مهما بدا أبي وكأنه بطل رواية رومانسية خيالية للكبار، إلا أن هذا يتجاوز الحدود.
بمناسبة الحديث، لماذا ليس هو بطل الرواية؟
يملك ماضياً مأساوياً ومروعاً، أسراراً خطيرة لا حصر لها، عائلته تدمرت تماماً، نشأ تحت كنف والدين حطام، وعلاقاته الإنسانية منهارة لدرجة أنه لا يملك سوى صديق واحد،
بالإضافة إلى كونه غير عقلاني، ويبدو وكأنه يعاني من اضطراب نفسي وعيوب شخصية واضحة.. إنه النموذج المثالي لبطل الرواية “الرجل السام” بعينه.
واه، إنه حقاً نقيض بيسيون تماماً.
“يبدو أن هذه المرأة هي أمي حقاً…….”
لم أستطع تجاهل هذا الحدس القوي. إذاً، من يكون أبي؟
‘لكن لو فكرتُ ببرود، أليس من المحتمل ألا يكون هو أبي الحقيقي؟’
في الواقع، عندما رأيتُ أبي لأول مرة، لم أشعر بهذا الحدس القوي الذي شعرتُ به عند رؤية هذه الصورة الشخصية.
لا أزال أشعر بمسافة بيننا، وبقليل من الغرابة أيضاً.
كنتُ أظن أن السبب هو عدم اعتيادي على وجود “أب”، ولكن.. هل هذا هو السبب حقاً؟
“هممممم.”
أهو أبي… أم عمّي؟
أبي على طريقة إرفين شرودنغر* ؟
« هنا مزحة مبنيّة على فكرة Erwin Schrödinger وتجربته الذهنيّة الشهيرة قطّة شرودنغر.
في تلك الفكرة الفيزيائيّة، القطّة داخل الصندوق تُعدّ حيّة وميتة في الوقت نفسه إلى أن نفتح الصندوق ونتأكّد.
أي أنّ حالتها غير محسومة، موجودة في احتمالين معًا.»
“لنغلق هذا الملف.”
سأتظاهر بأنني لا أعرف.
ما يهم سواء كان أبي الحقيقي أم لا!
من يطعمني، ويؤويني، ويربيني.. هاه؟ أليس هذا هو الأب؟
سواء كان هناك سر ولادة أو غيره، سأفكر في الأمر عندما يخبرني به شخص ما.
“ولكن أين هو حقاً؟”
قاعة الصور كبيرة جداً، مبالغ في حجمها.
أين يختبئ يا تُرى؟
بينما كنتُ أحك رأسي وأخرج إلى الردهة الرئيسية.
“أوه؟”
لمحتُ ممراً في الطابق الثاني كان خارج مجال رؤيتي بسبب ارتفاع السقف. صعدتُ بدافع الفضول، وهناك وجدتُ أبي مستلقياً بضعف وراحة فوق أريكة “كاواتش”.
“أبي!”
الشخص الوحيد القادر على التجول بحرية وتجاوز الأجهزة والكمائن التي لا تحصى في قصر هالبيرن العملاق هو صاحبه، الدوق هالبيرن.
ربما لهذا السبب، كان أبي يتواجد غالباً في أماكن لا يجرؤ الآخرون على الاقتراب منها.
“أبي؟”
ركضتُ نحوه، وعندما اقتربتُ، سمعتُ أنيناً خافتاً يصدر منه.
‘يبدو أنه استنزف قواه الخارقة كثيراً بسببي.’
بما أنني أعرف أن استخدام “القوى الخارقة” يتبعه حتماً آثار جانبية ومعاناة، شعرتُ بالقلق.
“هل تتألم؟”
وكأنه لم يكن نائماً، ارتجفت رموشه الطويلة الممتدة كالمروحة ثم ارتفعت ببطء.
احتضنت عيناه الأرجوانيتان الباهتتان صورتي.
هل هو مريض حقاً؟
“هل كنتَ نائماً؟”
“كلا.”
زفر أبي نفساً ضئيلاً ونظر إليّ. وفجأة بدأت بيننا مباراة “تحديق”.
“…….”
“…….”
لا يمكنني الخسارة.
شددتُ عينيّ وصمدتُ، حتى أطلق أبي ضحكة خافتة. يبدو أن النصر لي.
“هذه هي المرة الأولى.”
“ما هي؟”
“التي نتبادل فيها الضحك ونحن ننظر لبعضنا هكذا.”
كان صوته البطيء منخفضاً وعميقاً.
“هذا غريب. النسخة التي أعرفها منكِ كانت دائماً مغمضة العينين. لماذا تتحركين؟”
“أنا؟”
“وصوتكِ أيضاً.. أشعر وكأنني أسمعه للمرة الأولى.”
مدّ أبي يده بتعبير تائه قليلاً.
“ابنتي…….”
داعبت يده البيضاء والنحيلة وجنتي. وعلى عكس مظهر أصابعه، كانت لمسته حذرة وصلبة وكأنه يتعامل مع قطعة خزف رقيقة.
“أنتِ حية. دافئة. أهذا حلم؟”
“ليس حلماً.”
“حقاً؟”
سمعتُ صدى ضحكة خاوية. نظر إليّ أبي بنظرات ضبابية فاقدة للتركيز.
“أنا أحلم.”
“بماذا تحلم؟”
“أحلم بأنني أفقدكِ.”
كانت رموشه الكثيفة ترفرف ببطء على طول عينيه المسحوبتين كحبة اللوز.
“مهما كان الخيار الذي أتخذه، ومهما فعلت، أنا أفقدكِ دائماً.”
“لماذا؟”
“لا أعرف.”
رسم فالير ابتسامة باهتة.
“أحياناً أقتلكِ بنفسي. لأنكِ تبدين متألمة، أو لأنني جُننتُ ببساطة. وبعدها يرحل ميهين.”
همس أبي وكأنه يبوح بسر قديم جداً، قائلاً إنه إذا رحل ميهين، سيتحول هو إلى وحش.
“إنه آخر ما تبقى لي من إنسانية.”
الكيان الذي يمنعه من نسيان كونه بشراً في أي لحظة. الشخص الوحيد الذي لا يتغير أبداً. لذا، فهو الإنسان الوحيد الذي يثق به.
“لم يكن هناك سواه.”
ضحك أبي قائلاً إن ميهين هو الشخص الوحيد الثابت الذي يتخذ نفس القرارات دون تغيير في أي موقف أو لحظة.
القصة التي يرويها بصوته الهادئ والملول كانت تبدو بعيدة عن الواقع، مما جعلني أتساءل: هل أبي مريض حقاً؟ لكنها في الوقت ذاته ذكرتني بالحلم الذي راودني يوماً.
الحلم الذي مُتُّ فيه، ورحل فيه ميهين، واختفى فيه أبي.
‘هل يحلم أبي بمثل تلك الأحلام أيضاً؟’
“أحياناً كنتُ أرسلكِ للقصر الإمبراطوري، وأحياناً أعهد بكِ لعائلات أخرى، أو أطلب المساعدة من برج السحر أو المعبد…… لكنكِ كنتِ تموتين في وقت أبكر في كل مرة.”
انخفض صوت أبي الذي كان يضع يده على جبهته وتلاشى تدريجياً.
“وإذا قمتُ أنا بتربيتكِ، تموتين في وقت أبكر بكثير.”
تمتم أبي بكلمات غير مفهومة وكأنه مخمور بالنوم.
“كان عليّ…… أن أربيكِ جيداً.”
أهذه آثار استنزاف القوى؟ أم أعراض جانبية؟
أياً كان الأمر، لم يبدُ طبيعياً أبداً. لم أستطع تركه هكذا.
“أبي.”
نظرت إليّ عيناه الجافتان والذابيلتان.
عينان اشتاقتا لشيء ما منذ زمن طويل لدرجة أن العطش أصبح فيهما مزمناً.
مددتُ يدي وأمسكتُ بوجنتيّ أبي. انضغطت وجنتاه تحت شكل يديّ الصغيرتين.
“أنا هنا.”
“…….”
“لم أمت بعد.”
رَمش، وتحركت رموشه الطويلة ببطء كأجنحة الفراشة.
“ماذا لو آذيتُكِ؟”
لمست يد أبي وجنتي.
“ماذا لو فشلتُ في إنقاذكِ مجدداً؟”
فجأة، شعرتُ أن أبي يشبه الأطفال تماماً. رُغم أنه رجل ناضج، ورُغم أنه كان يبدو في قمة الهيبة عندما جاء لإنقاذي.
“لماذا تضحكين؟”
“لأن أبي.. يشبه الأطفال.”
رُغم أن جسدي هو الصغير، إلا أن أبي في هذه اللحظة يبدو طفلاً أكثر مني.
التعليقات لهذا الفصل " 100"