هل جاء هؤلاء الناس من أجل الرعاية… أم من أجل الصيد؟
حين يتجمع المال، يتجمع حوله الطامعون، ومنذ أن بدأت الدولة بتمويل مؤسسات رعاية الأطفال، بدا أن كثيرين من الجشعين قد شرعوا في إدارة دور الأيتام.
ليس لديّ اعتراض طالما أنهم يديرونها كما يجب، لكن…
‘ربما القصص المخيفة عن دور الأيتام التي تحدثت عنها جنيات التعليقات وُلدت في أمثال هذه الأماكن.’
وبينما أنظر إليهم الآن، بدا لي أن مديرنا البخيل ليس بذلك السوء في النهاية.
صحيح أنه دقيق وشحيح ويُكثر من التلميح والنظرات اللاذعة، لكنه على الأقل لا يعاملنا بقسوة.
.
.
.
└ [حتى إعطاء “نظرات التوبيخ” يُعدّ نوعًا من إساءة معاملةㅠㅠㅠ]
└ [كلهم سيئون بنفس الدرجة.]
.
.
.
‘هممم… إذًا، هو ليس شخصًا سيئًا تمامًا، لكنه بالتأكيد ليس جيدًا أيضًا.’
عاجزة عن احتمال تلك الحرب الصامتة الصغيرة بين صيادي الذهب — أقصد، مديري دور الأيتام — أدرت وجهي جانبًا.
ربما التفرج على الحديقة أفضل.
وفي تلك اللحظة، التقت عيناي بعيني سيدة أنيقة ترتدي فستانًا فاخرًا. بدا أن وجود طفلة في هذا المكان أثار دهشتها، إذ راحت تحدّق بي مطولًا.
فابتسمتُ لها بعينيَّ لأحييها، فشهقت قليلًا واتسعت عيناها ثم بادلتني ابتسامة لطيفة وتقدمت نحوي.
“يا للروعة، ما أجملكِ! من أين أتيتِ يا صغيرتي؟”
“مرحبًا! أنا أعيش هناك، في بلدة جيلتن القريبة. سمعت أن أشخاصًا مميزين جاؤوا إلى العاصمة اليوم، فأردت أن آتي لأراهم!”
“أوه، وهل استمتعتِ بجولتكِ في العاصمة؟”
“نعم! المباني كثيرة، والناس كذلك، وهذه الحديقة مذهلة! وأنتِ أيضًا يا سيدتي… قبل أن تتحدثي إليّ، ظننت أنكِ جنية الحديقة!”
تمايلت بخجل مصطنع، فغطّت السيدة فمها بقفاز حريري وضحكت برقة.
أما المدير البخيل، الذي كان يتجادل مع بقية مديري دور الأيتام، فلم يضِع الفرصة، وسرعان ما انضم إلى حديثنا.
“إنها إحدى الفتيات اللاتي نرعاهن في دار الأيتام. سمعت من أحد رعاتنا الكرام عن هذا الحدث وألحت عليّ كثيرًا لتراه بنفسها، فجئت بها لأريها الأجواء.”
“أوه، فهمت الآن. يُقال إن جلالته مهتم كثيرًا بتنشئة الأجيال القادمة من الموهوبين. لم أكن أعلم أن في العاصمة العديد من دور الأيتام. يبدو أن عملكم شاق حقًا.”
وما إن نجح مديرنا في فتح باب الحديث مع سيدة من النبلاء حتى بدا الغيظ واضحًا على وجوه المديرين خلفنا.
“اللعنة! أحضر طفلة لكسب ودهم… يا له من دهاء!”
“لماذا لم تخطر لي تلك الفكرة؟”
“لدينا في دارنا أطفال أذكياء أيضًا…”
ابتسم مديرنا ابتسامة نصر عريضة ثم تحرك إلى مكان آخر.
كنت أحيي كل من تلتقي به عيناي، وكلما اقترب أحد النبلاء مهتمًا، كان المدير يبادر بوجه بشوش ليروج لميتمنا.
شعرت وكأني لوحة إعلانات بشرية تتحرك بينهم.
.
.
.
└ [وهنا، أليس من المفترض أن يقع الأمير في حب روز من النظرة الأولى؟]
.
.
.
أفراد العائلة الإمبراطورية لا يأتون إلى الأماكن النائية كهذه.
صحيح أن بعض النبلاء الذين ليسوا أبطال الاحتفال ينتظرون حتى انتهاء مراسم منح الألقاب، لكن أفراد العائلة الإمبراطورية أنفسهم لن يحضروا.
وبينما كنت أتنقل بلا هدف واضح، وجدت نفسي في المنطقة الداخلية حيث تجمّع كبار النبلاء. بدأت وجوه مألوفة تظهر من هنا وهناك.
‘لابد أن أحد المقربين من دوق كلارك موجود في هذه الجهة
.
.
.
└ [ما هذا، هل نحن في لعبة “أين والدو¹؟”! كيف يُفترض بنا أن نجد شخصًا هنا؟]
└ [هاها! وبما أن والدو يرتدي الأحمر، لا أستطيع إلا تخيّل وجه والد ليون على جسد والدو.]
.
.
.
[الشرح¹: “أين والدو؟” هي لعبة/كتاب يحتوي رسمة مليئة بالتفاصيل، ومهمتك أن تبحث عن شخصية اسمها والدو—رجل يرتدي الأحمر والأبيض—مختبئ بين الناس والأشياء.]
‘من هو والدو؟’
هل هو شخص بارع في الاختباء؟ ربما مثل قاتل محترف؟
على أي حال، لم أكن أنوي التجول عبثًا في محاولة لإيجاد الدوق كلارك دون خطة.
إذا كان النبلاء مجتمعين في مكان واحد، فسيكون من الأسهل إيجاد الهدف.
فالنبلاء عادة ما يتجمعون مع أولئك الذين يملكون الميول نفسها.
وبما أن الدوق كلارك يحافظ حاليًا على موقف الحياد، فكل ما علي فعله هو معرفة المكان الذي يتجمّع فيه النبلاء الذين لا ينتمون لا إلى فصيل القصر الإمبراطوري ولا إلى فصيل النبلاء.
وبينما كنت أتفحص وجوه المارّين، رأى المدير الكونت ماتيو، أكبر رعاة ميتمنا.
ويبدو أنهما كانا قد تواصلا مسبقًا، إذ ما إن وصلنا حتى وجدنا سكرتير الكونت ينتظرنا.
“الكونت في حديث مع بعض الضيوف حاليًا، لذا ستضطرون إلى الانتظار قليلًا.”
“بالطبع، لا بأس، يمكنني الانتظار قدر ما يلزم.”
ثم أجلسني على مقعد في الممر، وبدأ يتحدث إلى السكرتير مطولًا عن مدى إعجابه بالكونت ماتيو، وكيف يحترم مبادئه، وكيف أنّ الميتم يُدار بفضل تبرعاته السخية. ولم ينسَ أن يطلب منه إيصال كل ما قاله إلى الكونت بنفسه.
في تلك الأثناء، حافظت على بصري متيقظًا وأنا أتفحص وجوه الضيوف الداخلين والخارجين.
كان الجميع يبدو أصغر بعشر سنوات على الأقل مما أذكر، لذا لو لم أركّز جيدًا، لفاتني التعرف على بعضهم.
ذلك الرجل الواقف أمام الطاولة هو الفيكونت غيلبرت، وتلك السيدة التي تمسك بالكأس هي الكونتيسة براندون، وذلك البارون أليكس…
.
.
.
└ [كل هذه الأسماء تبدو مألوفة على نحوٍ غريب.]
.
.
.
ربما بدت لي جديدة في هذا العصر من الإمبراطورية، لكن لا بد أنني سمعتها في مكان ما من قبل.
تجاهلت جنيات التعليقات تلك، وواصلت تتبع الناس بعينيّ.
ذاك الفيكونت باتريك… لا، انتظر، في هذا الوقت كان لا يزال بارونًا؟ وتلك السيدة هي ابنة الماركيز، الآنسة نايت… وتلك… لحظة!
الآنسة نايت، ابنة الماركيز؟!
أعدت رأسي بسرعة أبحث عنها مجددًا، ثم عادت إلى ذهني ذكرى استحضرتها مؤخرًا.
.
.
«ألا يهتم الدوق كلارك بالزواج؟ سمعت أنه رفض لقاء الآنسة نايت مؤخرًا.»
«يا للأسف، لا بد أن الفتاة تألمت بشدة، لا سيما أنها احتاجت إلى شجاعة كبيرة للإقدام على ذلك.»
.
.
.
…تلك هي الآنسة نايت نفسها!
كانت هناك شائعة تقول إنها لم تتزوج رغم بلوغها سن الزواج منذ زمن، لأنها كانت واقعة في حب الدوق كلارك منذ سنوات طويلة.
هل يمكن أن يكون هذا هو الوقت الذي بدأت فيه مشاعرها؟
كان وجهها أصغر سنًا بكثير مما في ذاكرتي، وبدت حمرة خفيفة على وجنتيها.
ومن نظرة عينيها، كان واضحًا أنها ذاهبة للقاء من تحبه سرًا.
.
.
.
└ [أوه، ذلك الرجل لديه طفل بالفعل.]
.
.
.
حسنًا، هي لا تعلم ذلك بعد، لكن على أي حال…
آه، انتظري! لا يجب أن أفلتها من ناظري!
أسرعتُ بالركض خلفها.
ومن خلفي سمعتُ صوت المدير يصرخ:
“ألم أقل لكِ ألا تبتعدي؟ إلى أين تظنين نفسكِ ذاهبة؟!”
لكن في الحقيقة، كونه رآني وأنا أتحرك كان أمرًا مريحًا بالنسبة لي.
بما أنه رآني إلى أين أذهب، فليقرر بنفسه إن كان سيتبعني أم لا!
في النهاية، سأعود إلى دار الأيتام على أي حال، لذا من الأفضل أن أتعرض للتوبيخ على أن نتوه كلانا ونحن نسير في اتجاهين مختلفين.
بل إن الإمساك بي وأنا أهرب أمام عينيه سيكون عقابي أخف بكثير من اختفائي دون أثر.
أما الآن، فالفتاة الواقعة في الحب مضت قدمًا بثبات، وأنا ركضت بكل ما أوتيت من قوة.
وجدتها!
في نهاية الممر الذي كانت تسلكه الآنسة نايت، كان يقف رجل ذو شعرٍ أحمرَ يشبه شعر ليون تمامًا.
“يا دوق، كنتَ هنا… آه!”
توقفت الآنسة نايت فجأة، إذ شعرت بشيء صلب تحت حذائها.
وتبيّن أن ما كان تحت قدمها هو… قلادة ليون — القلادة التي رميتها.
ليون، سامحني… والدوق أيضًا، أرجو أن تسامحاني!
كان العقد مصنوعًا من مادة متينة، لذا لن يتضرر كثيرًا، لكن بسبب ساقي القصيرتين لم أستطع اللحاق بها بسهولة، ولم يكن أمامي خيار آخر.
كِدت أفقد أثرها، فقررت أن أستخدم حيلتي الأخيرة… “خدعة السيدة”.
إنها «خدعة إسقاط المنديل» — الحيلة التي تلجأ إليها المرأة لإسقاط منديلها عمدًا أمام الرجل الذي يعجبها كي يلتقطه لها.
أما في حالتي، فـ«السيدة» كانت نبيلة، وأنا لم أسقط المنديل بل رميتُ القلادة، وبدلًا من أن أبدو أنيقة، اختلّ توازني وسقطت أرضًا — لكن المبدأ واحد!
“يا صغيرة، هل هذا لكِ؟”
الآنسة نايت لم تُبدِ اهتمامًا بي بقدر ما شدّت القلادةُ انتباهها، فالتقطتها بيدها ونظرت إليها باهتمام.
في تلك اللحظة، تحرّكت حاجبا الدوق كلارك قليلًا…
أكان ذلك لأنني تسببت في ضجة، أم لأنه تعرّف على القلادة التي كانت في يدها؟
أرجوك… تعرّف عليها!
كنت أنظر إليه برجاءٍ وأنا ما أزال جاثمة على الأرض، لكن المدير وصل في تلك اللحظة وأمسك بذراعي رافعًا إياي بعَجَلة.
“آه، هاهاها، نعتذر حقًا. لقد تسببت طفلتنا في إزعاجكم… هيا، اعتذري بسرعة ولنعد إلى الكونت!”
“وـ، ولكن يا مدير! القلادة…”
أجبرني على الانحناء للاعتذار وضغط على رأسي ثم حاول سحبي بعيدًا.
القلادة ما زالت في يد الآنسة نايت!
إن لم يتعرّف عليها الدوق، فعليّ على الأقل أن أحرص على أن تُعاد إلى ليون. فهو تذكارٌ تركته له والدته الراحلة.
“القلادة… يجب أن نستعيد القلادة…!”
“عن أي قلادةٍ تتحدثين؟! لم أشترِ لكِ قلادة يومًا. هل التقطتِها من الطريق؟ تخلّصي منها فورًا قبل أن تسبب
لنا المتاعب!”
كان المدير خائفًا من أن أغضب أحد النبلاء فنتعرض نحن والميتم للمشكلات.
لكنني نظرت بيأسٍ إلى الدوق كلارك وقلت متوسّلة:
“يا سيدي، تلك القلادة…!”
“تمهّلي.”
═══∘ ° ❈ ° ∘═══
ترجمة : أوهانا
الانستا : han__a505
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"