「اليوم الأوّل من حفل تأسيس الدولة، يثير ضجّةً كبيرة بما في ذلك “الفعالية المفاجئة”!」
「أضرار الإفراط في الشرب: عن أعراض فقدان الذاكرة التي تجلبها المشروبات القويّة……」
تم تقليص الاضطراب الذي كاد أن يتفاقم إلى مجرد “حدث مفاجئ”، ومعظم المفقودين الذين سُحبوا لسوء حظهم إلى “العالم الموازي” عادوا بسلام، لكنهم فقدوا كل ذكريات تلك الليلة.
قيل إن قلة قليلة منهم أظهروا بوادر اضطراب عقلي واشتكوا من معاناة نفسية، لكن لم تكن هناك مشكلة كبيرة.
أما خبر نقل زوجة الماركيز بيلفارت فجأة فقد أثار الجدل لفترة وجيزة قبل أن يختفي بسرعة.
“من حاول اختلاس النظر إلى سر غير مسموح به وهو لا يستحق، فإن خروجه بهذه النتيجة كان ثمناً رخيصاً.”
هكذا حسم أبي الأمر بكلمات غامضة لم أفهم معناها تماماً.
‘هل ستكون ليزلي بخير؟’
لا بد أنه لا يوجد شيء خطير، أليس كذلك؟
على أي حال، بعد هذا الحادث، أبلغت عائلة هالبيرن اعتذارها عن حضور جميع حفلات القصر الإمبراطوري، وازدادت حماية ميهين المفرطة لي.
“هل جسدكِ بخير؟”
“أجل.”
“دعيني أرى.”
“أنا بخير حقاً.”
“لقد مر يوم واحد فقط، ربما لا تدركين الآثار الجانبية بعد.”
“هل أنت قلق؟”
أومأ ميهين برأسه. كانت ملامحه المكتئبة والمرسومة فوق تعابير التعب تتداخل مع وسامته الحادة والمرهفة، لتعطيه جواً فريداً.
“إنه خطئي.”
“كلا.”
“لو أنني فقط بقيتُ ملتصقاً بجانب آريل في ذلك اليوم.”
“قلتُ لك كلا.”
أمسكتُ بيد ميهين الذي كان يلوم نفسه.
“لقد كان حادثاً.”
“…….”
“وأبي أنقذني لذا لا بأس.”
بعد أن ودعتُ الكمان وبقيتُ وحيدة مع بيسيون، ظهر أبي فجأة ولا أعرف كيف وجدنا.
بفضله استطعنا الخروج بسهولة.
في ذلك الوقت، كان أبي ينظر إلى بيسيون بنظرات ثاقبة ومستمرة بشكل مبالغ فيه…….
‘بيسيون، هل سيكون بخير؟’
أبي ليس من النوع الذي يؤذي الآخرين بلا سبب، لكن نظرات بيسيون التي كانت تتحدى أبي بوضوح جعلتني أقلق.
أبي قوي حقاً.
ماذا لو تهور بيسيون وتعرض للتوبيخ؟
“أبي، ها…….”
“همم؟”
“هل بدأتِ تنادينه بـ ‘أبي’ بشكل صحيح الآن؟”
عندما رأيتُ ميهين يرتدي تعبيراً يوحي بالدهشة، شعرتُ بالخجل فجأة. وبدلاً من الإجابة، اكتفيتُ بالإيماء برأسي، فابتسم لي ميهين قبل أن تتقلص ملامحه فجأة.
“لم أتوقع أن ينال ذلك الوغد اعترافكِ بهذه السهولة.”
“هل تشعر بالخطر؟”
“ضد شخص مثله؟”
سخر ميهين وكأن الأمر غير منطقي.
“ومع ذلك، لا تقتربي منه كثيراً.”
بينما كان يحاول منافسته بشكل غير مباشر، بدا لي لطيفاً جداً لدرجة أنني كدتُ أنفجر ضاحكة.
“مهما قال أي شخص، ميهين هو المفضل لدي.”
“هذا أمر طبيعي.”
فتحتُ ذراعيّ على اتساعهما وعانقتُ ميهين، فابتسم هو ابتسامة عريضة.
“لأنني ‘أم’ آريل.”
“أمي!”
يبدو أن ميهين قد تعب من إنكار قدره في أن يصبح أماً لي، وبدأ يذعن للأمر ببساطة.
“هاه. بما أنكِ جعلتِ جسدي هكذا، فلا تتظاهري بعدم معرفتي لاحقاً.”
“لماذا؟ هل تخاف أنني عندما أكبر لن أناديك بـ ‘أمي’؟”
“لا. لا يهم إذا لم تناديني بـ ‘أمي’ ولكن…….”
تنهد ميهين وأضاف بمرارة.
“سأشعر بالقليل من.. الحزن إذا تظاهرتِ بعدم معرفتي.”
كان تعبير ميهين وهو يتحدث ببرود، وكأنه يعتبر هذا الأمر مجرد “لعبة عائلة” في مرحلة الطفولة، يحمل مسحة من الأسى.
يا له من أمر مضحك، حقاً.
“لماذا قد أتظاهر بعدم معرفة أمي؟”
“من يدري. ربما عندما تكبرين، قد تشعرين بالخجل من ماضيكِ حين كنتِ تنادينني بـ ‘أمي’.”
“هذا لن يحدث أبداً.”
“لا ينبغي استخدام كلمة ‘أبداً’ بتهور.”
“هل نتراهن؟”
“وعلى ماذا سنتراهن؟”
“اممم. أبي؟”
“…… الجائزة تبدو ضعيفة.”
تبادلنا النظرات ثم انفجرنا ضاحكين.
كان ميهين يعبث بوجنتيّ الممتلئتين وهو ينظر إليّ وأنا أضحك.
“ما الأمر؟”
كانت نظرات ميهين لي حنونة جداً.
“ربما يبدو قولي هذا غريباً، لكنني أشعر أن آريل قد تغيرتِ في يوم واحد فقط.”
“أنا؟”
“أجل. تبدين أكثر راحة وسعادة.”
“حقاً؟”
ربما لأنني تحررتُ أخيراً من الظل الذي كان يطاردني لفترة طويلة.
لم يكن التغلب على الأمر درامياً كما كنتُ أتخيل وحدي في الظلام.
كنتُ أظن أن كل الألم والمعاناة سيختفيان بلمحة بصر كالسحر، لكن الأمر لم يكن كذلك.
أنا التي كنتُ مشوشة ومتألمة رُغم أنني متُّ مرة واحدة، أنا التي تعبتُ لدرجة أن هذه الحياة القاسية لم تعد تؤلمني.
بعد لقاء بيسيون، ومعرفة صدق ميهين، والتقربي من “فريق رعاية”، ولقاء آرون والتوأمين.. بدأتُ أشعر أن عالمي يتسع تدريجياً، وفي لحظة ما، أصبحتُ بخير.
لم يكن الأمر أنني لم أعد أتألم، كنتُ أتألم ولكن ليس لدرجة تمزيق الروح بعد الآن.
كنتُ حزينة ولكن ليس لدرجة العجز، بل كنتُ قادرة على البكاء ثم النهوض للقيام بعمل آخر.
عادة لوم الذات لم تختفِ، لكنها توقفت عند مجرد التفكير.
لقد أصبحتُ بخير تدريجياً.
والآن، لم يعد الأمر يهمني.
لماذا استطعتُ فعل ذلك؟
‘أعرف السبب.’
لأن هناك “اخوة و اخوات” فريق رعاية الذين يلقون عليّ تحية الصباح الدافئة بمجرد أن أفتح عينيّ، وهناك بيسيون الذي يوبخني بضرورة أن أكون بصحة جيدة ويطلب مني الإذن قبل أن أتألم.
وهناك ميهين الذي يعتني بي بدقة رُغم تظاهره بالعكس، والتوأمان اللذان يلتصقان بي رغبةً في صداقتي، و ارون الذي يفعل لي كل ما أطلبه.
والآن، هناك أبي الذي يأتي لإنقاذي.
“أنا أحبك، ميهين.”
“وأنا أيضاً أحبكِ، آريل.”
لا بأس إذا لم يكن الأمر درامياً.
الجرح قد التأم، ورُغم بقاء الندبة إلا أنها لم تعد تؤلم.
أليس هذا كافياً؟
“حقاً، أنا أحبك جداً.”
عندما أتذكر الآن، لم أكن وحيدة تماماً بعد أن تم التخلي عني.
كان هناك معلمي الذي طلب مني العودة إليه في أي وقت، وكان هناك أشخاص يرسلون لي رسائل يسألون عن أحوالي رُغم أننا لم نلتقِ إلا مرات قليلة.
تلك المودة والاهتمام لم تكن من النوع الذي كنتُ أريده من أمي، لكنني كنتُ محاطة بأشخاص جيدين بما يكفي.
كنتُ أنا من لا يعرف ذلك، فوضعتُ الجدران ودفعتُهم بعيداً.
‘لن أكرر هذا الخطأ مرة أخرى.’
“لماذا تتصرف آريل بلطافة شديدة اليوم؟”
“هل أنا لطيفة؟”
“كنتِ لطيفة دائماً.”
“هيه.”
لو قالها شخص آخر لظننتُ أنها مجاملة، لكن عندما يقولها ميهين أشعر بصدقها. هل هذه هي “مصداقية المتحدث”؟
“كما توقعت، ميهين هو الأفضل.”
“هذا يسعدني.”
ابتسم ميهين برضا وعانقني. لقد كان حضنه الأكثر دفئاً على الإطلاق.
***
“آنسة!”
“راحة تامة!”
“لا تقومي حتى بالتمارين!”
فريق رعاية يبالغ في حمايتي.
“بصراحة، الأمر ليس بهذا السوء.”
ظننتُ أن حماية ميهين المفرطة قد ازدادت، لكن انضمت إليها حماية إضافية.
“كلا، هل يعقل أن شيئاً كهذا قد حدث لآنستنا الرقيقة!”
“ماذا كان يفعل السيد! السيد هو المخطئ!”
“كما هو متوقع، نحن الوحيدون القادرون على حماية الآنسة.”
“آنسة، أرجوكِ اقبلي ولاء فرسان سارين!”
“نحن سنحميكِ!”
جمل تشعرني بالاعتماد عليهم بمجرد سماعها.
لو لم يكن هذا الكلام يُقال وهم ملتصقون بنافذة الطابق الثاني، لكان الأمر مؤثراً حقاً.
“ابتعدوا قليلاً عن النافذة وتكلموا.”
ما أنتم؟ أشباح؟
“آه! الآنسة نظرت إلينا!”
“أخيراً! أخيراً تحدثت إلينا!”
“آآخ! لا تدفع، سأسقط!”
“هاها! لن تتمكن من دفعي بهذه السهولة.”
بينما كان فرسان سارين يتنافسون فيما بينهم على مكان عند النافذة بشكل يثير السخرية، قام فريق رعاية بطردهم (جسدياً) دون رحمة.
“إياا! إياا!”
“آه، سأسقط!”
“يا إلهي.”
الفرسان الذين سقطوا لم يفقدوا حماسهم،
بل ركضوا معاً قائلين إنهم سيذهبون لتقديم التماس لسيدهم.
هل يجب أن يمتلك المرء هذا النوع من “برود الأعصاب” ليكون فارساً تحت إمرة أبي؟
“آنسة.”
“ماذا ستفعلين الآن~؟”
نظرت إليّ رينا ويوني بابتسامة خبيثة.
“اخرجن جميعاً.”
“فجأة هكذا؟ يمكننا البقاء هنا.”
“أجل، سنكون هادئات جداً.”
“اخرجن.”
طردتُ فريق رعاية الذي واصل الابتسام بقوة، وأغلقتُ الباب بإحكام.
ثم، ووسط توتري، أخرجتُ الغرض الذي تلقيتُه كهدية مؤخراً.
التعليقات لهذا الفصل " 97"