الفصل 92
انطلقت ضحكة خافتة. رمش بيسيون بعينيه عند سماع تلك الضحكة الصافية التي تردد صداها في الفضاء الفارغ.
وسرعان ما اخترق ضوء خافت الحاجز، وراحت يد حنونة تمسح على رأس بيسيون .
[‘القرارات التي تُتخذ تحت تأثير مثل هذه المشاعر، غالبًا ما يتبعها الندم يا بني.’]
كانت نصيحة تحمل في طياتها ثقلاً وحكمة.
[‘ومع ذلك، ألا تزال ترغب في ذلك؟’]
رغم علمه أنها نصيحة مقدمة لأجله، إلا أن بيسيون أومأ برأسه.
“حتى مع ذلك، أريد.”
منذ وقت ما، أصبح بيسيون شخصًا لا يملك خيارًا عندما يتعلق الأمر بآريلين. لقد وضع نفسه في مكانة الضعيف تمامًا.
حتى لو قدم كل شيء ولم يحصل على أي شيء في المقابل، طالما أن آريلين سعيدة، فسيكون هو أيضًا سعيدًا.
لأنه يحبها.
“لأن المراهنة بكل شيء وفعل أي شيء، أفضل من فقدان كل شيء دون فعل أي شيء.”
تجاه هذا الإصرار، كيف يمكن ألا تشعر “ناتاي” بالمودة تجاهه؟
[‘يا لك من طفل لطيف حقًا.’]
تنهدت “ناتاي “.
[‘لماذا كان عليك أن تتشابك مع طفلة ذات قدر محتوم كهذا……’]
رغم أن المستقبل يتراءى لها بوضوح، إلا أنها وجدت نفسها تشجعه.
[‘حسناً، “أنا” سأساعدك.’]
“حقاً؟!”
[‘أجل.’]
كان صوت الضحك الخفيف يحمل مودة باهتة.
[‘فأنا أيضًا، قد وجدْتُ شخصًا أود تأديبه للتو.’]
***
كوانغ!
اندلعت موجة صادمة إثر اصطدام قوتين في لحظة، مما أدى إلى تدمير كل ما حولهما.
تحطمت الأرض والجدران، وتطاير الحطام وتصاعد الغبار.
كان الأمر وشيكاً.
فقد كادت آريلين أن تُجرف في هذا الاصطدام.
“هذا غريب.”
مع التواء الخلفية، ظهر كيان غريب تمامًا.
“لقد جئت لمقابلة آنستنا الصغيرة.”
“…….”
“لماذا يوجد شيء غريب هنا؟”
ضيق فالير عينيه.
رغم أن قدرته على “رؤية الأسرار” كانت تعمل، إلا أن حقيقة الخصم لم تظهر بوضوح.
كل ما كان يمكن إدراكه هو عين ذهبية تلمع كعين وحش.
“أوه.”
ضحك الرجل باستمتاع عندما لاحظ أن نظرة فالير استقرت عليه.
“هل تراني؟”
“كلا.”
تحرك فالير أولاً. رد الرجل الهجوم دون عناء.
في لحظة قصيرة، تبادلا عشرات الضربات.
كوانغ!
المكان الذي صُمم ليحاكي القصر الإمبراطوري تحطم منذ فترة طويلة، وفوق الحطام الذي تحول إلى أنقاض، وقف الرجل وفالير في مواجهة بعضهما.
بما أن الهجمات لم تؤتِ ثمارها رغم استخدامه لقوته، تراجع الرجل خطوة للخلف وضحك.
“هذا مزعج.”
“تشي، رغم أن لدي جبلًا من الأعمال لاقوم بها.”
بينما كان يراقب خصمه المتراجع، أنهى فالير تقديره للموقف في لحظة.
“أنت من عبث بالحاجز إذًا.”
كان الدخان المتدفق من جسد الرجل كالأجنحة يتطابق مع الطاقة التي تلوث النطاق تدريجياً.
نطاق “ناتاي”، وهو العالم الموازي، تحول بشكل غريب إلى مكان لا يمكن التنبؤ به بسبب هذا التلوث.
“آه.”
برقت عينا الرجل بوميض مفاجئ.
“أنت دوق هالبيرن لهذا الجيل إذًا.”
“أنت تعرفني.”
“وكيف لا أعرفك؟ أنت مشهور جدًا.”
لقد أصبح الأمر مزعجًا حقًا. لم يتوقع أن يدخل دوق هالبيرن بنفسه إلى العالم الموازي.
حتى بالنسبة له، كانت قدرة هالبيرن الخارقة مزعجة قليلاً. وتحديداً، أصل تلك القوة.
“ماذا تفعل في نطاق غيرك؟”
“أبحث عن شيء ما.”
“ولماذا تلمس ابنتي؟”
“آه، ألا تعرف؟”
ضحك الرجل.
“تلك الطفلة، إنها ‘نقطة تفرد’، أليس كذلك؟”
في تلك اللحظة، تصلب جسد فالير.
“قوتي لم تؤثر عليها.”
“…….”
“لقد كانت أول ‘بشرية’ تخترق تخفيّ وتراني.”
رغم أنها تبدو هشة وكأنها ستموت لو ضُغط على يدها بقوة، إلا أنها كانت قوية ضد القوة التي تدفع حتى أقوى كائنات هذا العالم إلى الجنون والانتحار.
جسد هو الأضعف، وروح هي الأقوى.
“لم أرَ شيئًا مثيرًا للاهتمام كهذا منذ ولادتي.”
تصلبت تعابير فالير.
“وما علاقة ذلك بما تفعله الآن؟”
“لقد جئتُ فقط لإخراجها من هنا. لا أريدها أن تتأذى.”
هز الرجل كتفيه بتعبير يوحي بأنه حزين لأن نواياه الحسنة قد أُسيء فهمها.
“لم آتِ لأسبب المشاكل.”
“تتحدث وكأنك صادق.”
بالطبع، لم تنطلِ أعذار الرجل على فالير.
ضحك الرجل وهو يتفادى هجوم فالير ببراعة.
“لا تفعل ذلك، فأنت لن تتمكن حتى من خدشي على أي حال.”
لو بذلا قصارى جهدهما لكان ذلك ممكناً، لكن لم يكن لدى أي منهما النية للقيام
بذلك.
“أعتقد أن عليّ الذهاب الآن. لدي الكثير من العمل. ورغم مظهري هذا، أنا شخص مشغول، هل تعلم؟”
“هل تظن أنني سأدعك تهرب بسهولة؟”
“ألا يجب أن تهرب أنت أيضًا؟ إذا استمر الأمر هكذا، فستُحبس هنا. حتى لو كنت من هالبيرن، لن يكون من السهل الخروج.”
“أعتقد أن منعي لك هو الأمر الأكثر أهمية.”
“يا إلهي.”
لمعت العين الذهبية ببريق غامض.
“إذًا لا مفر.”
في تلك اللحظة، استعد فالير للدفاع غريزيًا أمام هيبة عارمة.
ظن أن هجوماً هائلاً سينهمر عليه، لكن الدخان الذي كان يتمايل وكأنه سيلتهمه اختفى فجأة دون أي هجوم.
“…… هل أفلت؟”
قطب فالير حاجبيه.
لم يتوقع أن يفرّ الخصم بهذه السهولة رغم قوته.
‘هل كان كائناً خالداً؟’
بينما كان يستنتج هوية الرجل، أطلق فالير تنهيدة خافتة.
ساد الصمت في الأرجاء المظلمة.
بما أنه لا يمكنه تتبع العدو المجهول الآن، كان عليه العثور على ابنته وإعادتها.
ربما كانت تلك خطته.
– فالير.
“آه.”
أجل، لم يكن ليرحل هكذا ببساطة.
– فالير، تعال إلى هنا.
اتخذ خيال العالم الموازي الملوث شكلاً ماديًا وبدأ في إغراء فالير.
رغم علمه بأنه يجب ألا ينجذب، وأن هذا مجرد خيال، وأنه إذا قُبض عليه هنا فستكون نهايته.
إلا أنه لم يستطع تجنب اليد الممدودة من الخيال الذي يحمل وجه أخته وجسدها.
– أخي اللطيف.
إنه مجرد خيال بلا شك، خيال تافه.
عقله يدرك أنه يجب أن يرفضه ويقتله.
لكنه يبدو حقيقيًا جدًا.
وحرارة اليد التي تلمس وجنته كانت دافئة للغاية.
لذا.
“أختي.”
فقد فالير كل رغبة في القتال واستسلم تمامًا في لحظة.
غطى اليد التي تلمس وجنته بيده، وأغمض عينيه وهو يمسح وجنته ببراحة يدها.
حتى وهو يعلم أن هذا خيال.
“كيف لي أن أقتلكِ يا أختي؟”
***
“…… أبي.”
في الظلام الدامس، كنتُ الوحيدة على قيد الحياة.
وقفتُ مذهولة وأنا أحمل البوصلة الفضية التي تبعث ضوءاً خافتاً. وامتلأت عيناي بالدموع.
‘ماذا حدث لأبي؟’
رغم أنني لم أكن أعتبره والدي حقاً، إلا أنني كنت قلقة جداً عليه. في هذه اللحظة، شعرتُ أنني قد أقبل به والداً لي حقاً.
رغم أنه كان أصغر من أن يكون أباً، ويبدو كبطل رواية رومانسية خيالية للكبار، ورغم أنه شخص غريب الأطوار لا أعرف بماذا يفكر.
إلا أنه جاء لإنقاذي.
كنتُ أدرك أنني أستسلم بسهولة، لكن بالنظر إلى والدي في حياتي السابقة، لم أستطع منع قلبي من أن يلين.
فوالدي الحقيقي أهملني ولم ينظر إليّ بمجرد أن تخلت عني أمي.
بالمقارنة معه، دوق هالبيرن جاء للبحث عني.
حاول إنقاذي.
ولم يتركني وحدي.
رغم أنني لم أكن أفكر فيه كأب حتى…….
“سيكون بخير، أليس كذلك؟”
على الأقل ميهين قال إنه قوي لدرجة أنه سيعود حياً أينما أُلقي به. لن يتأذى أو يموت، اليس كذلك؟
الظلام كان دائماً يجعلني ضعيفة.
ربما لأنه يذكرني بالوقت الذي تركتني فيه أمي وحيدة، أو ربما لأنني في الأصل شخص ضعيف، لا أعرف، لكني حاولت جاهدة تحريك جسدي المرتجف.
“أنظري للأمام فقط، لا تُجِبي أحداً إذا ناداك، أتذكري الذكريات السعيدة فقط، وأتخيلي أكثر شخص تشتاقين إليه…….”
أردت تذكر وصايا أبي، لكن تنفيذها لم يكن سهلاً.
ظللتُ أفكر في أبي.
وفي تلك اللحظة، تذكرتُ وجهه وهو يبتسم ويسألني إن كنتُ سأناديه “أبي” الآن فقط.
وكأن منادته بـ “أبي” كانت أهم شيء في العالم.
“عندما نعود، سأناديه ‘أبي’.”
سأناديه حتى يملّ من ذلك.
“النظر للأمام، عدم الإجابة، الذكريات السعيدة، الشخص الذي أشتاق إليه.”
تحركتُ وأنا أشهق.
بما أن البوصلة الفضية التي أعطاني إياها أبي كانت تطلق ضوءاً خافتاً وتدلني على الطريق، استطعتُ التحرك.
“من أين حصل على أثر كهذا؟”
بدا الأثر عظيماً بمجرد النظر إليه، مما زاد من قلقي. هل سيكون أبي بخير بدونه؟
أعلم أنني في وضع لا يحسد عليه، لكن إذا حدث مكروه لأبي…….
كي-كي-كي.
ربما لأنني واصلت التفكير في أمور حزينة، سمعتُ ضحكة كريهة من خلف الظلام.
تشرك.
ظهر صدع في البوصلة التي كانت تدور.
“آه.”
أمسكتُ بالبوصلة بقوة مرة أخرى وحاولتُ التفكير في أمور سعيدة والشخص الذي أشتاق إليه.
لقد فعلتُ ذلك بالتأكيد.
– ساي بوم-آه.
في اللحظة التي سمعتُ فيها صوتاً لا يمكن سماعه، واسماً لا يمكن أن يُنادى به، توقفتُ دون وعي.
“آه.”
تشرك.
ظهر صدع آخر في البوصلة.
– ساي بوم-آه، لي سايبوم!
“أوه؟”
أجبتُ دون أن أشعر.
وفي اللحظة التي أدركتُ فيها خطئي، حدث اضطراب في الظلام.
‘آه، لقد هلكتُ.’
لا.
أليس استخدام اسمي من حياتي السابقة هنا غشاً؟
التعليقات لهذا الفصل " 92"