لطالما بدت أخته كبيرة وقوية في نظره، لكن بمقارنتها بيده التي كبرت فجأة، بدت صغيرة وهشة للغاية.
– يجب أن تستيقظ، فالير. عليك أن تتعلم الكثير لتخلف عائلة هالبيرن مستقبلاً.
“ألا يمكن لـكِ أنتِ أن تخلفيها؟”
– ذلك الإنسان لن يسمح بهذا أبدًا، أليس كذلك؟
تعالت ضحكة خافتة.
بذلك الوجه الجميل، والمظهر الأكثر رقة من أي شخص، كانت تلك الطريقة الجريئة في الكلام تخص أخته دون شك.
خرجت منه ضحكة ساخرة، لكن فالير أطبق شفتيه لأنه شعر برغبة في البكاء.
“كنتُ أعلم.”
لأن أخته هي الوحيدة القادرة على تحطيمه، كان يعلم أن الكابوس لن يظهر له سواها.
“لكن لماذا لا أشعر بالانزعاج؟ لماذا أشعر بالامتنان؟”
أهو بسبب السماح له برؤيتها هكذا؟
لأن هذا الوهم كامل يقدمه كابوس عازم على التهام روحه، وليس مجرد طيف ناقص من عقله المحطم؟
ولكن.
“ما الذي تغير حقًا؟”
أهذا حلم، أم خيال، أم كابوس، أم واقع؟
فالير الذي تعثر في ماضٍ لا يستطيع الهروب منه سواء أغلق عينيه أو فتحهما، كان يفشل أحياناً في تمييز الواقع.
تمامًا كما هو الحال الآن.
“ألا تكرهينني يا أختي؟”
– لا أكرهك.
“ألا تشعرين بالاستياء مني؟”
– كيف لي أن أستاء منك؟
“ولكن.”
لو لم أكن موجوداً، لكنتِ حرة.
كان فالير يعرف أخته جيداً.
حتى بدون اسم هالبيرن، كانت سيوني إنسانة موهوبة.
لو نجحت في الهرب، لربما كانت ستعيش حياة جيدة ومرفهة.
رُغم أن قلبها سيتحطم لأجل والدتها المسجونة تحت وطأة والدهما، إلا أنها كانت تملك الشجاعة لتركها والهرب؛ لأن والدتها أرادت ذلك ولأن أخته كانت قوية العزيمة.
حتى عندما تقرر الزواج السياسي، كان بإمكان سيوني الهرب.
“كان ذلك بسببي.”
لأنها لم تستطع الهرب وترك أخيها الصغير خلفها.
لأنها كانت تدرك تماماً ما سيحل بأخيها إذا غابت حمايتها. ولأنها كانت تعلم أن أخيها……
لن يتخلى عن صديقه الوحيد من عامة الشعب.
طفل واحد كان سيعيق عملية الهروب، أما طفلان فكان الأمر مستحيلاً.
– ليس خطأك.
أجل، لأنها طيبة، لا بد أنها ستقول ذلك.
– أخي المسكين والضعيف.
بما أن هذا مجرد خيال من صنعي، فلا بد أنه لا يحمل ذرة واحدة من إرادة أختي الحقيقية.
ومع ذلك، كان يمقت نفسه لشعوره بالتعزية…….
وكان يحتقر نفسه لعجزه عن رفض هذا المواساة المعسولة التي تشبه رحيقاً يتذوقه بعد ظمأ شديد.
– فالير.
– عِش حياتك.
– لا تتقيد بأي شيء.
ولكن يا أختي.
“كيف لي ألا أتقيد؟”
وأنتِ هي ذلك القيد.
كنتُ أفضل لو أنكِ شتمتِني. لو كرهتِني واستأتِ مني وحقدتِ عليّ ومقتِّني.
“أنتِ تجعلينني ضعيفاً دائماً.”
الحب الذي منحتِني إياه كان كبيراً ومرهقاً جداً، كان يفيض عن طاقتي…… لذا فإن بقاءه وحيداً جعله يعاني دائماً من شعور بالعجز وكأنه عاد طفلاً صغيراً.
رغم مرور الوقت، ونموه، وقدرته الآن على فعل أي شيء.
رغم أنه قتل والده الذي ظن يوماً أنه لا يقهر، والذي لم يكن يراه حتى كبشر.
لم يكن قتل والده الذي كان يجري التجارب على البشر ويقمعهم بقواه ويعامل أطفاله كأدوات أمراً صعباً، لكنه لم يستطع المساس بأخته حتى وإن كانت خيالاً.
بإمكانه محو هذا الإغراء بلمحة بصر لو استخدم قواه أو أراد الهروب.
لكنه لم يفعل.
لأنه أراد البقاء في هذا الحلم للأبد.
“أختي.”
أكان مجنوناً، أم في طريقه للجنون، أم أنه جُنّ بالفعل…… لم يعد قادراً على تقييم حالته.
آه، لو جُننتُ حقاً لكان مشهداً يستحق الرؤية.
رغم ضحكته الساخرة، لم يجد سبيلاً لإخفاء مشاعره المزرية.
اليأس الذي يشبه الاستسلام، والإحباط المألوف، استمرا في طحنه وتحطيمه. كانت لحظة مألوفة جداً لدرجة أنها لم تعد تؤلمه.
“أختي…….”
– …….
“ليتكِ أخذتِني معكِ.”
– هل تود الذهاب إذاً؟
انطلقت منه ضحكة جوفاء أمام اليد البيضاء الممدودة نحوه وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة.
كان يعلم أن هذه ليست أخته، ويعلم نية الوهم في خداعه لـ ألتِهَمه بالكامل، ومع ذلك،
أراد الإمساك بها.
فكر في الاستسلام للإغراء والادعاء بالجنون حقاً.
وفي تلك اللحظة التي جرفته فيها الرغبة بلا هدى.
زيينغ-
تردد لحن خافت في الفضاء المغطى بالظلام.
“هذا…….”
نغمة صافية لم يسمعها من قبل في حياته. قوة سحرية يشعر بها لأول مرة، تكمن في كل صوت جميل ومتناغم.
موسيقى عذبة تغسل الكابوس وتستحضر الذكريات السعيدة، سحبته بقوة إلى الواقع في لحظة.
استعاد بصره تركيزه بعد أن كان باهتاً.
“آه.”
ما الذي كنتُ أوشك على فعله؟
حياتي لم تعد ملكي بالفعل.
كيف أفكر في الموت هكذا كما يحلو لي.
“ابنك أيضاً، سيقتلك يوماً ما.”
تلك كانت اللعنة التي تركها والده البيولوجي.
الشخص الوحيد الذي يملك الحق في محاكمته في هذا العالم هو شخص واحد فقط.
“أبي!”
ذلك اللقب الذي لم يُناده به أحد من قبل، تردد صداه في أعماق قلبه.
اللحن القادم من بعيد طرد الظلام وجعل الإغراء يتلاشى. بدأ الضوء يتسلل.
وكأنه الخلاص.
“لم أعد أحلم بمثل هذه الأحلام.”
خيال أن شخصاً ما سينقذه لم يكن سوى حلم طفولي ساذج.
بعد أن فقد أخته، أصبح رجلاً لا يرجو الخلاص.
وهل فكر يوماً في أن يكون هو المنقذ؟
مستحيل.
فهذا لا يليق به وليس من طبعه.
لكن، إذا كانت تلك ابنته.
“يجب أن أنقذها.”
نهض فالير مترنحاً.
في اليوم الذي اعتُرف فيه به كأب لأول مرة، كان الجو غائماً ولم يكن يوماً جميلاً.
****
“استمع إليّ.”
عندما طلبت آريلين ذلك، لم يتخيل بيسيون أبداً ما سيحدث بعد ذلك.
ما الذي تنوي فعله؟
لذا.
زيينغ-
عندما تلامس قوس الكمان مع الأوتار، شعر بيسيون بصدمة تشبه الصاعقة في روحه بسبب اللحن الذي أنتجاه.
‘جميل.’
كانت هذه المرة الأولى في حياته التي يشعر فيها بالتأثر لسماع شيء ما.
شعر وكأن شيئاً ما يتلألأ أمام عينيه.
بالطبع، كانت آريلين هي الأكثر لمعاناً.
رغم أنها صاغت ذلك اللحن الجميل بأناملها، إلا أن آريلين كانت تملك تعبيراً يوحي بالألم والحزن.
تعبير يتناقض مع لحن اللطيف الذي يكاد يذيب الأذنين من فرط حلاوته.
‘لماذا…….’
لماذا ترتسم على وجهها هذه الملامح المتألمة؟
رغم معرفته بالقاعدة غير المكتوبة بأن عائلة هالبيرن تمتلك الكثير من الأسرار، على عكس العائلة الإمبراطورية، وأنه لا ينبغي محاولة النبش فيها أو معرفتها بعمق، إلا أن بيسيون لم يمتلك أي قدرة على ضبط النفس فيما يخص آريلين.
أراد أن يعرف.
بماذا تفكر، ماذا تحب، وماذا تكره؛ أراد التهام كل شيء في عقلها وروحها بالكامل دون استثناء.
هذه المشاعر الخام لم تكن جميلة ولا نقية، لذا كان يكبتها غريزياً.
رغم محاولته السيطرة على نفسه.
‘آريلين…….’
إلا أن مثل هذه اللحظات العصيبة كانت تهاجمه من حين لآخر.
التعليقات لهذا الفصل " 95"