لم يكن في تِلك العيون الأرجوانيّة التي تُحدّق فيه أيّ أثرٍ للاهتزاز.
ومع ذلك، وحدُه ميهين، الذي راقبه لفترة طويلة جدًّا، كان بإمكانه أن يدرك.
حقيقة أنّ فالير كان مهتزًّا.
‘هالبيرن ملعونة.’
هكذا كانت تلهج ألسنةُ الحاقدين على هالبيرن، أولئك الذين يتمنّون لها السوء، وهم يسخرون بالكاد من عظمة هالبيرن الراسخة التي لم يتمكّنوا من الحطّ من قدرها أو إيجاد عيبٍ فيها.
ميهين يعرف أيضًا.
لماذا يتحدّثون بهذا الشكل.
الموت الغامض للدوق السابق في حادث.
الشائعات حول الفضائح والخلافات المحيطة بزواج الأميرة سيوني.
عمليّات التطهير والجدل الواسع الذي اندلع بعد تولّي دوق هالبيرن الحالي السلطة.
وبالإضافة إلى ذلك، ظهور أريلين.
وحتى تحرّكات دوق هالبيرن التي لا يمكن للإنسان العاديّ فهمها منذ ذلك الحين.
على الرغم من انغلاق هالبيرن الشديد، إلا أنّ ما يُلاحظ من الخارج كان كافيًا لإثارة هذه الأقاويل، فكيف ستكون الحقيقة يا تُرى؟
الآن، لم يتبقَّ من السلالة المباشرة لهالبيرن سوى الدوق فالير وابنته أريلين.
أما الفروع الجانبيّة التي اختلطت دماؤها بشدّة، فلم تكن قادرة على حمل اسم هالبيرن.
لأنّ هذه لم تكن مجرّد ‘عائلة’ بسيطة.
كان يجب أن يكونوا قادرين على تحمّل الأسرار الكثيرة التي تحميها هالبيرن، وتصونها، وتدفنها، وتخفيها.
ميهين، الذي أصبح فردًا من الداخل منذ زمن طويل، كان يعلم أنّ ذلك يتحقّق عبر القدرات الخارقة لهالبيرن التي تُورّث فقط للسلالة المباشرة.
“من أين سمعتَ هذه الشائعات؟”
“ألا تعلمُ أكثر من أيّ شخصٍ آخر أنّ الأمر ليس كذلك؟”
كانت النظرات التي التقت مرّة أخرى هادئة.
لقاءٌ يخلو من الاستكشاف أو صراع القوى.
خطرت ببال ميهين فجأة تساؤلٌ حول متى كانت آخر مرّة ضحكت فيها هذه العيون بصدق.
لقد كان يعلم، بشكلٍ غامض.
أنّ ذلك الفتى المشرق، الذي بدا أصلب من أيّ شخصٍ آخر ولا ينقصه شيء والذي أنقذه، كان يخيّم عليه ظلٌّ عميق ومظلم لا يُعرف سببه.
وأنّ ذلك الطفل كان يتنفّس ولو لفترة وجيزة متّخذًا منه مواساةً لنفسه.
وعندما كان يصمت بوجهٍ شاحب وكأنّ التحمّل قد شقّ عليه، كان ميهين يكتفي بالإمساك بيده بهدوء.
لأنّه كان يعود للابتسام بعد ذلك.
‘لقد مرّ زمنٌ طويل على ذلك أيضًا.’
كلّ الأشياء الثمينة والجيّدة التي حصل عليها ذلك الصبيّ الصغير الذي كان منبوذًا يتجوّل في الشوارع، كانت منحةً من هذا النبيل.
فكيف لا تكون تلك الصداقة وتلك الثقة مبهجة؟
لقد كانت غالية.
بينما كان يحمي مكانه لمدّة ستّ سنوات، ورغم شعوره بالصداع والقلق لعدم معرفته بسببٍ واحد.
كان ذلك هو السبب الجوهريّ الذي منعه من الهروب أو إفلات يده حتّى النهاية.
لم يستطع ميهين نسيان الفضل الذي قدّمه له فالير.
على الأقل، يجب ألا أكون عيبًا في حقّك.
يجب أن أكون عونًا لك.
حتّى لو لم يعد بإمكانه رسم تلك الابتسامة التي تشبه أشعة الشمس والتي كانت تُذيب القلوب المتجمّدة، وحتّى لو لم تكن اليد التي يُمسك بها دافئة.
حتّى لو شتمه الجميع وانصرفوا عنه، يجب أن أبقى أنا فقط. أنا فقط.
يجب أن أحاول فهمه أنا على الأقل.
أحيانًا يتجمّد قلبه، ويتصلّب تعبير وجهه، ويصل الغضب إلى ذروته، لكنّه كان يحاول.
ألا يفقد الثقة به.
“ابنة مَن هي بحقّ خالق الجحيم؟”
“…….”
“ليست ابنة سيّدنا حقًّا، أليس كذلك؟”
“أتظنّ أنها ليست كذلك؟”
لم يغضب ميهين وهو يرى موقف فالير المتملّص وغير الواضح.
“أنا أعرف علاقاتك النسائيّة بالكامل منذ سنّ المراهقة، وإن كان ذلك بغير قصد، فهل ظننتَ حقًّا أنّ بإمكانك خداعي؟”
رسم فالير ابتسامةً بعينيه وكأنّه مستمتع.
“هل انخدعتَ إذًا؟”
“لا أعرفُ بعد.”
“ماذا تعتقد؟”
“هل تسمحُ لي بِلكمك مرّة واحدة؟”
تنهّد فالير وهو يراقب ميهين الذي يمسك بقلم الحبر بقوّة.
رغم كثرة أسراره، إلا أنّ فالير يكتفي بالإخفاء فقط، ولا يكذب.
كان فقط يخلق مجالاً لسوء الفهم ببراعة ليخدع أعين الآخرين.
“بصراحة، أنا في موقفٍ صعب.”
تحدّث فالير وهو يبتسم بهدوء.
“ما الذي تريد معرفته؟”
“الحقيقة.”
كانت عيناه المستقيمتان باردتين كالعادة.
حدّقت العيون الخضراء الفاتحة في سيّده مباشرةً.
“الحقيقة الواضحة التي لا تشوبها شائبة من الخداع أو الأسرار. الحقيقة التي تخفيها وحدك، ولن تنطق بها حتّى تموت، أيّها الوغد.”
“آه، ميهين.”
ضحك دوق هالبيرن بمرارة.
“عندما تقول أشياء مغرية كهذه، تجعلني أرغب في الاستسلام فورًا.”
“توقّف عن هذا الهراء وأثبت براءتك لي، أنا الذي أقسمتُ لك بالولاء والإخلاص.”
طالب ميهين.
“فالير، نفّذ ما أقسمتَ لي به.”
أمام موقف ميهين الذي ذكّره بقسم قديم، رفع فالير يده مستسلمًا.
منذ زمنٍ بعيد، عندما أقسم ميهين بالولاء والإخلاص، أقسم فالير أيضًا كسيّد.
بأنّه سيكون صادقًا معه على الأقل.
“حسناً، يجب أن تكون أنتَ على علمٍ بالأمر.”
تحدّث فالير وهو يبتسم بسلاسة.
اهتزّت نظرات ميهين أمام الحقيقة التي نطق بها بهدوء.
رغم أنّه كان مستعدًّا، إلا أنّ الحقيقة التي واجهها بعد فتح صندوق باندورا كانت…….
“هل هذا صحيحٌ حقًّا؟”
“هل رأيتني أكذبُ من قبل؟”
“هاه، يا للمجنون.”
مسح ميهين على شعره. كان من المستحيل الاستمرار في التفكير بشعره الذي أصبح أشعثًا.
فقط. فقط…….
“فالير…… أيّها الوغد المجنون.”
هل أنتَ في وعيك؟
“أنتَ بحقّ خالق الجحيم، ماذا تنوي أن تفعل…….”
هل هو مجنونٌ حقًّا؟ أم أنّه كان مجنونًا منذ البداية وأنا أدركتُ ذلك الآن؟
كان ميهين على وشك الإمساك بتلابيبه.
‘بام!’
فُتح باب المكتب بقوّة وكأنّه سيتحطّم، واقتحم جسدٌ صغير المكان.
“امي، ساعدني!”
أريلين التي دخلت على عجلٍ رمشت بعينيها بذهول أمام الأجواء غير العاديّة في المكتب.
“أوه؟”
“سنتحدّث في ذلك لاحقًا.”
“ليكن ذلك.”
توصّل ميهين وفالير إلى اتّفاقٍ سريع. رغم أنّ الأمر في الواقع لم يكن اتّفاقًا بقدر ما كان إخطارًا من طرف ميهين.
على أيّ حال، كان ميهين بحاجة إلى وقتٍ لجمع وتنظيم أفكاره ومشاعره، لذا لم يكن ظهور أريلين سيئًا.
وفوق كلّ شيء، هي لطيفة.
ولكن، ما هذا الكلام؟
“هل تقصدين حفلة رقص يوم التأسيس؟”
“أجل أجل!”
هزّت أريلين رأسها بسرعة.
وقع ميهين في حيرة.
حسب علمه، كانت آنستنا تكره وتتجنّب الأماكن المزدحمة، والمزعجة، والمتعبة.
كانت ترفض حتّى لو توسّلوا إليها للذهاب. لكنّها هي من تقول إنّها ستذهب وتطلبُ منه أخذها أوّلاً!
‘هل هي مريضة؟!’
دون أن تدرك دهشة ميهين، كانت أريلين تختبئ خلفه وتتبادل النظرات الحادّة مع فالير.
“قولي لي خذيني.”
“نعم.”
“نادي بـ ‘ابي’ أولاً.”
“…….”
أيّها الوغد الدنيء.
ألا يمكنه أخذها وحسب؟
ابتسم فالير أمام نظراتها الممتعضة.
“هيا، عليكِ قول ‘ابي’.”
“ابـ…….”
“…….”
“ابـ…….”
“…….”
“البطل الصغير أوتوري*!” (Agi-jangsu Uturi)
“ففففت.”
انفجر فالير ضاحكًا، وأصبح وجه أريلين كأنّها على وشك البكاء.
قد يبدو من السهل مناداة ‘ابي’ لمرّة واحدة، لكن لسببٍ ما لم يطاوعها لسانها.
ربت ميهين على كتف أريلين التي كانت تتمتم ‘ابـ……’ مرّة أخرى بتعبيرٍ مظلوم.
“أنا سآخذكِ. لا تقلقي، آريل.”
“امي!”
جمعت أريلين يديها بتعبيرٍ متأثّر. كان ذلك لطيفًا لدرجة أنّ ملامح ميهين استرخت.
“ولكن لماذا تريدين الذهاب فجأة إلى حفلة يوم التأسيس؟”
جالت عينا أريلين يمنةً ويسرة.
“هذا سر.”
ارتسم على وجه ميهين تعبيرٌ وكأنّه فقد وطنه.
أرعب تعبير ميهين الضائع أريلين، فبدأت في التبرير بارتباك.
“أوه، لأنني أردتُ الذهاب مع امي؟”
توردت وجنتاها مثل الدراق من الخجل، ممّا زادها روعةً. وبجانب ميهين الذي شرد للحظة، تسلل فالير بهدوء.
“سيكون من الأفضل لو ذهبنا معًا، الام وباباو الاب أيضًا، أليس كذلك؟ يا ابنتي.”
لم يبالِ فالير بالنظرة الممتعضة التي كانت تتساءل عن هراء ما يقوله.
يبدو أنّ هذا الرجل قد وجد متعةً في مضايقة ابنته.
“متى ستنادين بـ ‘ابي’؟”
“عندما نصبح مقربين.”
“متى سنصبح مقربين يا تُرى؟”
“لا أعرف.”
التصقت أريلين بميهين أكثر وكأنّها تكره
والدها المتودّد.
“ابنتي، هل تكرهينني؟”
“لا أكرهك.”
“إذًا لا يزال هناك أمل. سأبذل جهدي بكلّ سرور.”
قبّل فالير ظهر يدها الصغيرة بحذر، وابتسم بجاذبية وهو يغمض عينيه برقة.
لقد كان حقًّا يتّخذ الموقف الصحيح لمن يعرف كيف يستخدم جماله بشكلٍ مثاليّ.
“ابتعد من هنا، آريل تشعر بعدم الارتياح.”
“هل تغار يا عزيزتي؟”
استشاط ميهين غضبًا.
“لديك، حقًّا، موهبة، في مراكمة، الذنوب، بكلامك.”
‘بوك بوك بوك’. ضرب ميهين فالير بقبضتيه.
وردّ فالير بإشراق دون أن يظهر أيّ ألم.
“شكرًا لأنك لاحظت ذلك.”
“لم يكن ذلك مديحًا!”
ضمّت أريلين يديها الصغيرتين وشجّعت ميهين.
‘أحسنتَ، اضربه أكثر! أكثر!’
_______
«”آجي جانغسو أوتوري!” هي عبارة كورية ساخرة جدًا وليست جملة عادية على الإطلاق.
أصلها من الحكاية الشعبية الكورية «아기장수 우투리» (آغي جانغسو أوتوري)، وهي قصة معروفة عن طفلٍ أسطوري وُلد بقوة خارقة، يُقال إنه كان قادرًا على رفع صخرة وهو رضيع.
القصة تنتهي نهاية مأساوية لأن والديه خافا من قوته غير الطبيعية فقاموا بقتله، ولهذا أصبحت الحكاية رمزًا للقوة الكامنة التي لا يُسمح لها أن تنمو.
باختصار:
قالت اسم أسطورة بطولية بدل “أبي”… وهذا ما جعل الموقف ينفجر ضحكًا.
التعليقات لهذا الفصل " 84"