# الحلقة 35 – الفصل الأول: ظلال الماضي.
بما أنه وعد بالامتثال لكلامها، فرك ماسيرا وجهه كمن يغتسل جافاً، متردداً.
“حسناً…”
* * *
دخل ماسيرا الغرفة وهو غارق في القلق.
النبيذ، الكعكة، والفواكه المُعدة للعروسين كانت مقبولة، لكن الورود المزينة هنا وهناك أزعجته.
صوت الماء المتدفق من الحمام كان مزعجاً بنفس القدر.
‘ما معنى هذا؟’
كلماتها “ابقَ معي”، بنظرتها الحزينة، كانت، بغض النظر عن علاقتهما، إشارة محفزة لأي رجل في مقتبل العمر.
كما أن وجهها، الأكثر احمراراً من المعتاد، بدا غريباً. وكانت… جميلة بشكل خاص.
شعرها كخيوط الفضة، عيناها الكبيرتان النقيتان المائلتان برفق، شفتاها الصغيرتان، وابتسامتها البيضاء البريئة.
نظرت إليه وهي تجفف شعرها المبلل.
“الماء الساخن يعمل جيداً. كنتُ قلقة من أن أضطر للاستحمام بماء بارد.”
‘جميلة؟’
هل أفكر بهذا حقاً؟
على الرغم من تعرضه لكل أنواع الإغراءات في الماضي، لم يشعر قط بمثل هذا الاضطراب.
كيف يمكن لكلمة واحدة أن تهز رباطة جأشه؟
هرع ماسيرا إلى الحمام، استحم، وارتدى ملابسه بعناية تامة.
عندما خرج، كانت سينثيا قد لفت نفسها بالغطاء حتى رأسها.
“أنا…”
كان على وشك القول إنه سينام على الأريكة،
عندما لمع ضوء خارج النافذة. بدأت الألعاب النارية.
*بانغ!*
لم تكن الغرفة عازلة للصوت تماماً، إذ تسرب صوت الألعاب النارية إلى الداخل.
ارتجفت سينثيا تحت الغطاء، متكورة على نفسها.
“ما الخطب؟”
شعر ماسيرا بشيء غير طبيعي، فرفع الغطاء قليلاً ليراها.
رفعت رأسها، وكان وجهها، الأبيض أصلاً، شاحباً أكثر، مشبعاً بالخوف والرعب.
كان وجهها مشابهاً لما رآه خلال حادثة إطلاق النار في حفل الخطوبة.
“هل أنتِ مريضة؟ أخبريني بأعراضك…”
ارتجفت سينثيا، ثم دفنت رأسها في الغطاء مرة أخرى.
“…أنا خائفة.”
هل تخاف من صوت الألعاب النارية؟
تذكر ماسيرا أعراض الصدمة النفسية الناتجة عن الحروب، التي لا تصيب الجنود فقط، بل المدنيين، حتى الأطفال.
أطفأ أنوار الغرفة بسرعة.
‘لكن هذا مستحيل. هي لم تعش في منطقة الحرب.’
نهض ليطلب مهدئاً من الطاقم، لكنها أمسكت يده فجأة.
“لا تذهب.”
نظر إليها:
“لماذا؟”
“لا أريد أن أبقى وحدي.”
من تحت الغطاء، سمع صوت بكائها الهادئ.
إلى أين ذهب وعيها؟ وإلى من تتحدث؟ ربما إلى “أخيها” الذي نادته خلال حفل الخطوبة.
جلس ماسيرا بجانبها.
لم تُظهر علامات فرط التنفس أو النوبات، فقرر أن الأفضل هو البقاء إلى جانبها.
نظر إلى يدها البيضاء النحيلة التي تمسك يده بقوة.
كانت هذه المرة الأولى التي يرى فيها يدها بدون قفازات.
“…”
كانت يدها، لأميرة نشأت بنعومة، خشنة بشكل مفاجئ.
لاحظ دموعها تبلل الغطاء.
طبطب بحذر على ظهرها الهش، وهي متكورة على نفسها.
*بووم!*
مع صوت قوي، أضاءت ألوان الألعاب النارية الغرفة. بدا أن العرض وصل إلى ذروته.
“آه… أمي، أبي… أختي…”
كانت سينثيا تسد أذنيها، ترتجف كطفلة مرعوبة.
تساءل ماسيرا عما يجب فعله، عندما جذبت يده فجأة.
في الظلام، اتجهت عيناه البنفسجيتان نحو السقف ببطء.
“تجعلينني قلقاً.”
مع تمتمة هادئة، مال جسده تدريجياً مع جذبها.
بينما كان البعض على السطح يصنع ذكريات سعيدة مع الألعاب النارية، كانت سينثيا متكورة في ذكريات القصف.
وكان هناك من يعانقها ويطمئنها بحنان.
مر الوقت، وساد الهدوء.
“انتهى الآن.”
حاول إعادتها إلى الواقع، وهي مدفونة في صدره.
تحت ذقنه، تحرك رأسها قليلاً، وشعر بأنفاسها تهدأ تدريجياً.
كم مر من الوقت؟
‘هل أخبر طبيبها؟’
استلقى ماسيرا بشكل مريح، يحدق في السقف غارقاً في التفكير.
كانت سينثيا مستندة إلى كتفه العريض، تعانق خصره.
‘ماذا عن ملابسها؟’
يبدو أن الصدمة تفاقمت أثناء تبديلها لملابس النوم بعد الاستحمام. أزرار ملابسها لم تُغلق جيداً، فشعر بلمسة بشرتها.
كانت رائحتها مزيجاً من الحليب والخوخ.
* * *
*كووم!*
“كل شيء سيكون على ما يرام، لا تبكي.”
مع صوت أبي الرقيق، رن صفير الإنذار في الملجأ.
هل هذا حلم أم هلوسة؟
تغير المشهد.
تحت السرير، حيث كنتُ متكورة، رأيتُ أحذية عسكرية تتحرك.
كما نصحني أبي، أغلقت عيني وبدأت أعد حتى المئة.
‘واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة.’
عددت مع صوت الرصاص العنيف الذي هز الأرض.
‘شخص، شخصان، ثلاثة…’
كان صوت الرصاص دائماً مصحوباً بصرخات الناس.
في ذلك اليوم، رحل أبي.
في طفولتي، حين كنتُ أعرف العد حتى خمسين فقط، بعد جنازة أبي، حملني أخي وقال:
“صغيرتي، سأحميكِ من الآن فصاعداً. ألم نعد أبي أن نبتسم دائماً؟”
كنتُ صغيرة، وأخي، الأكبر مني بفارق كبير، كان جندياً.
“أخي، لماذا يموت الجميع وأبقى وحدي؟”
“فقط… لأنكِ محظوظة. نجوتِ حتى عندما انهار المبنى. كان أمي وأبي يقولان إن ولادتك كانت حظاً.”
“متى ستنتهي الحرب؟ أشتاق إلى أصدقائي.”
ابتسمت أختي، الأكبر بخمس سنوات، بحزن:
“فكري في الأمر كمسرحية. هذه الحرب، هذا الألم، سينتهي يوماً.”
“أختي، إذا تخيلتُ أننا في مسرحية يسعد فيها الجميع، هل سأصبح سعيدة حقاً؟”
صدى صوت أخي: “لكن عليكِ أن تعيشي أولاً.”
لاحقاً، مات أخي وأختي، لكنني نجوتُ.
كالعادة، بسبب الحظ.
“لا تتركونني وحدي…”
يقال إن العالم يحكمه قانون الحفاظ على الكتلة.
إذا كسبتُ شيئاً، يخسره آخر.
هل حظي تسبب في شقاء آخرين؟ كنتُ أعاني أحياناً من الشعور بالذنب، خاصة بعد سماع لوم أهالي الضحايا.
ومع ذلك، لم أستسلم وواصلتُ الابتسام، لأن ذلك كان وصيتهم.
ثم انتشرت شائعات بين الناجين أن الحكومة تخلت عن المدينة، وستُحتل قريباً.
لماذا أقاتل؟ لم أرد هذا.
في الغارة الثلاثين، لم أدخل الملجأ.
سقط المطر البارد على المدينة المدمرة.
بدلاً من أن أودع الناس واحداً تلو الآخر وأبقى وحيدة، أليس من الأفضل أن أرحل بسرعة؟
شعرتُ بالراحة وكأن المطر يغسل أحزاني.
جلستُ على بيانو مهجور في الشارع، وداعبتُ مفاتيحه. بعضها كان معطلاً.
“كان يجب أن أتعلم بجدية.”
لو فعلتُ، لكان موتي درامياً كعازفة بيانو.
رأيتُ طائرات تحلق في تشكيل منظم.
منذ متى توقفتُ عن الخوف من الطائرات؟
قبل الحرب، كنتُ أرى طائرات ورقية يصنعها أبي وأخي تحلق في السماء.
“خذوني معكم الآن.”
نظرتُ إلى السماء الملبدة مبتسمة.
كانت الأضواء الساقطة كأنها شهب، مذهلة الجمال.
“أمي، أبي، أخي، أختي. سألتقي بكم الآن.”
كانت هذه وصيتي الأخيرة.
* * *
من خلف الضوء المحيط، سمعتُ صوتاً:
“الآن، كل شيء على ما يرام.”
مع الصوت الرقيق، أدركتُ أنني أحلم.
مددتُ يدي نحو الصوت، وشعرتُ بحضن دافئ يحتويني.
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 35"