كنتُ أعتبر رغبته في نيل عاطفتي، ومطالبته بأن أناديه “أبي”، وتودّده لي، مجرد نكات سمجة لا قيمة لها.
هل كانت كلّها ناتجة عن تحيّزي وأفكاري المسبقة؟
ربما كنتُ أنا من وضع الجدران أولاً، ورفضتُ رؤية هذا الرجل على حقيقته واكتفيتُ بدفعه بعيدًا.
“…….”
لا أعرف كيف أتعامل مع هذه العاطفة الخرقاء التي يُظهرها بالأفعال لا بالأقوال.
لم ينطق بكلمة واحدة معسولة عن حبّه لي أو معزّتي لديه، وحتّى نظراته لا تزال تبدو غريبة وكأنّه ينظر إلى شخصٍ غريب، ورُغم ذلك…….
“ألم تشعري بالخوف؟”
“أجل.”
“هل تشعرين بالألم في مكانٍ ما؟”
أفعاله وحدها كانت تفيض بهذا القدر من الحنان.
كأبٍ حقيقي.
“أنا بخير.”
عندما هززتُ رأسي، لمست يدُه الكبيرة التي يمكنها تغطية وجهي بالكامل جبيني بحذر.
“حرارتكِ طبيعيّة.”
كانت يدًا حنونة وخرقاء في آنٍ واحد.
لدرجةٍ جعلتني أشعر بغصّة.
“…… أبي؟”
“نعم؟”
لا بدّ أنه سمع صوتي الخافت بوضوح، لكنه سأل بمزاح وصوتٍ تملؤه الضحكة.
“لم أسمع؟ هل تعيدين قول ذلك، يا ابنتي؟”
“…….”
لم ينفع التحديق فيه بغيظ. كان طرفا شفتيه المرتفعان ببراعة وعيناه المنحنيتان بنعومة جذّابين لدرجةٍ تُغوي أيّ شخص.
“هل أنتَ بخير أيّها العجوز؟”
بدت عليه السعادة وهو يضحك مكتومًا على كلماتي التي خرجت من بين أسناني. يبدو أن
مضايقتي تسلّيه حقًّا.
“أجل، أنا بخير. هل كنتِ قلقة؟”
“لم أفعل.”
“ابنتي ليست صادقة مع نفسها أبدًا.”
“أعتقد أنّ هذا الكلام لا ينبغي أن يصدر عنك.”
“لقد نعتّني بـ ‘أنت’.”
يبدو مستمتعًا بحق. بدت حياته سعيدة لدرجة أنني حسدتُه قليلاً. لمس والدي وجنتي بخفّة بعد أن شبع ضحكًا.
“لنعد الآن، إلى أمّك.”
“أمم.”
كانت نهايةً هادئة لعملية ضياع قصيرة.
وبينما استرخيتُ بعد شعوري بالأمان، تصلّب جسد والدي فجأة.
“……؟”
حاولتُ الالتفات لأرى ما الذي يحدّق فيه بجفاء بعدما توقّفت حركته، لكنني فشلتُ لأنّ والدي غطّى عينيّ.
“…… ما الخطب؟”
تسلّل إليّ شعورٌ مشؤوم. استجاب “جهاز استشعار أضعف كائن” الذي كان هادئًا منذ لقاء والدي.
أليس كذلك؟ هل هذه مزحة؟
لا بدّ أنّ خطبًا ما قد حدث، لكن فالير الذي كان يحميني ظلّ هادئًا.
“ابنتي.”
“نعم؟”
وُضع شيءٌ ما في يدي. كانت بوصلة فضيّة تبدو للوهلة الأولى كأثرٍ سحريّ عظيم.
“انظري للأمام فقط وسيري. لا تجيبي أيّ شخص يناديكِ، واستحضري ذكرياتكِ الأكثر سعادة فقط.”
ماذا يعني هذا الكلام فجأة؟
“يجب أن تمشي وأنتِ تتخيّلين أكثر شخص تشتاقين إليه. ومهما ظهر أمامكِ، فهذا هو الطريق الصحيح.”
تقدّم والدي للأمام بعد أن أنزلني ببطء على الأرض.
“وأنت؟”
“هل تنادينني هكذا الآن فقط؟”
هل هذا وقتُ المزاح؟
“أجبني. ماذا عنكَ أنت؟”
“أنا بخير.”
رُغم إلحاحي، جاء ردّه هادئًا. وفي اللحظة التي قطّبتُ فيها حاجبي بسبب صوته المازح حتّى في هذا الموقف.
“اذهبي أولاً.”
انقلبت الرؤية قبل أن أتمكّن من الردّ.
“أبي!”
وعندما استعدتُ وعيي، كنتُ وحيدةً في
الظلام.
***
لم يدم اضطراب القصر الإمبراطوري طويلاً.
بمجرد الانتهاء من الترتيبات وكأنّ شيئًا لم يكن، استؤنفت حفلة الرقص.
“يا له من عرضٍ مفاجئ.”
“لقد ذُهلنا حقًّا.”
اعتُبر الظلام المؤقت “عرضًا مفاجئًا”.
أما الأشخاص الذين اختفوا فجأة، فقد كان الأمر وكأنّه متّفقٌ عليه مسبقًا؛ حيث نزل الإمبراطور إدوارد الذي أخمد الفوضى بنظرةٍ باردة إلى القاعة.
“ما هو العدد الدقيق للمفقودين؟”
“جارٍ الحصر.”
رسم الإمبراطور إدوارد تجعيدةً عميقة بين حاجبيه.
في هذا اليوم الجميل، ما الذي حدث؟ هل من حسن الحظ على الأقل عدم وجود وفيات حتّى الآن؟
“ألا ينبغي إيقاف الحفلة فورًا؟”
أعربت الإمبراطورة أجيني، التي تعرف الحقيقة، عن قلقها، لكنّ الأمر لم يكن سهلاً.
فالاعتراف بوجود مشكلة منذ اليوم الأول لعيد التأسيس سيهوي بهيبة عائلة آليرمان الإمبراطورية إلى الأرض.
وحتى بدون ذلك السبب، طالما لا يمكن تفسير سبب هذا الاضطراب، فإنّ هذا الأسلوب هو الأمثل.
‘لا يسعنا إلا أن نأمل أن يحلّ ذلك الكيان الأمر.’
“ناتاي” النائمة.
بينما كانت تصلي للخالدة التي تسكن القصر وتتعايش مع عائلة آليرمان منذ أمدٍ بعيد.
“جلالتك.”
اقترب خادمٌ وعلى وجهه علامات الذعر.
“يقولون إنّ سموّ ولي العهد قد اختفى.”
“……!”
لم يستطع الإمبراطور إدوارد كبح غضبه وهو يفتح عينيه بذهول. وبينما كان يوشك على الانفجار.
“وأيضًا، طلب ساحر مرتبة النجوم من برج السماء مقابلة جلالتك.”
“ها.”
تنهّد الإمبراطور إدوارد بصوتٍ خافت. رُغم وصول غضبه إلى ذروته، ظلّ عقله باردًا.
“فووو.”
مع إصدار أمر بالبحث عن مكان بيسيون فورًا، استقبل الإمبراطور إدوارد الساحر الذي قد يقدّم طرف خيط لهذا الموقف.
“لنذهب إلى غرفة الاستقبال.”
***
كان بيسيون يركض.
‘يجب أن أذهب إلى هناك.’
كلّ شيء كان صدفة.
رؤية بيسيون للكونتيسة بيلفارت وهي عائدة إلى قصر ولي العهد، واقتراب ليزلي التي استلمت شيئًا من الكونتيسة من آريلين، وحتى رؤيته لتلك الهلوسة حيث التوى العالم في اللحظة التي تلامستا فيها.
إن لم يكن واهمًا، فمن المؤكد أنّ خطبًا ما كان يحدث.
رُغم فقدانه للرؤية بسبب الظلام المفاجئ، إلا أنّ حاسّته الحادّة أدركت اختفاء آريلين.
بمجرد إدراكه لتلك الحقيقة، لم يعد بيسيون قادرًا على البقاء هادئًا.
كان عليه فعل أي شيء. أي شيء.
وهكذا، بعد أن تملّص من غرهام، وصل بيسيون إلى المكان المقصود.
كان “المعبد” العظيم في أعماق القصر الإمبراطوري، المكان الذي أخبره الإمبراطور إدوارد ذات مرّة أنه مسموحٌ فقط لـ “الوريث” بدخوله.
المعبد المنعزل الذي لا يمكن لغير سلالة الإمبراطور المباشرة الوصول إليه كان ساكنًا، رُغم شموع البخور المتنوعة التي كانت تضيئه.
“أنتِ هنا، أليس كذلك؟”
تلفّت بيسيون في ردهة المعبد وهو يلهث.
لم يكن هناك شيءٌ على المذبح، وكانت شموع البخور وحدها تضيء المكان، لكنه أدرك غريزيًّا.
“ساعديني.”
أنّ الكيان الذي يبحث عنه موجودٌ هنا.
“أو فلنعقد…… صفقة…….”
اهتزّت الشموع المرتعشة للحظة.
وفي وسط الرؤية التي استنارت فجأة، خُيّل لبيسيون أنه رأى خصلات شعرٍ طويلة تنسدل.
[‘يا طفل آلبريخت.’]
الخالدة التي حافظت على علاقة طيّبة مع عائلة آليرمان الإمبراطورية لأمدٍ طويل.
الرهبة الأخيرة التي ينحني أمامها بشرُ هذا العصر الذين لم يعودوا يؤمنون بالحكام.
[‘ما هو السبب الذي يدفع طفلاً مثلك لطلب صفقةٍ مني؟’]
رُغم عدم قدرته على رؤية حقيقتها بسبب القوة التي تتجاوز إدراك البشر، إلا أنّ الصوت الذي سمعه كان واضحًا.
“آريلين…….”
[‘لقد ذهب والدها لإنقاذها. إذا بقيتَ هادئًا، فستعود إلى هنا بسلام.’]
“ولكن…….”
أطبق بيسيون يده بقوّة، فتجعد طرف ملابسه.
“لا يمكنني التصديق.”
إنه الشخص الذي جعل آريلين وحيدة. من الطبيعي ألا يثق به.
“لا يمكنني…… الانتظار.”
أكثر من أي شيء، كان بيسيون يحترق قلقًا ولا يستطيع الانتظار.
أن يبقى هكذا، كما حدث حينذاك؟
لم يعد بيسيون يرغب في الشعور بالعجز تجاه أي أمر يخصّ آريلين.
هل آريلين بخير؟
آريلين، رُغم كل شيء، لا بدّ أنها تعاني الآن.
“أريد إنقاذ آريلين. ساعديني.”
حتّى لو كان ذلك يعني طلب المساعدة من خالدة غامضة. أراد بيسيون مساعدة آريلين بيده.
[‘همممم……’]
توسّلُ طفلٍ صغير هو أمرٌ يمكن تجاهله ببساطة، لكن لسببٍ ما، شعرت “ناتاي” بالفضول.
ربما لأنّ عيني الطفل الذي يطلب المساعدة لم تحملا سوى رغبةٍ واحدة؟
رغبةٌ نقيّة خالية من أي حسابات.
يا له من شعورٍ لم تره منذ زمنٍ طويل.
شعورٌ ثمين لا يُرى بسهولة في هذا القصر الإمبراطوري حيث تتجمّع وتتلاطم كلّ أنواع الأطماع. فكيف إذا كان ذلك الطفل من السلالة التي تقع تحت حمايتها.
تذكّرت “ناتاي” القوة الخارقة لعائلة آليرمان “المحبوبة”. وضحكت وهي تفكّر في أنها لا بدّ وأنها قوةٌ تؤثّر حتّى على الخالدين.
لم تُخفِ “ناتاي” مودّتها لبيسيون وضحكت بخفة.
[‘هل تحبّ تِلك الطفلة؟’]
“أجل.”
أمام الإجابة الفورية التي لا تشوبها شائبة، طار سؤالٌ أكثر خبثًا.
التعليقات لهذا الفصل " 91"