أومض الضوء ببطء، كأنَّها يعتذر لفيفي التي بدت عليها علامات الملل الواضح.
“مع ذلك، لم أجبركِ على القدوم إلى هنا بالقوة. لقد عقدنا صفقةً معكِ. قلتُ لكِ: “هل تقبلين أن تصيري فيفي داخل الكتاب؟ وعوضًا عن ذلك، إن نجحتِ في تغيير النهاية الأصلية، فسأمنحكِ أيَّ مكافأةٍ تريدينها”. شرحتُ لكِ كلَّ الظروف، فقلت أنَّك لا تريدين الموت، وأنَّ هذه فرصةٌ سانحة، فذهبتْ لتتناسخ في عالمكِ هذا. كان تبادلًا.”
“تقول أنّني قبلتُ ذلك؟”
“نعم. في ذلك الوقت كنتِ عاطفيةً جدًّا… الحقيقة أنَّه لم يكن عقدًا سليمًا بالمعنى الدقيق. قلتِ أنَّكِ لا ترين أمامكِ شيئًا، وأنَّكِ مستعدَّةٌ لأن تُحدثي فوضى عارمة، قاتلًا أو غير قاتلٍ، ما دام ذلك يريح صدركِ، فقبلتِ.”
إذن كلّ هذه الكوارث… كانت مسؤوليتي أنا؟ شعرت فيفي أنَّها على وشك السقوط من الصدمة.
“إذن طا الذي تريدين قوله بالضبط؟”
“…أردتُ أن أخبركِ، أيتها المنقذة التي نجحت في تغيير جزءٍ كبيرٍ من الرواية الأصلية وغيَّرتِ النهاية، أنّني أريد الوفاء بالصفقة وتحقيق أمنيتكِ. هل تودّين أن تصيري في مرتبة الحاكمات؟”
“أوه… لا، شكرًا. أنا لا أحبّ السلطة كثيرًا.”
“إذن ماذا تريدين؟ آه… هل أفصل بين سينييل وكيد؟”
“ماذا؟! لا! لا أستطيع تحمّل ذلك!”
“همم… حسنًا، يمكنني إعادتكِ إلى الأرض. بفضلكِ، اختفت الكثير من القيود، فصار عبور الأبعاد أمرًا سهلًا الآن. يمكنني أيضًا إجبار عمّكِ على إعادة الثروة التي استولى عليها. أستطيع إرجاعك، ومنحكِ موهبةً لا تُضاهى في العزف على البيانو.”
كان العرض مغريًا بعض الشيء. لكن فيفي هزَّت رأسها.
فهناك -في هذا العالم أو ذاك، لا تدري- شخصٌ ينتظرها بلهفةٍ وقلقٍ شديد.
“هل يمكنني العودة أولًا والتفكير في الأمر؟ الآن… لا أريد شيئًا محدَّدًا.”
“هل تفكّرين في البقاء إلى جانب سينييل إلى الأبد؟ …أنا في الواقع أعارض ذلك. فقد تحتم عليه أن يصبح وحشًا. قد ينقلب عليكِ في أيّة لحظة ويقتلكِ.”
أومأت فيفي برأسها بجدّية.
“أتفهَّم.”
“أرى مصيركِ الذي سيجعلكِ تندمين. ومع ذلك… هل ستبقين إلى جانبه؟”
“نعم. لقد وعدتُه.”
“هل يعني ذلك أنَّكِ ستستمرّين في فهمه وحبّه رغم أنَّه وحش؟”
“نعم. هذا دليلٌ آخر على أنّني مجنونة. كيف وصلتُ إلى هذا الحال…”
آه، لحظة. بعد أن انتهت من الكلام، فتحت فيفي عينيها على وسعهما بدهشة.
هذا لم يكن عرض مكافأة… بل كان اختبارًا؟
الآن فقط أدركت لماذا كان يُطنّ بكلّ هذا الكلام الغريب.
‘إمّا أن تتخلَّي عنه، أو تفهميه.’
بوم. سُمع صوت انفجارٍ من الأسفل.
نظرت إلى الأسفل، فرأت جسدها ملقىً في مكانٍ ما.
أين رونان؟
كانت تبحث عن رونان حين فجأةً هبط نورٌ شديدٌ من فوق، كأنَّ جنية حلَّت على جسدها المنهار.
“نجحتِ!”
“كان هذا هو التلميح الذي تحدَّثت عنه؟”
“نعم! لكن لو لم يكن صادقًا من قلبكِ، لما نجحتِ مهما أعطيتكِ من تلميحات!”
“…أنا سعيدة بالنجاح، لكن… أين رونان؟”
“رونان هناك في الأسفل!”
كان رونان ملقىً على مسافةٍ أبعد قليلًا منها.
رأت صدره يعلو ويهبط، فأطلقت تنهيدة راحةٍ عميقة.
أخذ الضوء يتحرَّك في فرحٍ شديد، يذهب يمينًا ويسارًا.
أمّا فيفي فقد صارت متعبةً، فنظرت إليها بنظرةٍ تقول: أنزليني الآن.
“لكن الصفقة ما زالت سارية! إذا فكَّرتِ في مكافأةٍ ما، فاستدعيني في أيّ وقتٍ. آه، هذا ليس وقت هذا الكلام. سأرسلكِ الآن. بينما كنتِ هنا، مرَّت ثلاثة أيامٍ كاملةٍ في الأسفل.”
“ماذا؟ ثلاثة أيام؟ أنا… حيَّة حقًّا؟”
“نعم!”
“ماذا؟”
إذن… كنتُ حية؟ رمشت فيفي بعينيها.
“لو لم تنجحي في الاختبار، لما ارجعتك! فتدخّلي يؤدّي إلى انهيار العالم فورًا!”
قالها ببساطةٍ مخيفة، فشعرت فيفي بقشعريرةٍ من الرهبة أمام هذا الكائن الذي يتحدَّث عن فناء العالم بهذه السهولة.
“ليس وقت هذا الآن. الوقت قد تأخَّر، والمساء قد حلَّ تقريبًا. غدًا سينتقل اليوم. أغمضي عينيكِ. عدّي إلى عشرة. حسنًا… الآن سأعيدكِ.”
شعرت فيفي بأنَّ قواها تُسحب منها، فأغمضت عينيها.
واحد، اثنان، ثلاثة… شعرت بجسدها يرتفع لحظةً ثم يهوي إلى الأسفل بلا نهاية.
* * *
كان الوقت قد اقترب من المساء.
وبينما كان سينييل منهارًا من الإعياء، انطلق كيد بجنونٍ وعنادٍ ليبحث عنها.
كان يركض دون أن يرمش، يلهث من الجهد.
فجأةً، سُمع صوت تشقّقٍ في السماء من الأعلى.
انشقَّت السماء، وانحدر من الشقّ شعاعٌ من النور يهطل بقوةٍ من فوق.
ظلَّ شعاع النور ثابتًا في مكانه، كأنَّه يعلن أنَّ شيئًا مهمًّا قد حدث، دون أن يتحرَّك.
كان كيد يقف على بعد أمتارٍ قليلة، يحدّق مذهولًا في الضوء الذي ينبعث من مكانٍ ما.
كان الضوء يشير إلى الرصيف الرملي المتراكم بجانب ضفة النهر، حيث تجمَّعت الحصى والرواسب.
تبع الضوء بنظره.
ورأى حبيبته، مضاءةً بنورٍ سماويّ.
“……”
قبل أن يدرك عقله أنَّ فيفي موجودة هناك فعلًا، سبقت الدموع عينيه.
تساقطت الدموع الغزيرة ثقيلةً على الأرض، واحدة تلو الأخرى.
كان الرداء الأحمر ممدودًا فوقها كغطاءٍ دافئ، وفوقه تتدفَّق خصلات شعرها الوردي الناعمة كخيوط حريرٍ متشابكة.
كانت فيفي مستلقيةً بهدوءٍ يشبه النائم في قيلولةٍ مريحة.
ومع أنَّها جُرفت من الجسر إلى هنا مع التيار، فإنَّ مظهرها كان نظيفًا بشكلٍ لافت.
كم مرَّةٍ أقسم أنَّه سيجري إليها بلا تردّدٍ حين يجدها.
لكن حين وقعت عيناه عليها فعلًا، توقَّف تنفّسه.
كأنَّ أيَّة حركةٍ قد تُفقده هذا الحلم.
صارت خطواته ثقيلةً مرعبة.
وفي تلك الأثناء، فتحت فيفي عينيها ببطء.
“أووه… الضوء يؤذي العين.”
عبست وهي تضع يدها على عينيها لتحميهما.
‘يبدو أنَّ الجسد سليمٌ أكثر ممّا توقَّعتُ.’
ظنَّت أنَّه بعد العودة لن يبقى في جسدها مكانٌ سليم.
لكن هذا القدر من الترميم يليق بجنية حقيقيّة. نعم، بالتأكيد.
نهضت من مكانها، ونفضت الرمل والتراب عن ثيابها بضرباتٍ خفيفة.
إن كانت القرية قريبة، فعليها أن توقظ رونان أولًا، ثم تذهب معه إلى القرية لتطلب المساعدة.
وبينما كانت تفكّر في ذلك، دارت برأسها لتتفحَّص المكان.
“……فيفي.”
أمامها وقف وحشها، بوجنتين غائرتين وعينين محمرَّتين من الإعياء والأرق.
أرادت فيفي أن تناديه باسمه أيضًا.
لكنَّها لم تكن بعدُ متأكّدةً تمامًا من هويَّته، فتردَّدت.
‘يبكي… إذن هو سينييل؟ لكن سينييل لا يبكي هكذا، بعبوسٍ أليمٍ وتقلّصٍ في الوجه…’
كان سينييل يبكي بهدوءٍ أنيق، كلوحةٍ فنّية حزينة، دون أن يُسمع له نشيج.
حاولت فيفي التقدّم نحوه بخطوة.
لكن كيد مدَّ جسده إلى الأمام، مانعًا إيّاها.
“لا تتحرَّكي. أنا قادم.”
الآن عرفتُ من هو.
حاولت فيفي أن تنطق اسمه.
“كيـ…”
لكنَّها تذكَّرت رونان الذي يرقد خلفها.
فتردَّد الاسم في فمها دون أن يخرج.
كان كيد في حالةٍ من الذعر الشديد، خشية أن تتعثَّر خطوة واحدة فتُجرفها المياه الجارفة.
رغم أنَّ النهر كان بعيدًا نسبيًّا، إلا أنَّ قلقه كان يزداد.
هرع إليها بخطواتٍ متعثّرة.
وحتى وهو يقترب منها، ظلَّت الدموع الغزيرة تتساقط من عينيه.
بقيت فيفي ساكنةً، مستجيبةً لطلبه.
مع كلّ خطوةٍ يقترب بها، كانت تشعر بتموّجٍ خفيفٍ في صدرها، كريحٍ رقيقةٍ تعبر بحيرةً هادئة.
كيف يمكن لوحشٍ أن يبكي بهذه الحسرة؟
كانت تظنّ دائمًا أنَّ كيد، مهما أصابه من حزن، لن يبكي بهذا الشكل الصريح والمؤلم.
انهار التصوّر الذي كانت تحمله عنه فجأةً.
عندما أصبح على مسافةٍ قريبة جدًّا، خفَّف كيد من سرعته.
كان يتقدَّم بحذرٍ شديد، كأنَّ نسمةً قد تُطيره.
وتوقَّف تمامًا عندما أصبح على بعد أن يلامس أنفه أنفها.
فقدت ساقاه القوة.
ركع كيد أمام فيفي، ممسكًا بأطراف أصابعها فقط.
كأنَّ هذا هو حدّه الأقصى.
جلس على ركبتيه، مطأطئًا رأسه نحو الأرض.
ارتجف جسده كلّه، حتى أصابعه التي تمسك بأطراف أصابعها.
أخذ كيد يبكي بصمتٍ عميق، عاجزًا حتى عن التنفّس بشكلٍ طبيعي.
كان صوت قطرات الدموع المتساقطة على الأرض واضحًا بشكلٍ مؤلم وسط عولته الصامتة.
شُلَّ عقل فيفي من الصدمة، وأصبح كلّ شيءٍ في رأسها أبيض.
كانت تتوقَّع أن يوبّخها كيد فور رؤيتها: “لماذا خرجتِ في يوم العاصفة؟”
ثم يسحبها إلى البيت، ويمنعها من الخروج بعد اليوم بقسوةٍ وصرامة.
لكن توقّعاتها تحطَّمت كلّيًّا.
لقد قالت للجنية أنَّها تفهمه وتحبّه، ومع ذلك كان في أعماق قلبها بقايا خفيَّة من عدم الثقة والقلق تجاهه.
أيُّ كائنٍ ضعيف القوى، وإن كان يملك غريزة البقاء، لكان شعر بالشيء نفسه.
لكن بما أنَّها تحبّه بصدق، فقد قرَّرت أن تحمل معها هذا القلق طوال حياتها.
غير أنَّ هذا القرار نفسه كان خطأً.
عندما رأت الوحش يذوب في دموعه، ذابت تلك المشاعر معه أيضًا.
وحش؟ هذا؟
في هذه اللحظة، لم يكن وحشًا على الإطلاق.
انحنت فيفي إلى جانب كيد وجلست معه على الأرض.
عندما ضمَّته إلى صدرها، اندفع هو ليعانقها بلهثٍ شديد.
دفن وجهه بعمق قرب مؤخَّرة عنقها، تمامًا كما فعل سينييل ذات مرَّة.
بسبب فارق الحجم بينهما، بدا الأمر وكأنَّها هي التي احتضنته.
فكَّت فيفي ربطة شعره التي أصبحت فضفاضةً من كثرة الركض، ثمَّ بدأت تداعب شعره بلطف.
“آسفة لأنّني أقلقتك.”
لم يجب كيد بكلام، بل هزَّ رأسه بعنفٍ قرب عنقها، كطفلٍ يدلّع نفسه.
عرفت فيفي أنَّ اللحظة ليست للضحك، ومع ذلك انفرجت شفتاها في ابتسامةٍ خفيفة.
انزلقت يدها إلى أسفل، تربت على ظهره بلطف.
لم تكن لمستها ناعمةً كلمسة كيد، لكنَّها كانت مطمئنَّةً بما فيه الكفاية.
ظلَّ كيد يرتجف طويلًا قبل أن يهدأ.
مزحت فيفي قائلةً أنَّ كتفها أصبح مبلَّلًا.
وبعد أن هدأ أخيرًا، فتح كيد فمه أخيرًا.
كان صوته أجشًّا من شدَّة البكاء العنيف.
“حين قلتُ لكِ اذهبي… لم أقصد أن تموتي. كيف لم تفهمي ذلك؟”
“لم أخرج لأموت. حدث ما حدث فجأةً. كيف كنتُ لأعرف؟”
“كنتِ تعلمين أنَّ الجسر سينهار، ومع ذلك صرختِ بالناس ليخرجوا، ثم صعدتِ عليه بنفسك.”
“أمم… نعم… آسفة.”
“لا تفعلي ذلك مرّةً أخرى أبدًا.”
أومأت فيفي برأسها بطاعةٍ.
“لن أفعل. ليست لديَّ أيّ نيةٍ لذلك.”
ظلَّ يرتجف، ومع ذلك أمسك بوجهها بحذرٍ شديد بكفَّيه المرتعشتين.
“هل أنتِ سليمة؟ لا إصابات؟”
“لا شيء. أنا بخير تمامًا. أمرٌ عجيب، أليس كذلك؟”
ومع ذلك لم يقتنع، فبدأ يتفحَّص جسدها بعنايةٍ فائقة: هل هناك جرحٌ في مؤخَّرة عنقها؟
هل ذراعاها يتحرَّكان بشكلٍ طبيعي؟
هل هناك كسرٌ خفيّ؟
هل سقطت من علوٍّ فأصيب رأسها؟
هل ذاكرتها سليمة؟
كان فحصًا طبيًّا طويلًا ودقيقًا.
وحين اطمأنَّ أخيرًا أنَّها بخير، أطلق تنهيدةً عميقةً من الراحة وضمَّها إليه مرَّةً أخرى.
شعرت فيفي بالارتجاف الذي ينتقل من يديه إلى ظهرها، فسألته مازحةً:
“لا تزال يداك ترتجفان. هل تستطيع الوقوف؟”
“لنعد إلى البيت، إذن عليَّ أن أقف. سأقف.”
قال ذلك وهو لا يزال متشبّثًا بها، ولا يبدو أنَّه ينوي النهوض.
ربتت فيفي على ظهره بلطف وهمست:
“هيَّا، لنذهب.”
“إن قمتُ الآن… أخشى أن يكون هذا كلّه وهمًا، وأن أجدكِ قد اختفيتِ.”
بعد ثلاثة أيامٍ من الغياب ثم الظهور المفاجئ، كان شعوره مفهومًا تمامًا.
لكن بالنسبة لفيفي التي عادت لتوّها من حوارٍ غريبٍ في مكانٍ آخر، بدت شكواه لطيفةً جدًّا.
أمسكت بكتفيه من الخلف، ودفعته قليلًا لتبعِدَه عنها.
ظهر وجهه أمامها، ملطَّخًا بالدموع.
أمسكت فيفي وجهه بكفَّيها بلطفٍ، فانحنى هو كما أرادت.
أغمضت عينيها وقبّلته.
طالت القبلة، حتى صدر صوتٌ خفيفٌ وهي تبتعد شيئًا فشيئًا.
التعليقات لهذا الفصل " 100"