني كدت أموت بخطأ سخيف كهذا.
فتح كيد باب غرفة مجهولة.
ظهر أمامي فضاء واسع تتوسطه آلة بيانو فاخرة وأريكة وحيدة.
بيانو؟
تنفست الصعداء دون أن أشعر.
على الأقل لم تكن غرفة الأدلة المروعة في الطابق الأول.
ارتخت عضلاتي المشدودة قليلا، ثم نظرت حولي.
كان البيانو الكبير اللامع يعكس ضوء القمر برونق باهر.
هل كان هذا هو مصدر تلك الضجة الغريبة من قبل؟
حين تذكرت صوت الطنين القوي، بدا لي بالفعل شبيهًا بصوت بيانو.
لكن… لماذا أحضرني إلى هنا؟
رمقته متسائلة بعينيّ، لكن كيد لم ينظر إليّ.
جلس باستهتار على الأريكة، متكئًا براحته إلى ذقنه وكأن المكان ملكه.
بقيت أنا وحدي متيبسة، أراقبه في حذر.
أردت أن أسأله مباشرة “لماذا أنا هنا؟”، لكني خفت أن يطير رأسي إن نطقت.
وبينما أنا أتردد، نظر إليّ فجأة وقال ببرود:
“اعزفي.”
تجمدت. أعزف ماذا؟ وجهك؟
ظللت متسمّرة بلا رد.
فزفر بضجر وأشار بذقنه نحو البيانو.
“ذلك. اعزفي عليه.”
حدقت به في ذهول.
أليس من الطبيعي أن يسأل أولًا: “هل تجيدين العزف؟”؟
لكنني لم أكن أملك خيارًا.
وضعي كان أضعف من أن أجادل.
“حسناً… سأفعل.”
جلست أمام البيانو بقلب مثقل.
المفاتيح نظيفة لامعة، كأن أحدهم اعتنى به مؤخرًا.
لم أعرف إن كان مضبوطًا جيدًا أم لا، ذلك سيظهر عند العزف.
لكن… ماذا أعزف؟
انعكس ضوء القمر على سطح المفاتيح البيضاء، فأحسست بشيء غريب في داخلي.
لم أتخيل يومًا أنني سأجلس لأعزف مجددًا بهذا الشكل…
وضعت أصابعي فوق المفاتيح قبل أن ينفد صبري.
لكنني لم أكن مستعدة، فشعرت بعضلات عنقي تتصلب.
أخذت أبحث في ذاكرتي عن مقطوعة مألوفة.
حتى في المسابقات يُمنح العازف وقتًا لتمرين أصابعه…
لكن لو ترددت لحظة أخرى ربما يُقطع عنقي هنا، فبدأت أعزف مباشرة.
لم يكن هذا جسدي، لذا بدا الإحساس في أطراف أصابعي مختلفًا عما اعتدت.
ومع ذلك تابعت الضغط على المفاتيح واحدًا تلو الآخر.
مع كل نغمة صحيحة بدأ توتري يتلاشى.
تذكرت أيامي الماضية حين كنت أتمسك بالبيانو رغم مرضي.
كم اجتهدت لأدخل معهد الموسيقى رغم فقرنا، لأتبع مهنة والدي.
كم كنت أكرهه أحيانًا وأنا أتمرن للامتحانات أو المسابقات…
لكن حين واجهت الموت، لم أرد سوى أن أعزف مجددًا.
ورغم أن هذا الجسد ليس جسدي، عزفت بإتقان كأنني لم أفارقه يومًا.
المفاتيح الناعمة تحت أصابعي بدت مألوفة حد الغرابة.
مقطوعة “ضوء القمر” لدبوسي… لم أظن أنني سأعزفها هنا.
كان يمكن أن أختار آخر مقطوعة درستها، بالاد رقم 4 لشوبان، لكنها طويلة ومعقدة.
فاخترت “ضوء القمر”.
امتلأت الغرفة بلحن هادئ.
قلبي ارتجف.
لأول مرة منذ فترة، نسيت وجود كيد.
لم يبقَ في هذا المكان سوى أنا والبيانو.
وعندما انتهيت من عزف المقطوعة كاملة، سرت قشعريرة في بدني.
أدركت أن دموعي تجمعت في عينيّ.
فجأة اجتاحني شعور جارف:
أريد أن أعيش.
مسحت دموعي سريعًا حين تذكرت أن ثمة مشاهدًا أمامي.
انكمشت في مكاني بخجل.
كان كيد لا يزال يراقبني من مكانه بنفس الوضعية.
الظلام حال دون أن أقرأ ملامحه.
لم أجرؤ على قول شيء.
سحبت يدي من على المفاتيح ببطء، متظاهرة باللامبالاة.
ساد صمت ثقيل.
وفي اللحظة التي هممتُ فيها بمد يدي نحو أسلحتي الصغيرة المخبأة عند خصري—
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
تابعونا على قناة التلغرام : MelaniNovels
التعليقات لهذا الفصل " 17"