تراجعت فيفي بسرعة، ثم اتكأت برأسها على كتفه. هزَّت رأسها رافضة، فاستسلم كيد مرغمًا، ووضع ذقنه فوق رأسها.
استرخت فيفي تمامًا، وأخذت تستمع إلى دقات قلبه بهدوء.
ثم فجأة، شعرت بشيء من القلق الغامض، كأنها نسيت أمرًا مهمًا.
وبينما كانت تغوص في أفكارها محاولة تذكُّر…
“رونان!”
صرخت فيفي صرخة خفيفة مفزوعة، ثم دفعت كيد برفق واستدارت بسرعة.
لكن المكان الذي كان ينبغي أن يكون فيه رونان لم يبقَ فيه سوى الرمل والحصى.
“ما بكِ؟”
“كان هناك شخصٌ منذ قليل… أين ذهب؟”
جالت بنظرها حولها فرأت آثار أقدام بعيدة.
متى رحل؟ هل… هل رأى كل شيء؟
اجتاحتها موجة من الخجل حتى تقطَّر العرق من مؤخرة عنقها.
“هل كان هناك أحدٌ أصلًا؟”
“ألم ترَه؟ كان ملقىً هناك بالتأكيد!”
كيف يمكن لرجلٍ حساس للوجود البشري مثله ألا يلاحظ؟
دارت فيفي بنظراتها ثم استقرت على كيد. ألم ترَه؟
تحت نظراتها المتسائلة الحادة، بدأ كيد يحيد ببصره إلى الجانب في ارتباك.
لم يستطع الكذب أمام تلك العيون.
“… رأيته وهو يبتعد.”
“ماذا؟ متى؟ يا إلهي… هل رأى كل ما كنا نفعله؟”
نظر إليها كيد بنظرة تقول: وما الذي يهم في ذلك؟ لكن تحت حدة عينيها اضطر أن يتكلم:
“عندما بدأتِ تقبِّلينني، فتح عينيه ونظر إلى هنا… فلما قبلتُكِ، غادر.”
‘في الحقيقة، كان قد حدَّق به بنظرة تقول “ما الذي تنظر إليه؟” حتى أفلت رونان، لكن كيد ابتلع الجزء الأخير من الجملة’.
صرخت فيفي صرخة خافتة وغطت وجهها بكفيها.
لِمَ استيقظ في تلك اللحظة بالذات؟ لا… رونان ليس مذنبًا.
الخطأ خطأي لأنني نسيته…
سأحتاج لاحقًا أن أسأل عن حاله.
إن كان لا يزال يرغب في الكلام معي أصلًا.
نظر كيد إلى فيفي المحرجة، ثم تذكر وجه ذلك الرجل.
شعرٌ أبيض، وجهٌ فيه شيء من الوقاحة المستفزة.
أين رأيته من قبل؟ ولماذا كان ملقى قرب فيفي؟
عقل كيد الذكي سرعان ما استرجع المعلومات.
“ذلك الفارس المقدس الذي رأيناه في حفلة السفينة… ما الذي كان يفعله هنا؟”
تشنجت فيفي وصمتت فجأة.
“كنت سأسألكِ عنه لاحقًا على أي حال. أنتِ… كنتِ في حضنه، جالسة على فخذه، أليس كذلك؟ ذلك الرجل هو الفارس المقدس؟”
“أنا… لا أتذكر جيدًا…”
“آه، لهذا كان ملقى في نفس المكان تقريبًا. ما لم تكن هوايته النوم على ضفة النهر، طبعًا.”
“عن ماذا تتحدث؟ لا أفهم شيئًا مما تقول!”
شعرت فيفي بنظرات كيد الحارقة فوق رأسها.
حاولت أن تتظاهر بالبراءة، لكن تلك الحيلة لم تنجح.
يا له من وغد حساس جدًا، تبا له، فكرت في سرها.
“ولِمَ كنتِ في حضن ذلك الرجل على فخذه بالأساس؟”
“أمم… هذا…”
أمام إلحاح كيد المتواصل، تلعثمت فيفي.
ثم قررت: فليكن ما يكن.
انقضت عليه وقبَّلته قبلة خفيفة.
صوت القُبلة اللطيف “طَق” أسكت فمه المزعج… مؤقتًا.
لكن كيد لم يستسلم. حدَّق بها بنظرة صارمة وقال:
“تظنين أنكِ بهذه الطريقة ستوقفين—”
طَق. قبَّلته مرة أخرى.
وبمجرد أن ابتعدت شفتاها، قالت بسرعة:
“سأخبرك بالأمر عندما نصل إلى البيت. الآن السماء أظلمت، وأريد العودة إلى المنزل بسرعة. هيا نذهب إلى البيت، حسنًا؟”
تنهَّد كيد تنهيدة خفيفة.
كيف يمكنه أن يرفض طلب زوجته التي ترغب في العودة إلى البيت؟
قبل كيد خدَّ فيفي بلطف، ثم رفعها بين ذراعيه كما هي.
“سأجلب الحصان فنركبه معًا. أم تفضِّلين أن نمرَّ بالقرية ونستأجر عربة؟”
“أريد أن نركب الحصان. أرغب في الوصول إلى البيت بسرعة.”
ما أن نطقت بهذه الكلمات حتى ازداد شوقها إلى البيت فعلًا واشتدَّ.
لم يجد كيد بدًّا فسار عائدًا إلى المكان الذي جاء منه.
وضع فيفي بحرص فوق الحصان المربوط عند الشجرة، ثم قفز خلفها بسرعة، وضمَّها إليه بذراعيه كأنه يحتضنها، وأمسك بلجام الحصان بقوة.
لو كان كيد وحده لركب بأقصى سرعة واندفع كالريح.
لكنه الآن مع فيفي، فلم يجرؤ على تسريع الإيقاع.
صحيح أنه قادر على تثبيتها بقوة، لكنه خشي أن تتعب أو تتأذى.
كان يخشى أن تحملها الريح العاتية كفقاعة صابون فتتلاشى، أو أن تهزَّها الاهتزازات فتتفتَّت.
فعاملها ككنز ثمين يُحاط بكلِّ الحرص والعناية.
“قد تعضِّين لسانكِ، فحاولي ألا تفتحي فمكِ قدر الإمكان.”
“حسنًا.”
بدأ الحصان يتقدَّم ببطء.
بطريق العودة إلى المنزل.
شعرت فيفي بسعادة غامرة.
* * *
وصلا إلى المنزل وقد حلَّ الليل عميقًا.
‘لو كنا استأجرنا عربة لكنا وصلنا أسرع’.
لكنها سرعان ما غيَّرت رأيها: ركوب الحصان معًا لم يكن خيارًا سيئًا على الإطلاق.
“آه… بالمناسبة، هذا الحصان…”
إنه حيٌّ! عندما رأت العلامة السوداء بجانب أنفه، تأكَّدت من أنه نفسه الحصان الذي قاد العربة في يوم العاصفة.
تبع كيد نظرات فيفي المتفحِّصة وقال:
“يبدو أنكِ تتذكَّرينه. إنه بالفعل حصان ذلك اليوم في العاصفة. اختبأ بنفسه حتى انتهت العاصفة ثم عاد لوحده. والسائق أيضًا نجا.”
“أنا سعيدة.”
نزل كيد من الحصان أولًا بخفَّة.
كان ارتفاع الحصان يصعب على فيفي النزول منه وحدها، فظلت هادئة تنتظر حتى ينزلها هو.
سرعان ما مدَّ كيد ذراعيه: وضع إحدى يديه خلف خصرها ليدعمها، ورفع اليد الأخرى من تحت فخذيها.
التفت فيفي بطبيعية ووضعت ذراعيها حول كتفيه.
حملها كيد بين ذراعيه وسار بها بهدوء.
انتظرت فيفي أن ينزلها في أي لحظة، لكنها رفعت حاجبيها بدهشة وقالت:
“ألن تنزلني؟”
“أشعر بالقلق إن لم تكوني بجانبي.”
أغمضت فيفي شفتيها متأثِّرة بصراحة كيد الجريئة.
واصل كيد المسير بجدية واضحة، دون أي أثر للخجل.
بدأ الخدم يتجمَّعون واحدًا تلو الآخر.
نظرت فيفي إلى السماء المظلمة ثم عادت تنظر إليهم.
الآن الليل، فلماذا لا يزالون موجودين؟
‘آه… سمعتي الاجتماعية…’
سيدة الدار محمولة بين ذراعي زوجها هكذا.
‘لكن لم تكن لديَّ سمعة اجتماعية من الأساس، فلا مشكلة’.
شعرت بالكسل من صعود السلالم، فقرَّرت البقاء بين ذراعيه.
لكنها ألقت نظرة خفيفة إلى كيد.
لاحظ كيد نظرتها فشرح:
“فكَّرتُ أنكِ قد تكونين جائعة أو ترغبين في الاستحمام بعد عودتكِ المتأخرة، فتركتهم ينتظرون.”
“شكرًا لك.”
“في اليوم الذي لم أستطع فيه منعكِ، كدتُ أطردهم جميعًا… لكنني خشيتُ أن تغضبي، فتركتهم.”
نظرت فيفي إلى كيد بعينين مندهشتين.
متى كبر كيد هكذا؟
لم يعد كيد الصغير، بل أصبح رجلًا ناضجًا.
أخذت تنظر إليه بعين الإعجاب والفخر، فهزَّ كيد كتفيه بتواضع.
“سيدتي! سيدي!”
ركض الخدم نحوهما ووجوههم مليئة بالخوف والدموع، يرحِّبون بهما بحرارة.
“أنا بخير. أريد الراحة الآن، فتفرَّقوا.”
تراجع الخدم بخطوات متردِّدة وهم يبكون.
كانت الأضواء تضيء السلالم المؤدية إلى غرفة فيفي بوهجٍ دافئ، ومع ذلك لم يكن هناك أحد.
منذ قدومها إلى هذا المكان، لم ترَ قصر ماككورت في الليل بهذا الازدحام والإضاءة الساطعة من قبل.
أضواء صفراء دافئة، دفء يعمُّ البيت… أدركت فيفي حقًّا أنها عادت إلى منزلها.
وصلا إلى الغرفة بسرعة.
ما أن دخلا حتى انفجرت فيفي ضاحكة بصوت خفيف مرح.
نسيت تمامًا وعدَها بأن تخبره بالحقيقة عندما يصلان إلى البيت.
نظر كيد إلى فيفي التي بدت وكأنها نسيت الوعد تمامًا، فمدَّ إصبعه ونخز خدَّها بلطف.
ثم ضمَّها إليه بقوة أكبر حتى لا تتمكَّن من الهرب.
“لقد وعدتِ، فحان وقت الاعتراف.”
“وعد؟ أي وعد… آه، صحيح.”
كان ينبغي أن تفكِّر مسبقًا في الكذبة التي ستخلطها بالحقيقة.
شعرت فيفي بالحيرة، فدارت بعقلها بسرعة.
ومن هذا التفكير السريع، توصلت إلى خطة ماكرة…
خطة مبنية على حبها العميق له منذ أن انهار باكيًا أمامها.
“لكن قبل ذلك… أريد أن أستحم.”
“ماذا؟”
“أريد أيضًا أن أتأكَّد مما اذا كانوا قد أعدوا ماء الحمام كما قلتَ.”
“قولي الآن.”
“همم… هناك طريقة أفضل.”
لم يستطع كيد أن يقسو على فيفي وهي تنظر إليه بعينين بريئتين تلمعان كالنجوم.
استسلم مرة أخرى، فسألها بصوت أكثر لينًا:
“وما هي؟”
“سأخبرك بكل شيء بعد الاستحمام.”
كان عرضًا لا يمكن رفضه بأي حال من الأحوال.
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
تابعونا على قناة التلغرام : MelaniNovels
التعليقات لهذا الفصل " 101"