الفصل 87
في عتمة الليل حيث ينام الضوء، لامست قطعةٌ باهتة من ضوء القمر بيسيون .
تلاشى حفيف الرياح وأصوات الحشرات في الظلام. ومن بين هذا المشهد الساكن الذي يحبس أنفاسه، برزت بوضوح عينان مستقيمتان تلاحقان عينيّ وحدهما.
“وأنتَ؟”
كلّ شيءٍ يتدفّق ببطء.
“لماذا أنتَ هنا؟”
لحظةٌ يبدو فيها وكأنّ الزمن قد توقّف.
الوحيد الذي كان يتحرّك بحيويّة في مجال رؤيتي هو شخصٌ واحد فقط.
“جئتُ لرؤيتك.”
“رُغم أنّكَ رفضتَ طلب المقابلة الخاص بي.”
“هذا لأنني…….”
انخفضت أهدابه الطويلة قليلاً. غطّى الظلّ الذي رسمته الأهداب عينيه، ومعه تِلك المشاعر الخرقاء الكامنة فيهما.
“…… كنتُ مشغولاً.”
كانت وجنتاه اللتان لفحهما ضوء القمر شاحبتين. هل أنا غريبة الأطوار لأنّ بيسيون يبدو لي وكأنّه يرتجف؟
“كاذب.”
“إنها الحقيقة.”
“لن تنطلي عليّ.”
“أنا ولي العهد رُغم مظهري هذا، أليس كذلك؟”
رفع بيسيون نظره مرّة أخرى وتحدّث بصوتٍ ناعم.
“حقًّا. لقد كنتُ فاقدًا لصوابي بسبب عيد التأسيس والتعامل مع والدتي والوفود.”
وعندما رأى أنّ تعابير وجهي لم تتغيّر، تدلّى طرفا عينيه الطويلتين قليلاً.
“لم يتبقَّ لي وقتٌ حتّى للذهاب إلى هالبيرن.”
“…….”
“لقد كنتِ سعيدة لأنني لم أكن موجودًا لتجبري على ممارسة الرياضة، أليس كذلك؟”
كان صوته الممزوج بضحكة خفيفة يحمل نبرة مزاح.
راقب بيسيون ردّ فعلي ثمّ أمسك بيدي خلسة. استيقظت حواسي المتصلّبة من الحرارة التي انتقلت عبر أيدينا المتلامسة.
كدتُ أفقد السيطرة على تعابير وجهي.
أطلقتُ أنينًا مكتومًا أمام الحقيقة الجليّة التي لم يعد بإمكاني تجاهلها مهما أردتُ ذلك.
“سأصدّقك. هذه المرّة فقط.”
“أجل. شكرًا لكِ.”
انحنت عيناه برقة. وارتسمت على شفتي بيسيون ابتسامة حلوة كادت تجعلني أذوب.
هل كان بيسيون …… جميلاً إلى هذا الحدّ……؟
بدأتُ أشعر بوضوح بخفقان قلبي الذي أخذ يضطرب بقوّة تدريجيًّا.
كلّ ما أراه، وما أسمعه، وملمس يده، كان كلّ شيءٍ غريبًا جدًّا وكأنني عدتُ إلى البداية.
إلى تِلك اللحظة التي قابلتُ فيها بيسيون لأول مرّة.
“آريل.”
جماله الرقيق كالدّمية ظلّ فاتنًا حتّى وهو غارقٌ في الظلام. بدت عيناه الرطبتان شفّافتين، وكأنّ فيهما مسحة من الحزن.
وعندما التقت نظراتنا، تلوّنت وجنتا بيسيون البيضاوان بلون الدراق وهو يبتسم بخجل.
آه.
إنه جميل.
لم يسبق لي أن شعرتُ بالأسى تجاه حدود لغتي وافتقاري للمفردات كما أشعر الآن.
رُغم أنّ قدمي لا تزالان ثقيلتين وكأنّهما غارقتان في الماء، وجسدي يشعر وكأنّه غارق، إلا أنّ صوت خفقان قلبي وحده كان يُسمع بوضوح.
“جميل.”
ماذا، هل نطق لسانُي بما في قلبي؟
“أنتِ حقًّا جميلة جدًّا، آريل.”
أثنى عليّ بيسيون بوجهٍ جميل غطّاه الاحمرار كشخصٍ واجه شيئًا يسحر الألباب.
مَن هو الجميل حقًّا هنا؟
ارتجف قلبي وأنا أنظر إلى بيسيون الذي تجنّب نظراتي بخجل وهو يبتسم بعينيه الجميلتين.
حرّك بيسيون يده بحذر لتتخلّل أصابعه بين أصابعي. تشابكت أصابعنا بقوّة ونعومة في آنٍ واحد.
أدركتُ فجأة.
أنّ الأمر مختلف.
إنه شعورٌ لم يمنحه لي التوأم، ولا ارون، ولا ميهين، ولا والدي، ولا فرقة التربية، ولا أيّ شخصٍ آخر.
شعرتُ بالدوار من هذا الإحساس البعيد الذي بدأ يبتلعني كالغيوم، فقطبتُ حاجبيّ دون وعي.
…… أشعر وكأنني سأبكي.
لا أعرف لماذا تملأ الدموع عينيّ. كنتُ أشعر فقط برغبةٍ في البكاء.
“آريل، ما بكِ؟”
لماذا أنتَ حنونٌ هكذا؟
تجعلني أرغب في البكاء أكثر.
“هل أنتِ مريضة في مكانٍ ما؟”
“أجل. يبدو أنني مريضةٌ بشيءٍ ما.”
وإلا فلا يوجد تفسيرٌ لهذه المشاعر.
تِلك العيون التي تحمل صورتي، واليد التي تلمسني، والصوت الذي يحدّثني، كلّ هذا كان رائعًا لدرجة جعلتني أرغب في الموت.
أحببتُ بيسيون الذي يقلق عليّ لدرجة جعلت قلبي يرتجف.
شعور الحبّ هذا بدأ يتّسع ويحتلّ مساحاتٍ أكبر.
المشاعر المنبثقة من بيسيون امتدت لتشمل الأرض التي يطأها، والسماء التي تظلّله، وهذه الحديقة، وحتّى العالم بأسره.
لمجرّد أنّ بيسيون موجود، بدا العالم جميلاً في عينيّ.
“آريلين، أنتِ غريبة الأطوار اليوم.”
لا بدّ أنني جُننت.
“ألسْتِ مريضةً حقًّا؟”
لا يمكن أن يحدث هذا إلا إذا فقدتُ صوابي.
ومع ضحكةٍ خفيفة، لامست جبيني حرارة غريبة.
“حرارتكِ طبيعيّة.”
ابتسم بيسيون وهو يسند جبهته على جبهتي.
يتعايش بداخلي دافعٌ للهروب ورغبةٌ في الاصطدام بكلّ قوّتي والتحطّم إلى شظايا.
كيف انتهى بي الأمر هكذا؟
كيف، وبحقّ خالق الجحيم، ولماذا…….
هذا الإدراك المفاجئ كان يشبه اليأس.
مشاعر أردتُ إنكارها لكنني فشلتُ في ذلك في النهاية.
لفّني شعورٌ حادّ بالهزيمة.
‘لو أنني لم أعرف شيئًا، لكان أفضل.’
لو لم أرَ كلوي.
تسلّل إليّ ندمٌ غامض. ندمٌ لا أعرف تجاه مَن أو ماذا يوجّه.
تِلك الطفلة كانت رقيقة.
وأنتَ ستحبّ تِلك الطفلة أيضًا.
بدأ شعورٌ بالإحباط يشبه اليأس الذي دفنتُه يرفع رأسه من جديد.
أنتَ ستتركني وتذهب.
وكلّ تِلك العلاقة ليست سوى لحظة عابرة.
كحلمٍ حلو وقصير.
ومع ذلك.
“لماذا؟ “
كان هناك إحساسٌ أوضح من الخوف الغامض الذي ابتلعني فجأة، وهو ذلك الذهول الساحر والمتألّق وكأنّ النجوم تتساقط فوقي.
“لماذا ترسمين هذا التعبير؟”
“لأنّك جميل.”
“…….”
“لأنّك جميلٌ لدرجةٍ تخطف الأنفاس، ولهذا…….”
لا أستطيع فتح عينيّ.
آه. لقد انتهى بي الأمر مرّة أخرى برغبةٍ في شيءٍ لا يمكنني امتلاكه.
والسبب الوحيد الذي منعني من الانفجار بالبكاء حتّى النهاية هو كبريائي الذي انغرس فيّ كالعادة.
رُغم شعوري بالنهاية، وبالهزيمة، وبالخاتمة، إلا أنني لم أستطع إفلات يده لأنني كنتُ ضعيفة.
“بيسيون .”
“نعم؟”
“ذلك اليوم.”
تصلّب بيسيون في مكانه.
“لماذا هربتَ؟”
“…….”
تجمّدت تعابير وجه بيسيون بشكلٍ تلقائي، وحرّك شفتيه قبل أن يغلقهما بإحكام.
ارتجفت أهدابه المبلّلة بالقلق.
“هل رأيتني وأنا أعانق ارون؟”
“هل أنتِ…… تحبّين ارون؟”
غرقت نظراته في الظلام.
“إذا كانت آريلين…… تحبّ ارون…….”
“إذا كنتُ أحبّه، فماذا؟”
“…….”
أطبق بيسيون شفتيه.
انتشر فرحٌ غريب في زاويةٍ من قلبي لرؤية تعبير وجهه وكأنّ العالم قد انتهى. أنا حقًّا ميؤوسٌ منّي.
حقًّا لا فائدة ترجى منّي.
“افرد حاجبيك.”
ضحكتُ وأنا أضغط على ما بين حاجبيه المقطّبين لأفردهما.
“لقد عانقتُه فقط لأنّ هناك شيئًا أردتُ التأكّد منه.”
عادت الحياة إلى عيني بيسيون .
“ومَا الذي تأكّدتِ منه؟”
“شيءٌ ما، إنه أمرٌ مهمّ.”
“ومَا هو؟”
“لن أخبرك.”
“إذًا افعلي ذلك معي أنا أيضًا.”
تغيّرت نظرة بيسيون فجأة وبدأ يتصرّف بدلالٍ غير معهود.
“عانقيني أنا أيضًا. ضمّيني إليكِ.”
“…… حسناً.”
“هـ، هل ستضمّينني حقًّا؟”
“وهل سأضمّك بشكلٍ مزيّف؟”
كان بيسيون لطيفًا ووجهه قد احمرّ فجأة.
تعبيره الصادق والشفّاف عن مشاعره كان رقيقًا. فضممتُه إليّ بكلّ سرور.
هل لأنّه أطول منّي؟ رُغم أنني أنا من ضممتُه، إلا أنني شعرتُ وكأنني أنا من أُضمّ إليه.
“هل قبّلتِ ارون؟”
صوته قريبٌ جدًّا. شعرتُ بدغدغةٍ ما، فعضضتُ على شفتيّ بقوّة.
“لم أفعل.”
“حقًّا؟”
“نعم.”
“إذًا، هل قبّلتِ شخصًا آخر؟”
“لم أفعل.”
سمعتُ صوت أنفاسه وهي تتسارع.
“إذًا، هل تفعلين ذلك معي؟”
قطبتُ حاجبي أمام العرض الذي قدّمه بصوتٍ مرتجف. وابتعدتُ عن بيسيون .
“لا أريد.”
بمجرّد العناق يضطرب قلبي هكذا، فماذا سيحدث لو أصبتُ بنوبة قلبيّة وأنا ضعيفة كسمكة الشمس؟
طأطأ بيسيون رأسه بحزن. رأيتُ خيالاً لأذنين وذيل يتدليان بيأس، فنطق لساني دون وعي.
“لاحقًا.”
“هـ، هاه؟”
فتح بيسيون عينيه على وسعهما بتعبيرٍ مصدوم.
“حقًّا؟ فعلاً؟ حقًّا حقًّا؟!”
عندما رأيتُ بيسيون يتعلّق بي ببهجة، أدركتُ متأخّرةً ما الذي قلتُه وشعرتُ بالخجل.
بدأ بيسيون يشعر بالحماس وهو يلاحقني بينما أحاول التهرّب.
رؤيته سعيدًا هكذا جعلتني أشعر بالسعادة أيضًا. لقد كانت حالةً مستعصية.
‘لا يجب أن أحبّه كثيرًا.’
حاولتُ جاهدةً إيقاظ شعورٍ بالخطر، لكنّ شعوري بالطيران ظلّ مستمرًّا وكأنني أخطو فوق السحاب.
كان من الغريب جدًّا أن تنبع كلّ تِلك المشاعر من شخصٍ واحد فقط و…….
كان الأمر ساحرًا.
“آريلين، هل نرقص؟”
كان صوت الموسيقى يُسمع بشكلٍ باهت من بعيد، لدرجةٍ لا تُسمع إلا إذا أصغت الأذن جيّدًا.
“هل تعرف كيف ترقص؟”
“بالطبع.”
ضحكتُ وأنا أنظر إلى بيسيون وهو يتفاخر بأنّه يجيد كلّ ما يتعلّق بالحركة.
“أنا لا أجيد الرقص جيّدًا.”
“لا بأس. لأنني أجيده.”
قادني بيسيون قائلاً إنه لا يوجد أحدٌ غيرنا هنا، لذا يمكنني ارتكاب الأخطاء كما أشاء.
وضعتُ يدي وبدأتُ أتّبعه كما علّمني، فخرجت منّي ضحكةٌ دون سبب.
وعندما ضحكتُ، ضحك بيسيون معي. كان يبدو وكأنّ فقاعات صابون تنفجر في كلّ مرّة نضحك فيها. امتلأ صدري بشعورٍ رقيق من الدغدغة.
حفلة رقصٍ لشخصين فقط تحت ضوء القمر.
وحدها أضواءٌ صغيرة كضوء النجوم كانت تضيئنا، وفي وسط هذا المشهد المتألّق، شعرتُ باليقين.
بأنني لن أنسى هذه اللحظة أبدًا.
حتّى لحظة وفاتي. لا، بل وحتّى بعد الموت.
التعليقات لهذا الفصل " 87"