كان ذلك الألم الخاص، الذي يشعر معه وكأنّ أعصابه تُقضم بالكامل، هو العرض الجانبيّ لقدرة هالبيرن الخارقة.
– فالير.
وكذلك تِلك الهلاوس البصريّة والسمعيّة.
توقّفت يده التي كانت تضغط على صدغيه.
حتّى عقله الذي كان يريه دائمًا هلاوس لعينّة، كان يعطيه أحيانًا ما يتوق لرؤيته.
– فالير، كيف حالك؟
شعرٌ بلاتينيّ ينسدل بنعومة، وعينان بلون الكوارتز الورديّ تفيضان بالحنان. وحتّى تِلك الابتسامة اللطيفة التي ظنّ أنّه لن يراها أبدًا.
“…… أختي.”
رُغم أنّه يعلم أنها مجرد خيالٍ رسمته الهلاوس، إلا أنّه كان ممتنًا لهذه اللحظة.
– أخي الصغير اللطيف.
زفر فالير أنفاسًا مضطربة وهو يحدّق في الهلاك الساكن أمامه.
“أختي.”
رُغم أنّ حواسّه المتسامية، التي وصل إليها ببلوغ مستوى رفيع في فن السيف، تخبره بأنّ هذا لا يمكن أن يكون حقيقيًّا، إلا أنّه وجد نفسه ينجذب إليه دون وعي.
“اختي سيوني.”
الشخص الوحيد الذي يجعله دائمًا يشعر وكأنّه أخٌ صغير.
نقطة ضعفه الوحيدة.
اقترب الطيف ولمس وجنته. لم يشعر بأيّ حرارة، لكنّه كان دافئًا بشكلٍ مؤلم.
– يجب أن تصبح سعيدًا.
كلّما ظلّ ساكنًا، وكلّما قلّت الدماء التي يراها، كانت الهلاوس تشتدّ عليه، لذا كان وضعه في القلعة الشمالية أفضل نوعًا ما.
تِلك الأشياء التي لم تكن تظهر عندما كان يشقّ الوحوش ويغرق في دمائهم في كلّ لحظة.
ربما كان ابتعاده الغريزي عن العاصمة نابعًا من هذا السبب أيضًا.
– يجب أن تكون سعيدًا، يا أخي.
تكرّر الصوت الرقيق كاللعنة. ولأنّه شعر وكأنّه سيبكي، خفض فالير رأسه.
“لم أستطع حتّى حمايتكِ.”
لماذا تطلبين منّي دائمًا أن أكون سعيدًا؟
في طفولته، كانت أخته التي تكبره بأربع سنوات فقط هي الوحيدة التي اعْتنت به وسط الإهمال.
سيوني. كانت له الأم، والصديق، والمعلم، وشخص عزيز .
وحتى عثر على ميهين، كانت هي الجانب الإنساني الوحيد الذي يمتلكه.
‘هذا المنزل مجنون.’
كانت سيوني تكره هالبيرن.
‘الجميع هنا مجانين، إلا أنا وأنت.’
بل كانت تكنّ لها الكراهية.
كرهت الانغلاق الذي يمنعهم من الخروج لهوسهم بالأسرار، والتقاليد التي لا ترى البشر كبشر، ووالدها الذي كان سيد الأسرة والديكتاتور، ووضعها الذي لا يسمح لها بمخالفة والدها في أيّ شيء.
لم يكن سيد الأسرة ‘موردن’ يطيق أيّ فعلٍ تقوم به ابنته.
زيارتها لأمها المحبوسة في غرفتها، اعتناؤها المخلص بأخيها، خروجها مخالفةً للأوامر، وحتى وقوفها في وجهه ومخالفتها لإرادته مرارًا وتكرارًا.
كانت العلاقة بين موردن هالبيرن وسيوني هالبيرن في أسوأ حالاتها، وفي ذاكرة فالير، كان الاثنان في عراكٍ دائم.
‘لا تكن فاشلاً مثل أختك.’
كانت نهاية المواجهة المحملّة بالكراهية هي الدمار المحتوم.
الأب الذي كان يعامل ابنته التي لا تناديه ‘أبي’ كقطعة شطرنج، استلّ سيفه أخيراً.
لم يتردّد في بيع ابنته التي لم تتجاوز السادسة عشرة ولم تظهر في المجتمع بعد، وبثمنٍ باهظ.
زواجٌ سياسي غير مرغوب فيه.
وبالطبع، عارضت سيوني هالبيرن ذلك بشدّة.
‘قلتُ لك إنني أكره هذا الزواج!’
‘كوني نافعة لمرّة واحدة، سيوني سيغريا هالبيرن.’
فشلت محاولة هربها التي خططت لها بكلّ جهدها، وفشلت محاولة انتحارها التي لم تكن سوى وسيلتها الأخيرة للفرار، ونُقلت سيوني وهي فاقدة للوعي.
كانت تِلك هي الصورة الأخيرة لأخته في ذاكرة فالير.
‘أختك قد أدّت نفعها وستكون سعيدة. لا تقلق بلا داعٍ وركّز على واجبك، يا بني.’
ارتجف فالير من العجز وهو يرى نفسه غير قادرٍ على فعل أيّ شيء.
تعلّم لأول مرّة أنّ افتقار القوّة، والضعف، وعدم القدرة على المساعدة يمكن أن يكون مؤلمًا إلى هذا الحدّ.
أدرك ذلك بمرارة متأخّراً، بعد أن فقد أغلى ما يملك.
بعد فوات الأوان بكثير.
وبعد ذلك…….
‘أنتَ، كيف…… تتجرأ عليّ.’
حاول تصحيح كلّ شيء متأخّرًا.
في السادسة عشرة، وهو العمر الذي ورث فيه فالير لقب دوق هالبيرن بعد الموت الغامض لموردن هالبيرن في حادث.
في نفس العمر الذي أُجبرت فيه أخته على زواجٍ لا تريده، وضع فالير كلّ شيءٍ في هالبيرن تحت سيطرته.
من أجل أخته.
“حادث غامض؟ ليس مضحكًا حتّى.”
لقد وضع العالم بأسره في قبضته، لكنّه لم يستطع امتلاك شيءٍ واحد.
الحب.
في اليوم الذي انتحرت فيه زوجة ذلك الرجل الذي كان مهووسًا بها ويرغب في امتلاكها رُغم أنها لم تمنحه حبّها أبدًا، لتتحرّر أخيراً بالموت.
قام فالير بقتل ذلك الرجل.
‘أنتَ، أليس لديك أيّ مشاعر تجاه أمك التي تركتنا؟! كيف لا تذرف دمعةً واحدة؟! ‘
‘والدي.’
‘كغغ…….’
‘ليس لديّ أم.’
رُغم كلّ الكراهية التي كان يكنّها له.
‘لأنّك أنتَ من قمت بمحوها.’
انتهى بي الأمر بالتشبّه بك في النهاية.
‘لقد قتلتَ عائلتي بالكامل.’
أمي، وأختي، وحتى آخر ما تبقّى من حبّ واحترام لك يا والدي.
لقد ذكر سيد الأسرة، الذي كان يتّخذ سيوني طُعمًا له، اسم ميهين بعد أن أرسلها غصبًا للزواج.
كان ذلك هو ما جعل فالير، الذي كان يجنّ من ألم الفقد، يستعيد صوابه.
‘لا يمكنني فقدان ميهين أيضًا.’
الصديق الوحيد الذي امتلكه بنفسه، ولم تمنحه إيّاه هالبيرن.
آخر ما تبقّى من إنسانية لفالير سيرون هالبيرن.
كان ذلك كافيًا لمحو كلّ تردّد.
اجتمعت القوى التي تركتها أخته، والوسائل التي أعدّتها أمه، مع قرار فالير.
وعندما أدرك سيد الأسرة متأخّرًا السمّ الذي ابتلعه، كان الوقت قد فات.
كانت وصيّته الأخيرة وهو يفتح عينيه على وسعهما مجرد لعنة.
‘طفلك أيضًا، سيقتلك يومًا ما.’
ماذا قلتُ له حينها يا تُرى؟
“أتمنّى حقًّا أن يحدث ذلك.”
“على الأقل، هذا يعني أنني سأعيش حتّى ذلك الوقت.”
“أما الآن، فأنا أرغب في الموت.”
لقد انتصر والده. تحطّم فالير. ولأنّه لم يعرف من أين وكيف تحطّم، لم يستطع إصلاح نفسه.
كان يكتفي بالتظاهر بكلّ قوّته بأنّه بخير.
“ومع ذلك، هذا من حسن الحظ.”
لأنّ أحدًا لا يعرف أنني مجنون.
– أخي الصغير المسكين.
تمنّى لو أنّ أخته المسكينة كرهتْه لمرّة واحدة.
شعر بالأسى لتلاشي الخيال.
مدّ يده لكنّه لم يستطع الإمساك به. لأنّه لم يكن موجودًا منذ البداية.
وفي اللحظة التي ضحك فيها بسخرية من فراغه، اختلط صوت ضحكاتٍ مع نسيم الهواء.
انقاد خلف الصوت وكأنّه مسحور، ليصل إلى نهاية الطريق حيث رأى ظلالاً صغيرة ترقص تحت ضوء القمر.
رمشت عيناه الأرجوانيتان الغامقتان.
لقد كان مشهدًا يشبه الخيال.
نظر فالير إلى ‘ابنته’ التي كانت تضحك وهي تشبك ذراعيها.
“هذه أوّل مرّة أراها تضحك.”
أم أنني مخطئ؟ أعتقد أنها ضحكت لميهين كثيرًا.
وبعد أن بحث في ذاكرته، أعاد فالير نظره. كانت أريلين لا تزال هناك تضحك بسعادة.
مشهدٌ هادئ ومطمئن.
مشهدٌ شعر وكأنّه امتلكه يومًا ما، مشهدٌ لن يستطيع امتلاكه مرّة أخرى.
***
كان ميهين جالسًا في ركنٍ من قاعة الرقص يحاول تنظيم أفكاره المشوّشة. ورُغم استمراره في شرب الخمر، إلا أنّه بدلاً من أن يسكر، صار ذهنه أكثر صفاءً.
‘هل نسبة الكحول منخفضة؟’
أراد الهروب من الواقع اللعين بالاستعانة بالسكر، لكنّ حتى ذلك لم يُسمح له به.
ظلّ يحدّق في الفراغ وهو مسترخٍ، ثمّ أطلق تنهيدةً عميقة من أعماق قلبه.
‘فالير…….’
كلّ هذا الارتباك نبع من الإجابة التي سمعها في ذلك اليوم.
“صحيح، ليست ابنتي.”
“لكنها ابنتي.”
لم يكن لغزًا، بل كان يتساءل ميهين في نفسه عن هراء ما يقوله، بينما اكتفى فالير بالضحك.
“بمعنى، أنها ليست طفلتك البيولوجية ولكنك تعتبرها ابنتك على أيّ حال؟”
“أنتَ ذكيّ حقًّا، ميهين.”
“إذًا، ابنة مَن هي بحقّ خالق الجحيم؟”
“بما أنها من سلالة هالبيرن المباشرة وليست ابنتي، ألا يتبقّى سوى احتمال واحد؟”
“هـ، هاه؟”
“لا يمكن لصديقي الذكي ألا يعرف.”
مستحيل، أليس كذلك؟ هاه؟ أليس كذلك؟
ليس الأمر ما أفكّر فيه، صح؟
حاول الإنكار، والتجاهل، والهروب، لكنّ شيئًا لم يتغيّر. الاحتمال المتبقّي كان واحدًا وواضحًا.
“لا عجب أنّ عينيها تشبهان عينيك…….”
وضع ميهين وجهه بين كفيه وهو يعاني من شدّة الإحباط.
“صحيح، إنها ابنة أختي.”
“فالير، أيّها الوغد المجنون.”
بماذا يفكّر ذلك الوغد يا تُرى؟
سيوني هي حاليًّا زوجة الدوق ‘لوك’، صاحب السلطة الأعلى في الإمبراطورية الجنوبية ‘فايتال’. وهذا يعني أنّ أريلين هي ابنة الدوق الوصي.
‘هل ينوي إشعال حرب؟’
هل سيصمت الدوق لوك إذا علم بهذه الحقيقة؟ ذلك الرجل يمتلك طباعًا لا يُستهان بها أيضًا.
ولكن ماذا عن فالير؟ هل سيسلّم دوق هالبيرن ‘ابنة أخته’ بسهولة؟
التعليقات لهذا الفصل " 88"