الفصل 86
أدركتُ الأمر في اللحظة التي وقعت فيها عيني عليها.
شعرٌ ورديّ غامق ينسدلُ بغزارة كزهور الورد المتفتّحة. وعينان تلمعان كالنجوم.
‘―!’
خصلاتُ شعرها المموجة كانت تتدلّى مارةً بوجنتيها البيضاء الممتلئة وصولاً إلى خصرها.
رداءٌ أبيض يلفّ جسدها الصغير، ويدها الصغيرة تمسك بيد ساحرٍ ما.
ارتجف جسدي أمام ابتسامتها المشرقة التي تشعرُ بأنّ أشعة الشمس تنبعثُ منها بمجرّد أن تضحك.
‘إنها كلوي.’
بطلة الرواية.
رغم أنني لم أرَها إلا في الرسومات التوضيحيّة، إلا أنني عرفتُها للوهلة الأولى لسببٍ ما.
أين يمكن أن يوجد طفلٌ محبوبٌ كهذا يتلقّى كلّ حبّ العالم؟ إن لم تكن هي البطلة، فمن تكون إذًا؟
“آريل؟”
“آه.”
يبدو أنني توقّفتُ عن التنفس دون وعي.
رمشتُ بعينيّ بسرعة. لم يختفِ ذلك الشعور الضبابيّ الذي يشبه الحلم. كانت كلوي لا تزال أمام عينيّ.
‘لماذا، وكيف، هي هنا الآن…….’
كنتُ أعلم أنها ستظهر في “تجمّع اصدقاء ” يومًا ما، وتهيّأتُ نفسيًّا لذلك، لكنّ وقع رؤيتها في الحقيقة كان له أثرٌ تدميريّ من نوعٍ آخر.
إنها رقيقة.
ابتسامتُها المنعشة والنقيّة، التي تشبه بتلات الزهور المتفتّحة والجميلة، خطفت أنظاري على الفور.
لقد كانت ابتسامةً تبدو وكأنها جمعت كلّ أنوار العالم لتفجّرها في برعم زهرة.
تلك الابتسامة التي لا يمكنني تقليدها أبدًا، تلك الـ…….
“آريل، هل أنتِ مريضة في مكانٍ ما…….”
“ميهين، انتظرني لحظة!”
لم أستطع ترك كلوي تختفي خلف الأعمدة هكذا. تركتُ يد ميهين على عجل وركضتُ نحوها.
سمعتُ صوتًا يناديني من الخلف، لكنني لم أكن في حالةٍ تسمح لي بالاهتمام.
ربما كانت الرعاية الصحيّة التي قدّمها لي بيسيون ذات فائدة، فلم أعد أفقد الوعي بمجرّد الركض لفترة وجيزة.
وبينما كنتُ أدور حول الزاوية وأنا أشعر بتغيّر الأحوال، حدث ذلك.
“آه!”
واجهتُ كلوي التي كانت تقف وحدها في الممر.
“أوه، أنا آسفة!”
“…….”
أنا من اصطدمتُ بها، ومع ذلك كانت هي من تقدّم لي الاعتذار، فلم أستطع نطق أيّ كلمة وأنا أنظر إليها.
إنها حقيقة.
بطلةُ الرواية، حيّة، وتتحدّث.
تشوّشت أفكاري. ألم يكن هناك متسعٌ من الوقت قبل ظهور كلوي؟ هل تغيّر شيءٌ آخر؟
إذًا، هل ستأتي كلوي إلى “تجمّع الاصدقاء ” بمجرّد انتهاء يوم التأسيس؟
لم أستطع العثور على إجابة لأيّ سؤال يملأ رأسي.
شعرتُ بضيقٍ في صدري وكأنّ الموت الذي كنتُ أتوقّعه بغموض قد اقترب بخطواتٍ واسعة.
“اممم، عذرًا، هل أنتِ بخير؟”
سألتني بعينين ذهبيتين عميقتين تلمعان كالنجوم وهي تظهر لي حسن النيّة.
نظرتُ بهدوء إلى يدها البيضاء الصغيرة الممدودة نحوي، ثمّ تراجعتُ للخلف.
“أنا بخير.”
ربما.
سأكون بخير.
لأنّ شيئًا لن يتغيّر.
ذلك الشعور الذي جعلني أطفو وأطير في السماء تحطّم في لحظة. شعرتُ بصداعٍ من الواقعيّة التي أُلقيت على الأرض.
تراجعتُ بخطواتٍ إلى الوراء وعدتُ إلى ميهين كما أنا. كان ميهين واقفًا في مكانه ينتظرني.
“آريل……؟”
مشيتُ بخطواتٍ ثابتة وعانقتُ ميهين مرّة أخرى.
“هل حدث شيءٌ ما؟”
عند سماع صوته الحنون، دفنتُ وجنتي في يده التي قُدّمت لي.
“لنبقَ هكذا للحظة، للحظة واحدة فقط.”
***
“كلوي، ماذا حدث؟”
استعادت كلوي وعيها بعد أن كانت شاردة عند سماع صوت معلّمها.
“آه، لقد قابلتُ شخصًا ما.”
“شخصًا؟ هل تعرفين أحدًا هنا؟”
مال روبرت، الساحر ذو الشعر الأحمر ومعلّم كلوي، برأسه متسائلاً، رُغم تفكيره في احتماليّة ذلك بما أنها من أصول نبيلة في الإمبراطورية.
ابتسمت كلوي.
“لقد اصطدمتُ بشخصٍ ما فقط.”
“اصطدمتِ به وارتسمت هذه التعبيرات على وجهك؟ وكأنّ شيئًا قد سحركِ.”
“لقد كانت طفلةً جميلةً حقًّا.”
كانت تِلك أول مرّة في حياتها ترى فيها طفلةً بهذا الجمال. كانت الطفلة بيضاء كدميةٍ من السكر. شعرتُ وكأنّ رائحةً حلوة ستنبعث منها لو اقتربتُ أكثر.
“كانت جميلةً جدًّا لدرجة أنني كدتُ ألمسها دون وعي.”
لا أصدّق أنّ القصر الإمبراطوري يحتوي على أطفالٍ كهؤلاء.
ابتسمت كلوي بخجل.
“يبدو أنني فعلتُ الصواب بالمجيء كما قلتَ يا معلّمي!”
“أجل، لقد أحضرتُكِ مسبقًا لأريكِ هذا. فلنستمتع قبل وصول ‘برج السماء’. فبمجرد وصولهم سنصبح مشغولين.”
“حاضر!”
أمسكت كلوي بيد معلّمها والتفتت للخلف.
لسببٍ ما، ظلّت تِلك الطفلة التي رأتها قبل قليل تشغل بالها…….
‘هل سأراها مرّة أخرى؟’
تمنّت لو استطاعت مقابلتها ثانيةً.
***
“فالير، ما بك؟”
التفت فالير عند سماع الصوت الذي يناديه.
منذ أن اختفى ميهين وأريلين من قاعة الرقص، هبطت رغبة فالير في التواصل الاجتماعي إلى الصفر.
الدوق سبيروم، الذي كان يتذمّر بشأن التخلّص من بقايا التنين، قد غادر مع مجموعته منذ فترة، والدوق ميوبيسك كان مع فرسانه الذين يحيطون به.
أما فالير، فكان يلتصق بالإمبراطور إدوارد متجاهلاً اقتراب الجميع.
“جلالتك.”
“نعم، أيها الدوق.”
“لقد رأيتُ بالفعل ساحرًا من مرتبة النجوم من ‘برج السماء’.”
“قيل لي إنّ بعضهم أراد المجيء مسبقًا بصفة شخصيّة للاستمتاع.”
“أرى ذلك.”
كان الأمر مجرّد إزعاجٍ من القوّة السحريّة التي التقطتها حواسّه، ولم تكن هناك مشكلة.
مال فالير برأسه ثمّ ضيّق عينيه. وجّه الإمبراطور إدوارد له توبيخًا.
“ما بال وجهك هكذا في هذا اليوم الجميل؟”
“ما به وجهي؟”
“هاه، انظروا إليه، يبدأ بالحديث بغير رسميّة بمجرّد غياب النبلاء الآخرين.”
شعر الإمبراطور إدوارد ببعض الاستياء، لكنه لم يستطع قول شيء.
فرغم غروره، كان هذا الرجل هو دوق هالبيرن.
“ابتسم قليلاً. أنتَ تبتسم عادةً، فلماذا تبدو عابسًا هكذا اليوم؟”
“لأنّ ابنتي و عزيزتي استبعداني.”
“……؟”
ماذا سمعتُ للتو؟
“عـز…… ـزتـي؟”
“لن تكون هناك مشكلة في حاجز القصر الإمبراطوري، أليس كذلك؟”
“عزيزتي؟ هل تقول إنّ لديك زوجة؟!”
“سأغادر المكان للحظة.”
ألقى فالير بشكوكه وارتباكه في وجه الإمبراطور واستدار دون تردّد.
“فالير! أيها الدوق!”
نادى الإمبراطور إدوارد بلهفة، لكنّ فالير كان قد اختفى بالفعل.
‘لا أصدّق، هل دوق هالبيرن لديه زوجة؟’
أيها الوغد، كان عليك أن تشرح الأمر قبل أن تذهب!
***
الغرفة التي أوصلني إليها ميهين كانت في ملحقٍ منفصل متصل بالقصر الذي يُقام فيه الحفل.
“استمتعي بوقتكِ وسآتي لأخذكِ.”
لم يكن من الممكن للأطفال الصمود طوال الليل في الحفل الذي يستمرّ حتّى الفجر.
لذا، كان من المقرّر أن يعود الأطفال الذين يلعبون هنا إلى منازلهم قبل الساعة الثانية عشرة، أو يناموا في غرف الضيوف بشكلٍ منفصل.
“أراك لاحقًا.”
حاولتُ إلقاء التحيّة ببهجة، لكنّ ميهين لم يستطع المغادرة بسهولة، ربما لأنّه شعر بأنني كنتُ غريبة الأطوار قبل قليل.
كان هناك الكثير من الأطفال في الغرفة.
وبالإضافة إلى الأطفال الذين رأيتُهم في “تجمّع الاصدقاء”، كان هناك الكثير من الوجوه الجديدة.
‘إنهم هناك.’
وبطبيعة الحال، كان التوأم و ارون من بينهم أيضًا.
في وقتٍ آخر، كنتُ سأرحّب بهم وأتظاهر بالمعرفة، لكنني لم أكن في حالةٍ تسمح لي بذلك اليوم.
دخلتُ إلى زاويةٍ وجلستُ بهدوء وحدي، تمامًا كما كنتُ أفعل دائمًا قبل أن أقابل بيسيون بالصدفة في حديقة قصر ولي العهد.
لحسن الحظ، كان هناك الكثير من الأطفال ممّا جعل من الممكن البقاء دون أن يلاحظني أحد.
“هااا.”
لقد جئتُ لرؤية بيسيون، فما هذا الحال الذي أنا فيه؟
‘لكنني لا أريد رؤية بيسيون وأنا بهذا الشعور.’
أصوات الأطفال وهم يتحدثون كانت تريح قلبي كضجيجٍ أبيض. ومع ذلك، كانت النظرات التي توجّه نحوي بين الحين والآخر تشعرني بعدم الارتياح.
‘…… هل أخرج إلى الحديقة؟’
سيعود بيسيون إلى قصر ولي العهد عندما يتأخّر الوقت، وبدا البقاء في الحديقة حتّى ذلك الحين فكرةً ليست سيئة.
تسلّلتُ بحذر بعيدًا عن أعين خادمات القصر وخرجتُ إلى الحديقة.
بفضل ذرّات الضوء المنتشرة في كلّ مكان مثل اليراع، لم يكن المكان مظلمًا رُغم الليل. وبما أنّ الصيف كان يقترب، لم يكن الجو باردًا أيضًا.
“المكان هادئ.”
تنفّستُ الصعداء في الهواء المنعش.
“لماذا أنا هكذا؟”
أن أقع في هذا الارتباك لمجرّد أنني قابلتُ البطلة قليلاً. رغم أنني كنتُ أعرف مسبقًا.
ولكن…….
لقد غمرتني الصدمة التي سبّبتها رؤيتها في الواقع. وبينما كنتُ أنظر إلى يدي التي لا تزال ترتجف قليلاً، أدركتُ الحقيقة. أدركتُ ما الذي رأيتُه.
‘طفلةٌ مثلها، من الطبيعيّ أن يحبّها الجميع.’
على عكسي أنا.
لقد كانت حقيقة أعرفها بمرارة أكثر من أيّ شخصٍ آخر، حقيقة طبيعيّة. ولكن لماذا أشعر بهذا الألم الذي يعتصر صدري؟
آه، أنا أكره هذا.
بينما كنتُ أجلس على المقعد وأضمّ ركبتيّ وأدفن رأسي فيهما.
“―آريلين.”
سمعتُ صوتًا ظننتُ أنه من المستحيل أن أسمعه فوق رأسي.
لا، مستحيل.
هل هذا هلاوس سمعيّة؟
“آريل.”
انقطع نَفَسي عند سماع صوت بيسيون القريب. كان ملمس يده التي وُضعت على كتفي يبدو بعيد المنال.
رفعتُ رأسي ببطء، فكان الوجه الذي رغبتُ بشدّة في رؤيته قريبًا منّي.
“لماذا تجلسين هنا وحدكِ؟”
لماذا يظهر بيسيون دائمًا في مثل هذه اللحظات؟
التعليقات لهذا الفصل " 86"