الفصل 93
كانت بضع كلمات كافية لإحداث صدع في السلام الذي كنتُ أحاول جاهدة الحفاظ عليه.
“إنّه عزف جميل مهما سمعتُه.”
تلك كانت الموجة التي ألقاها معلمي، المبدع إيمانويل.
“ساي بوم-آه، لقد وُجد صوتكِ دائمًا لأجل شخص آخر.”
كمانِي وحياتي، كانا موجودين فقط لأجل أمي.
“لقد راودني هذا التساؤل.. عزفكِ رائع دائمًا، لكن لسبب ما أشعر أنني لم أسمع عزفكِ الحقيقي ولو لمرة واحدة.”
“ساي بوم-آه، هل عزفتِ يومًا لأجلكِ أنتِ؟”
“فقط لأجل أن تستمتعي بنفسكِ؟”
منذ متى كان ذلك؟
منذ متى لم أعد قادرة على العزف على الكمان؟
منذ متى بدأت أشعر أن حياتي، التي كنتُ أظنها مرضية تمامًا، ليست سوى دمية ماريونيت على مسرح ملتوي؟
لأجلي.
ظل سؤال معلمي ذاك يتردد طويلاً حتى أصبح غصة في قلبي.
ما هو الاستمتاع؟
ماذا يعني أن أفعل شيئًا لأجلي؟
كان عزفي دائمًا موجودًا لأجل أمي.
كان الكمان بالنسبة لي مجرد وسيلة.
لأن أمي تحبه، ولأجل إدخال السرور على قلبها، ولأجل أن أحظى بحبها.
لم يكن هناك وجود لـ “أنا” في ذلك كله.
بداية الكابوس هي نفسها دائمًا.
ممر مظلم، وفي نهايته مسرح.
بأنفاس مرتجفة صعدتُ إلى المسرح، حيث يقبع بيانو ضخم وعازف مرافق غير مرئي، وخلفهما تترائى ظلال سوداء لأشخاص لا حصر لهم.
“المرشحة الأقوى للفوز…….”
“ربما تحطم الرقم القياسي كأصغر فائزة…….”
“تلميذة إيمانويل المفضلة…….”
المسرح الذي لم أستطع إكماله أبدًا.
بداية يأسِي.
كان هذا هو اليوم الذي تخلت فيه أمي عني.
ربما كانت المسابقة الأخيرة.
لو فزتُ بهذه المسابقة فقط، لكنتُ قد حزتُ على لقب فائزة بمسابقة دولية، ولما فعلتُ شيئاً بعدها سوى إحياء الحفلات المنفردة.
لكن عند تلك العقبة الأخيرة، لم أستطع العزف.
“هل عزفتِ يومًا لأجلكِ أنتِ؟”
في اللحظة التي لم يتبقَّ فيها سوى أنا والكمان، أصبحت كلمات معلمي قيدًا يكبلني.
لم تتحرك يدي.
لم أستطع العزف.
رغم أنها نوتة كنتُ أعزفها وكأنني أتنفس، إلا أن يدي لم تتحرك وكأنني نسيت الطريقة. حتى الآلة شعرتُ بثقلها لدرجة أن ذراعي هبطت.
لا يزال كل شيء في ذلك اليوم محفورًا بوضوح بداخلي.
“كيف يمكنكِ أن تخيبي أملي هكذا؟”
اليوم الذي أفسدت فيه ابنتها التي كانت تفتخر بها وتعتبرها نسخة منها، المسابقة النهائية بوقوفها غبية دون أن تعزف شيئًا.
“كيف أمكنكِ فعل ذلك؟”
كلمتان فقط قالتهما لي أمي وهي ترتجف من شعور الغدر.
اجتمع فيهما كل اللوم والغضب وخيبة الأمل.
دون أن تطلب تفسيرًا أو تسأل عن السبب، نظرت إليّ بعينين باردتين ثم تركتني ورحلت.
كانت تلك آخر صورة أتذكرها لأمي.
لقد تخلت عني أمي.
والأمر المضحك هو أنني بعد ذلك التخلي، لم أعد قادرة على العزف على الكمان مجددًا.
“أعتقد أنني لن أستطيع العزف بعد الآن.”
“تعالي إليّ متى ما شعرتِ أنكِ قادرة على العزف مرة أخرى.”
هكذا قال معلمي الذي كان يقدر موهبتي، لكنني لم أعزف الكمان أبدًا بعد ذلك.
أمي لم تبحث عني، ولم تسامحني، ولم تعد تحبني.. أنا “الابنة الفاشلة” التي خيبت أملها.
بدلاً من ذلك، بدأت تبحث عن بديلة تحقق أحلامها دون تذمر، بدلاً من قطعة معيبة مثلي.
أتذكر ما قاله أبي عندما استقبلت أمي تلميذة جديدة.
“أُمكِ تفعل ذلك لأنكِ خيبتِ أملها وهي تتألم بشدة.. يجب أن تتفهمي، فأمكِ امرأة مسكينة جداً، أليس كذلك؟”
ماذا عني أنا إذًا؟
أنا التي لم يكن لديّ سوى أمي حتى الآن؟
لقد تُركتُ وحيدة.
لا شيء.
لم يتبقَّ لي شيء.
حتى الموهبة المتألقة كانت قيمتها تكمن في القدرة على العزف، وبدون الكمان، أنا…….
بالنسبة لي.
بدون أمي، أنا لا شيء…….
“لقد حاولتُ.”
لقد بذلتُ قصارى جهدي.
بذلتُ حياتي كلها لأحظى بالاعتراف والحب، فإذا كان كل ذلك يُنسى ويُستبدل بهذه السهولة، فماذا كان المعنى من كل ذلك؟
ابتلعني اليأس الذي ظننتُ أنني نسيته.
المشاعر التي ظننتُ أنها تبلدت عادت تنهش قلبي، والإحباط الذي ظننتُ أنه مضى عاد ليطرحني أرضًا.
لم أحظَ بالحب لذاتي أبدًا.
ظننتُ أنني إذا تركتُ الكمان، سأتمكن من الحصول على الحب كابنتها فقط، ولكن…….
لم أحظَ بالحب.
أمي لم تكن تحبني أنا.
أمام هذه الجملة الواضحة كالشمس، انهرتُ وأنا أتوق لحب لا يمكنني الحصول عليه.
ربما ستلتفت إليّ أمي يوماً ما.
مستحيل ألا تحبني أمي.
هي فقط تهملني الآن لأنها غاضبة جداً..
وعندما يزول غضبها، ستأتي وتضمني مرة أخرى.
أليست هذه هي علاقة الوالدين بأبنائهم؟
أليس هذا ما يقوله الجميع؟
في المنزل الغارق في الظلام حيث لا يدخله أحد، كنتُ أنتظر أمي وحدي وأنا أستمع لصوت عقارب الساعة.
أراقب الباب الذي لا يُفتح.
يوماً بعد يوم.
حتى اعترفتُ لنفسي أخيراً بأن أمي قد تخلت عني.
“أمي…….”
رغم ذلك، كنتُ أظن أنها ستسألني ولو لمرة واحدة.. لماذا فعلتُ ذلك؟
كنتُ أظن أنها ستأتي لمرة واحدة لتضمني.
لمرة واحدة فقط.
لماذا تمسكتُ بمثل هذا الأمل؟
بدأتُ أنفق أموال العائلة بغزارة، وحبستُ نفسي في الفنادق أقرأ روايات الويب.. ورغم ضياع الأموال، لم يوبخني والداي، ولم تُغلق بطاقتي الائتمانية.
لامبالاة تامة.
تحطم الأمل في أن تبحث أمي عني يوماً ما، وأصبحتُ مثل جثة هامدة جافة.
وفي أحد الأيام بينما كان الوقت يمر بلا معنى.
عندما انتشر خبر فوز تلميذة أمي في المسابقة التي أفسدتُها، خرجتُ بتهور رغبةً في رؤية أمي، فتعرضتُ لحادث سير.
هكذا مِتُّ على الأرجح.
‘هل ندمت أمي بعد موتي؟’
سؤال لا معنى له الآن.
‘أمي…….’
هل شعرتِ حتى بالحزن؟
كان قلباً لا أستطيع التخلي عنه رغم كل تلك الجراح والألم المميت.
بكل حماقة وغباء.
كنتُ لا أزال أريد أن أحظى بحب أمي.
كنتُ لا أزال أحب أمي.
رغم وصولي لهذه الحالة، لا زلتُ كذلك.
لكن من سيحبني إذا كانت حتى أمي لا تحبني؟
أنا نفسي لا أستطيع أن أحب نفسي.
– لن ينقذكِ أحد.
– لن يحبكِ أحد.
– من سيحبكِ وأنتِ منبوذة حتى من أمكِ؟
تلك المشاعر المتقيحة التي كانت تنهشني وتصيبني بالمرض.
– لا أحد يساعدكِ.
– لا وجود للخلاص.
– الحياة تُعاش وحيداً.
أيدٍ سوداء رطبة وكئيبة تلتصق بي بجلي، تمسك بكاحلي، تقيد ساقي، وتقبض على عنقي النحيل في الظلام.
لأجل سحبي بعيداً.
– أنتِ تعلمين أيضاً.. من سيحب طفلة مثلكِ، ليست محبوبة ولا تملك ذرة من اللطافة؟ إذا أردتِ أن تُحبي، كان عليكِ أن تتصرفي بشكل محبوب.
– الجميع سيكتشف حقيقتكِ في النهاية ويملّون ويرحلون.. تماماً مثل أمكِ.
– لذا.
دعونا نختفي هكذا.
لن يكون ذلك سيئاً.
إذا ابتلعني الظلام، سأتمكن من الانتهاء كطفلة كانت محبوبة يوماً ما.
على أي حال، لن أعيش طويلاً، أليس كذلك؟
حتى لو استيقظتُ، لن يكون هناك سوى الألم والمعاناة.. إذا نمتُ هنا للأبد، سأكون سعيدة.
لذا.
وبينما كنتُ أوشك على الإمساك باليد السوداء الممدودة نحوي.
“آريلين!”
جفلتُ.
صوت يتردد بخفوت في الظلام.
“بيسيون ……؟”
هل هذه هلوسة سمعية أيضاً؟
لا بد أنني توهمت.
مستحيل أن يكون بيسيون هنا.
ضحكتُ بسخرية من نفسي.. هل يعقل أنني كنتُ أحب بيسيون لهذا الحد؟ لدرجة رغبتي في سماع صوته في لحظة كهذه…….
الظلام المتملق الذي يحاول ابتلاعي غطى أذني.. وفجأة، اهتزت البوصلة في حضني.
في تلك اللحظة.
“آريلين―!”
صوت أكثر وضوحاً.
رفعتُ رأسي.
تشواااك―
انهمر الضوء.
كان ساطعاً لدرجة أنني كدتُ أصاب بالعمى.
بين الضوء الساطع الذي يذيب الظلام، برزت يد بيضاء وأمسكت بي.
“آريلين!”
“―!”
رأيتُ وجهاً شديد البياض.. شعر فضي ناعم يغطي جبهة مستديرة.. رموش طويلة كثيفة وعينان حمراوان مفعمتان بالحياة وكأنهما صبغتا بالورود.
إذا كان للخلاص شكل، فهل سيكون بهذا المظهر؟
فتحتُ فمي لأقول شيئاً ثم أغلقته.. لم يخرج أي صوت.
فقط.
فقط تلك الابتسامة المشرقة التي تنظر إليّ كانت كل ما تراه عيناي.
“آريل، لقد جئتُ لأخذكِ.”
التعليقات لهذا الفصل " 93"