الفصل 96
“هكذا إذًا، انتهى الأمر بهذا الشكل.”
ضحك الرجل بفتور ثم أطلق زفرة استهزاء.
“يبدو أن آنستي الصغيرة هي ‘نقطة تفرد’ بكل ما للكلمة من معنى. لا تتوقف أبدًا عن القيام بأمور غير متوقعة.”
عندما بدأ اللحن يتردد في لحظة ما، اهتز النطاق، ومع النغمات الصافية، تلاشت كل الملوثات التي صنعها.
رغم أن خطته قد فشلت تمامًا، إلا أن الرجل لم يبدُ منزعجًا بشكل خاص.
في الواقع، كان الأمر كذلك منذ اللقاء الأول.
بذلك الجسد الهش الذي بدا وكأنه سيموت دون أن يلفظ نفسًا لو لمسه بشكل خاطئ، لم يشعر تجاهها بأي نية قتل، رغم نظراتها الصافية التي كانت ترمقه بصمت.
حينها، فكر فقط بأنها “فريدة”.
“لحن يغسل الأوهام.”
أليست هذه موهبة قد يفقد السحرة صوابهم طمعًا فيها؟
بل وبدا أن رتبة قوتها الخارقة كانت عالية جدًا. فرغم أن قوته كانت تضعف بسبب صراع النطاقات، إلا أنها استطاعت محوها في لحظة.
في اللحظة التي فكر فيها بإغراء اختطافها وإعادتها معه.
“لقد جئتَ إلى هنا في النهاية.”
لولا ذلك الصوت الذي زعزع أفكاره، لكان بالتأكيد قد التفت واختطفها.
“كنتُ أتساءل أي أحمق تجرأ على تدنيس نطاقي –.”
في أعمق أعماق العالم الموازي، نطاق “ناتاي “.
في المكان الذي يحاكي قدس أقداس القصر الإمبراطوري، ظهرت “ناتاي” وهي تغطي وجهها بمروحة يد.
“– اتضح أنه وجه مألوف.”
“بما أنكِ ترفضين مقابلتي.”
“هل هناك سبب يدفع ‘أنا’ لمقابلة مقتحم وقح؟”
“رغم ذلك، لم أتوقع أن تدخلي هكذا بشكل هجومي. ظنتتُ أن ‘ناتاب النائمة’ لا تملك اهتمامًا بهذه الأمور كما يوحي لقبها.”
“يا لك من وقح.”
تسللت ضحكة من خلف المروحة.
“أن تحكم على ‘أنا’ كما يحلو لك، هذا وقاحة تامة. ومع ذلك، كنتَ على حق.”
لو كان شخصًا آخر، لما أولت الأمر أي اهتمام.
“من سوء حظك أن كلاهما بشر تجمعهما علاقة بـ ‘أنا’.”
أمالت “ناتاي” رأسها على المروحة المطوية، دون أن تخفي مودتها الشديدة تجاههما.
“كلاهما لطيفان للغاية.”
أحدهما لم يكن يملك ذرة من اللطافة ليُقال عنه “لطيف”، لكن بيسيون كان لطيفًا بحق، لذا ارتسمت ابتسامة رضا على شفتي “ناتاي”.
ظهر شعرها الأحمر الطويل ومنحنيات جسدها الرشيقة تحت الضوء الخافت. كان جمالًا يفتن أي شخص، لكن الرجل ظل غير مبالٍ.
“يبدو أنهما نالا إعجابكِ حقًا.”
“ألا تكون هذه الحياة الطويلة مملة لولا وجود مثل هذه المتعة؟”
“ستكون مملة حتى بوجودها.”
رسمت “ناتاي ” ابتسامة مائلة.
“إذًا، ما هو السبب الذي دفعك لإثارة كل هذه الفوضى لمقابلتي؟”
“صفقة؟”
“هوه.”
ضاقت بؤبؤ عينها الأرجوانية.
” ‘أنا’ لا أعقد صفقات مع أي كان.”
“سيختلف الأمر عندما تسمعينها.”
“أتساءل ما الذي تخطط له.”
“أليست أهدافنا متشابهة على أي حال؟ أنتِ تريدين ‘قتل التنين’ . وأنا –.”
“صيد السحرة.”
قاطع صوته المغري كلماته، وكأنها تعرف هدفه تمامًا.
“تشي-يين.”
“…….”
“ألا تزال تكره النجوم؟”
انحنت عيناها الذهبيتان المتألقتان كالنجوم برقة.
“هل تنوي تدمير العالم حتى؟”
“لن أفعل شيئًا مملًا كهذا حتى لو طُلب مني.”
أطلق الرجل ابتسامة خالية من المشاعر، بنظرات يسودها السأم والملل.
“حتى لو دُمر العالم، نحن لن نموت، أليس كذلك؟”
بما أننا خالدون.
ضحكت “ناتاي” وهي ترمق الرجل الذي ابتسم بجاذبية قاتلة وكأنه يفكر في أن مشاركة العالم مصيره كان ليكون أكثر متعة.
“حسناً، هذا مثير للاهتمام بالتأكيد. فجأة، أصبح لدي فضول لمعرفة ما ستهذي به. تفضل، قُل ما عندك.”
***
زيينغ-.
كانت نظرات بيسيون تتفحص جانب وجه آريلين.
رغم أن الضوء الخلفي حجب الكثير، إلا أن وجنتيها الممتلئتين، وشفتاها الناعمتان، وحتى كل رمش من رموشها الطويلة.
لم يكن هناك شيء لا يثير إعجابه.
رغم أن عينيها، اللتين تلمعان كأجمل ما يكون، لم تنظرا إليه.
تذكر آريلين وهي تنظر إليه قبل ساعات قليلة تحت سماء مرصعة بالنجوم، بعينين دامعتين وكأنه لم يبقَ في العالم سواهما.
بيسيون يعرف الآن. أن آريلين بدأت تحبه كثيرًا.
وهذا جيد.
يفترض أن يكون سعيدًا.
ولكن لماذا يشعر بهذا التوتر والعطش الذي يحرق حنجرته؟
منذ البداية، كان حجم العاطفة غير متكافئ، وبيسيون بدأ وهو يدرك ذلك.
تفاوت يثير الشجن.
القلق والحدس بأن هذا الحب من طرف واحد قد لا يتحقق أبدًا، كان ينهشه ببطء رغم أنه لم يبح به لأحد.
ومع ذلك، هو يحبها.
لدرجة أنه اتخذ خيارًا لا ينبغي لولي عهد القيام به أبدًا، وجاء للبحث عن آريلين في العالم الموازي.
حياة البشر الذين يتشابكون مع الخالدين تصبح بائسة.
فالارتباط العميق بكيان يعيش في خط زمني مختلف كان يعني ذلك بالضرورة.
لذلك، لم تكن عائلة آليرمان الإمبراطورية تتواصل مع الخالدين حتى بعد اعتلاء العرش.
لأن كل تلك الكائنات التي لا تنتمي لعالم البشر كانت من مسؤولية عائلة هالبيرن.
ومع ذلك، ليس لديه ندم.
لماذا؟
لأنه أمسك بيد آريلين التي كانت منكمشة على نفسها في الظلام.
ولأنه استطاع جعل آريلين، التي كادت تنهار، تقف على قدميها مجددًا.
إذا فكر هكذا، فهل هو فاشل كولي عهد؟
اخترق اللحن الأنيق قلبه.
تلك المشاعر التي لا يعرف متى بدأت، نمت تدريجيًا حتى أصبحت كبيرة لدرجة لا يمكن احتواؤها أكثر.
المشاعر التي كدّسها بعناية بدأت تتبعثر وتنهار. القلب الذي امتلأ بدأ يفيض ولم يعد بالإمكان إخفاؤه.
“آريلين.”
لم أعد أستطيع تخيل عالم بدونكِ.
كل عالمي هو أنتِ.
أنتِ فقط، لا أحد سواكِ.
هل يمكن لشخص أن يحب شخصًا آخر بهذا القدر الطاغي؟ هل من الممكن أن تنشأ عاطفة لها الأولوية على أي شيء آخر؟
بحياته القصيرة وخبرته الضئيلة، لم يجد إجابة، لكن بيسيون أدرك مع ذلك أن هذا ليس طبيعيًا.
يشعر وكأنه يغرق ويختنق وحده في العالم الذي خلقته هذه المشاعر العميقة.
عقله يطالبه بإيقاف هذه العاطفة الآن، لكن عقلاً آخر يرد عليه بأنه لو كان قادرًا على إيقافها، لكان قد فعل ذلك منذ زمن طويل.
يريد البكاء.
لأن اللحن الحلو والجميل كان رائعًا.
ولأنكِ، وأنتِ تعزفين، كنتِ جميلة جدًا.
ولأنكِ بعيدة جدًا.
رغم أنكِ قريبة هكذا، إلا أنني أشعر أنكِ بعيدة جدًا.
في الخلفية التي تتلاشى، سقط ضوء نحيل ليضيء آريلين. ابتسمت آريلين بوجه متورد وجميل.
تكسر الضوء وتناثر.
وبصفته الشاهد الوحيد والمراقب الكامل لهذا المشهد، شعر بيسيون بحدس.
حدس بأنه، يومًا ما، سيندم بالتأكيد على هذه اللحظة.
يبدو أن صدى الألحان المتناثرة لا يزال عالقًا في أذني.
لم يأتِ تصفيق مدوٍ، لكن الحرارة المتبقية في يدي تركت أثرًا طويلاً.
***
جروحي القديمة التي ظننت أنها لن تزول أبدًا.
كل ما أحببتُه بشدة وفي نفس الوقت كرهتُه بشدة، كل ما رغبتُ فيه لدرجة الموت وظننتُ أنني لن أملكه أبدًا فاستسلمتُ في النهاية.
ظننتُ ذات يوم أنني لن أتمكن من الهروب من هذا الظل أبدًا.
“آه…….”
بعد انتهاء العزف، انتابني الخجل. فجأة شعرتُ أنني ضئيلة وبلا قيمة.
شعرتُ وكأنني أظهرتُ لبيسيون جانبًا خاصًا وحميمًا من أعماقي لم أكن أريد كشفه لأحد.
ومع ذلك، شعوري بأن الأمر “بخير”.
لا بد أن ذلك لأن الشخص هو بيسيون.
“– آريلين.”
ابتسمتُ عندما تلاقت نظراتنا.
لأن هذه المعجزة ما كانت لتتحقق لولاك أنت الذي لم تتغير أبدًا.
بقلب مرتاح، نظرتُ إلى “غوارنيري” الذي لا يزال في يدي.
صديقي الذي شاركني كل معاناتي ومجدي وحزني وألمي.
“شكرًا لك.”
شكرًا لأنك كنت معي طوال تلك الأوقات التي دُفنت فيها وأنا لا شيء.
“وداعًا.”
بااات-.
مع الوداع القصير، تحول غوارنيري إلى ضوء واختفى.
وكأن الفجر قد بزغ، انقشع الظلام وأصبح كل ما حولي مشرقًا.
“لنعد الآن حقًا.”
التعليقات لهذا الفصل " 96"