كان حجر الاتصال المعلق حول عنقها يلمع.
تأملت أريليتيا بلورة الكريستال المتلألئة بصمت.
وفجأة تساءلت في نفسها:
‘هل كان لاسيان يرى هذا أيضًا؟’
عندما تحدث معها آخر مرة، طلب منها ألا تبكي وأن تواجه الأمور بهدوء.
وفي هذه المرة، كان لاسيان قد رأى المستقبل بوضوح.
شعرت بحرارة في جفنيها، وما لبثت دموعها أن بدأت تنهمر دون توقف.
‘إلى أي مدى رآه يا تُرى؟’
لابد أنه رأى كل جوانب حياتي الأولى، التي كنت فيها صادقة بشكل سخيف… فلا بد أنه سخر مني، أليس كذلك؟
بدلًا من الرد على الاتصال، راحت أريليتيا تفرك جفونها بقسوة بكفّيها.
‘تماسكي. لقد حان الوقت ليصل.’
وبالفعل، في تلك اللحظة تمامًا…
ظهرت قدما شخص ما في مجال رؤيتها المنخفض.
“مرحبًا؟”
ثم جاءها صوت مألوف يخترق أذنيها.
كان صبيًا نحيفًا وطويل القامة، جلس القرفصاء أمام أريليتيا حتى تلاقت أعينهما على نفس المستوى.
كان ألبرت.
“رأيتكِ قبل قليل، أليس كذلك؟”
“……”
“لم يُقدّمكِ الكونت لي، ما اسمكِ؟”
أجابت أريليتيا بصعوبة، وكأن الكلمات ثقيلة على لسانها:
“أريليتيا هيزيت.”
“هيزيت، إذن… كم عمركِ؟”
“ثماني سنوات.”
لم تنطق الكلمات باحترام.
ضاقت عينا ألبرت قليلًا، وهي تعبير اعتادت عليه. فهو يفضل التغاضي على المواجهة المباشرة، لكنه لا يستطيع كبح انزعاجه عندما يُخدش كبرياؤه.
ومع ذلك، سألها بصبر:
“هل ضللتِ الطريق؟”
“……لا.”
“إذن، لماذا أنتِ هنا؟ هذا الطريق يؤدي إلى جناح الإمبراطورة، وإذا تقدّمتِ أكثر، ستعترضكِ الحراسة.”
“الطريق جميل، والجو دافئ.”
تجاهلت أريليتيا يده الممدودة ووقفت بمفردها.
ألبرت سحب يده بتأنٍ، محافظًا على صبره مرة أخرى.
“الشمال بارد وصعب، أليس كذلك؟ حتى إن تحسنت الأحوال، لن يصل لمستوى العاصمة.”
“لا أرى فارقًا كبيرًا.”
تمادت… كلامها بات مختصرًا ومباشرًا لدرجة وقحة.
ألبرت كبح مشاعره بصعوبة. لقد صبر ثلاث مرات، ولن تكون هناك رابعة.
ثم قال بلطف مصطنع:
“لكن هناك الكثير من الأسئلة التي لا يمكن حلّها في الشمال، مثل…”
“……”
“قصة والديكِ الحقيقيين، مثلًا؟”
هذه المرة أثرت كلماته.
نظرت أريليتيا إليه فجأة، ملامحها مشدودة.
“والديّ؟”
صوتها، الذي كان باردًا، اكتسب فجأة نبرة اهتمام.
ارتسمت على وجه ألبرت ابتسامة نصر.
‘كما قالت أمي تمامًا… الأيتام ينجذبون لقصص آبائهم.’
“ألا ترغبين برؤية وجهَيْ والديكِ؟ أو منزلكِ الذي كنتِ تعيشين فيه معهم، وكل تلك الذكريات؟”
“……”
“ولماذا افترقتِ عنهم وبتّ وحيدة؟”
“……”
“رهاني أن كونت لم يخبركِ بتلك التفاصيل. والدكِ، كاديز، أعدم بعد أن كُشف أمر محاولته تسميم جلالة الإمبراطور…”
“يا لها من قصة مبتذلة.”
لم يصدق ألبرت أذنيه.
أريليتيا نفضت ثوبها برشاقة ورفعت ذقنها بثقة.
“هذا هو دوما أول ما تقولونه، أليس كذلك؟”
هل عليّ أن أقول: من حسن الحظ أن الناس لا يتغيرون أبدًا؟
حديثه عن والديها أعادها إلى الواقع تمامًا. بشكل غريب، شعرت بالامتنان له على ذلك.
‘ماذا كنت أتوقع؟ ألبرت كان دائمًا هكذا.’
حتى في حياتها الأولى، التي كانت فاشلة بكل المعايير، تعلمت أريليتيا درسًا مهمًا:
نقاط ضعفك، قد تكون طُعمًا سهلاً للآخرين.
كلما حفرت في الجرح أكثر، زاد تحكمك. وبمجرد أن تُمسك زمام الأمور، يصبح كل شيء قابلاً للتحقيق.
‘إذا كنتَ علّمتني شيئًا… فهو هذا.’
نطقت أريليتيا بلهجة مشحونة:
“ليس لديك شيء الآن، أليس كذلك، سمو الأمير الأول؟”
“ماذا قلتِ؟”
“لا تملك سوى بعض المسؤولين داخل القصر وخدمه. وبمجرد أن تغادر جلالة الإمبراطورة إلى موطنها، ستُترك وحدك في هذا القصر الفارغ.”
“أنتِ…”
“لم تعثر على المنبوذ من برج السحر، ولا حكيم الغابة البيضاء، ولا حتى على أي أثر من آثار الحكماء.”
في حياتها الأولى، كان أريليتيا وريكي هما جناحَي ألبرت. لاحقًا، حصل على دعم برج السحر، وبنى قوته بطريقة مرعبة.
لكن الآن، لا يملك شيئًا. لقد سلبته كل المفاتيح.
“أنت خائف، أليس كذلك؟ من أن تُترك وحيدًا.”
شحب وجه ألبرت فجأة، ثم بدأ يحمر تدريجيًا.
هو يعلم تمامًا ما الذي يحدث للأمراء العاجزين حين يُتركون وحدهم في القصر.
فقد كان من يعذب لاسيان بنفس الطريقة.
وليس هو وحده، بل يوجد الثاني أيضًا…
الأمير الثاني، لوسيو، ذو البنية القوية والسلوك العنيف، يطوف القصر وكأنه زعيم عصابة، يضرب بعنقه بعصاه الخشبية.
والآن بعد رحيل لاسيان، من تظن سيكون هدفه القادم؟
الأمور انقلبت.
ألبرت المرتبك بدأ يتلعثم:
“أنتِ… مخطئة. أنا الأمير الاول. لا يُمكن مقارنتي بالأمير الثالث!”
وهل هناك فرق حقًا؟ ألم تكن والدتكِ مجرّد خادمة عندما دخلت القصر؟
سخرت أريليتيا في نفسها.
صحيح أنها سيطرت على القصر بقبضتها لاحقًا، لكن عندما حملت بطفل الإمبراطور، كانت النبلاء ينظرون إليها باحتقار.
“وقاحتكِ لا تُحتمل… ما الذي تحاولين قوله؟”
“أقول لك، شجّع نفسك. هذه كلمات دعم.”
“ماذا…؟”
“لا يمكنك الخسارة بشكل مخزٍ هنا، أليس كذلك؟ أنت الوريث الشرعي!”
ألقت أريليتيا نظرة جانبية حذرة.
همس لها بانلي بتحذير:
“ليس جلين هيزيت وحده هنا. هناك جواسيس يتابعون الأمر أيضًا.”
قد يكونون من حرس ألبرت، لكن بالتأكيد بعضهم تابعون للويسو.
وليس من المستبعد أن يكون دوق باميروس نفسه مهتمًا بهذه المواجهة.
‘كنت لأطيح بك فورًا، لو أن هدف حياتي هو الانتقام فقط.’
لكن مهمتها لا تقتصر على ذلك.
تتضمن مهمتها في هذه الحياة: تتويج لاسيان فديركا، وازدهار عائلة هيزيت.
وألبرت ليس العدو الوحيد في هذا الطريق. العدو الأصعب هو الأمير الثاني.
لوسيو فديركا.
وزوجته المستقبلية، تينيسا باميروس. ( عايزة احرقلكم إنها مش بس زوجته المستقبلية دي حاجة تانية وأوحش)
والدها، الدوق باميروس.
الآن بعد أن ستعود الإمبراطورة إلى موطنها، سيحاولون ملء الفراغ والسيطرة على القصر.
وإذا نجحوا، فسيكون من المستحيل تقريبًا كبح سلطتهم المتنامية.
‘لذا… حتى عودة لاسيان، لا بد من بقاء القوة منقسمة في بيرتل.’
يجب الحفاظ على التوازن بدقة.
يجب على الأمير الأول والثاني أن يظلّا يتنازعان تدريجيًا على مدى ثلاث سنوات قادمة.
“لذا، توقف عن إضاعة وقتك معي، وركّز على السيطرة على وزراء القصر. وزير المالية، وزير الإدارة، ووزير العدل. ليس لديك من تعتمد عليه سواهم، أليس كذلك؟”
“بالطبع! من تعتقدين نفسي؟!”
صرخ ألبرت غاضبًا.
‘حسنًا. انتهى كلامي.’
كانت هذه زيارتها الوحيدة لهدف واحد.
لكن…
لم تستطع كبح الغضب المتصاعد.
عيون أريليتيا، المنتفخة من البكاء، لمع بريقها بحدة.
‘محاولة اغتيال الإمبراطور؟ والدي؟ إعدام؟ سم؟ سمّ؟!’
شعرت وكأن رأسها سينفجر من الغضب.
استدارت مجددًا، تقدّمت نحوه بخطوات واسعة، ووقفت أمام أنفه مباشرة، ثم تمتمت بأسنان مطبقة:
“توقف عن التظاهر وكأنك شخص مهم، أيها الوغد. هل تستمتع بالحديث عن والديّ بهذه الطريقة؟”
ألبرت تجمّد مكانه، مذهولًا.
“هل تعتقد أنك أفضل؟ من تكون حتى تحكم على والديّ؟ هل تعتقد أنني قصيرة هكذا، فستستغلني كما يحلو لك؟ ها؟”
يا إلهي، فقدت السيطرة مجددًا. أحد ما، أحضر دوق هيزيت بسرعة وأبعد هذه الفتاة!
ركض جلين من بعيد بعد أن شعر بتوتر الموقف.
وفي اللحظة التي حملها فيها، كانت أريليتيا لا تزال تصرخ:
“سأكتشف الحقيقة عن والديّ بنفسي، أيها الـ… أغمغمغمغم!!”
رغم أنها كانت تمتم بكلماتها من خلال أسنانها، إلا أن بعض الشتائم خرجت بوضوح، ما جعل وجه جلين يشحب وهو يُكمم فمها بكفّه.
“هاه، حان وقت الدواء الآن، صغيرتي!”
نظر ألبرت إلى جلين بذهول، بينما هذا الأخير انحنى له بخفة:
“إذن، نرجو لك السلامة، سمو الأمير.”
التعليقات لهذا الفصل " 111"