جيلًا بعد جيل، يتولّى الأرشيدوق هالبيرن أكبر قدر من السلطة في أعلى منصب في عصره، باستثناء الإمبراطور، وقد أصبحت قوّة هالبيرن رمزًا للخلود غير القابل للكسر.
-لذلك، نحن السادة الحقيقيّون لهذه الإمبراطوريّة.
نراقب ونتحكّم بكلّ شيء من خلف الكواليس، حيث لا يرانا أحد.
الأسرار في أيدينا تجعل ذلك ممكنًا. كلّ ما كان علينا فعله هو التخلّي عن شيء واحد، وكان الباقي سهلًا.
الإنسانيّة.
-لن يعرف أحد أبدًا. ما نفعله، ما حدث لنا، ما أخذناه، لن يعرفوه في لمحة قصيرة من حياتهم.
كان الصوت في رأسه خبيثًا كالأفعى.
عبس فالير أمام الرؤى التي تأكل عقله وتعكّر حكمه.
لقد أفسد صخب هالبيرن نحو السرّيّة السلطة، جيلًا بعد جيل، بسبب الحاجة إلى حفظ الأسرار.
رجل يبدو وكأنّه جمع كلّ تلك الأمور المقزّزة وشكّلها في كائن بشريّ.
-من يجرؤ على تحدّيّ، من يستطيع تحدّيّ؟
الأرشيدوق هالبيرن الطيّب، غازو موردن.
-أنت لست أختك. أنت جدير بتوريث مملكتي، يا ابني.
الديكتاتور الماكر واللئيم لهالبيرن.
أب لم يتردّد في إساءة استخدام قوّة هالبيرن التي كان من المفترض أن تبقى سرًّا.
-شفقة؟ أنت تتصرّف بسخافة.
-تخلّص من تلك المشاعر الضعيفة. يا ابني.
-أنت قادر على كلّ شيء.
أحيانًا تشعر وكأنّك تختنق بدمك الخاصّ، مقرفًا من الدم الذي يجري في عروقك.
-إن كنت تهتمّ حقًّا بأختك، فستسمع كلامي، يا فالير.
خسر فالير الكثير على يد غازو موردن، الذي أراد دمية مطيعة لا ابنًا. أيّ عاطفة إنسانيّة.
-هل تريد أن تخسر حتّى أختك؟
عبس فالير أمام الإحساس اللزج الذي يغلّفه. الشعور الحقيقيّ لم يكن وهمًا.
«اخرج من هنا.»
نقر بلسانه باختصار، ففرّ الظلّ الذي اتّخذ شكلًا ليغزو عقله.
على عكس المبنى الرئيسيّ الآمن، كان الملحق الداخليّ، الذي لا يُسمح بدخوله إلّا للعائلة المباشرة و وكلاء السيد، يبدو دائمًا هكذا.
لهذا السبب، رغم أنّه عاش هنا طوال حياته، لم يحبّ فالير المكان أبدًا.
-…فالير.
تطايرت شظايا ذكريات لا يريد تذكّرها.
مشى الأرشيدوق بصمت وسط الدفء، صمت أقلّ وثبات أنفاس.
-أخي العزيز…
تألّق الشعر البلاتينيّ باهتًا، وعينان بنفسجيّتان سوداوان بالظلام.
طقّ.
تعرّف القفل المفقود منذ زمن على صاحبه وفتح الباب من تلقاء نفسه.
كيييييك.
خلف الباب المفتوح كان هناك قاعة واسعة مظلمة.
تسرّب الضوء هنا وهناك، يجعل مخطّط القاعة مرئيًّا بشكل غامض. كأنّها معرض فنّيّ ضخم، مع إطارات متنوّعة على كلّ جدار.
كانت هذه غرفة بورتريهات (الصور) هالبيرن.
كانت هي السبب الذي جعله يغامر بالدخول إلى هذا الملحق غير المرغوب فيه.
-كن سعيدًا، أخي.
بعد المرور عبر عدّة قاعات وأقواس غرف البورتريهات، التي لا يمكن لأحد سوى العائلة المباشرة لهالبيرن السير فيها، وصل إلى أعمق جزء من الممرّ.
{فالير سيرون هالبيرن، الأرشيدوق الثاني والخمسون لهالبيرن.}
بورتريه له بوجه أصغر سنًّا يتوهّج في الظلال.
كان بورتريهه الوحيد الذي بقي سليمًا من بين العديد من الإطارات التالفة.
والجدار الوحيد الفارغ.
بورتريه مؤطّر، أكبر من أيّ بورتريه رآه من قبل، ملقى على الأرض، مغطّى بقماش مخمليّ.
أمسكه بخفّة وسحبه، فانزلق القماش. بورتريه امرأة سرعان ما انكشف.
-يجب أن تكون سعيدًا.
وقف فالير كأنّه مُثبّت، يحدّق في البورتريه البعيد.
«مرّ وقت طويل.»
شعر بلاتينيّ كالشمس المذابة، عيون ورديّة حجريّة كالربيع.
سيوني سيغريا هالبيرن.
أخته الوحيدة، التي لم يعد بإمكانه رؤيتها مهما أراد.
التعليقات لهذا الفصل " 81"