كان كايدن ممدّدًا على السّرير بهدوء، وجهه خالٍ من أيّ لون، وقد أصبحَ جسده هزيلاً للغاية. اقتربتُ من السرير، و مررتُ يدي المرتجفة على وجهه.
سألَ الدّوق السّابق بنبرةٍ هادئة:
“كيفَ حال كايدن؟”
أجابَ الماركيز:
“طبيب القلعة المقيم يعتني به، لكن… حالته لم تكن جيّدة منذُ وصوله إلى هنا.”
عضضتُ على أسناني و نظرتُ إلى ملك الشّياطين بنظرةٍ حادّة.
هو السّبب في كلّ هذا، ذلكَ الوغد الذي يريد قتل الأبرياء. هل لأنّه ملك الشّياطين يظنّ أنّ بإمكانه فعل ما يشاء؟
أردتُ أن أنهال عليه بالشتائم و اللّعنات، لكنّني كبحتُ نفسي بصعوبة. كان الهدف الأول للوفد المتقدّم هو الحوار و التفاوض.
كبحتُ دموعي و قلتُ:
“أريد معالجة الدّوق بالقوّة المقدّسة.”
تحوّلت أنظار الجميع إلى ستيلا، القدّيسة. نظرَ إليها ملك الشّياطين و تمتم:
“خادمة نيكس، إذن. أنا لا أحـبّ نيكس. لا يخبرني بأيّ شيء و يبقى صامتًا. أعلم أنّه هكذا بطبعه. لذا أريد قتله.”
يا له من مجنون!
شعرتُ بالقلق. كنتُ أعرفُ مدى رعب ملك الشّياطين منذُ لقائي به في القصر الإمبراطوريّ.
إذا أغضبته، يمكن أن يقتل ليس فقط ستيلا، بل الجميع هنا.
خفق قلبي بقلقٍ شديد.
لكنّه أضاف بنبرةٍ كأنّه يمنحنا فرصة:
“لكنّني لا أزال مستعدًّا لإظهار بعض الرحمة.”
ثم واصلَ حديثه:
“إذا قدّمتِ دليلاً على أنّكِ ابنتي، سأسمح بالعلاج.”
بدأت المرحلة الحاسمة الآن.
تقابلت عيناي مع عيني دورانتي. اقترب بوجهٍ متصلب و وقف إلى جانبي.
فتحتُ فمي ببطء:
“دورانتي، الذي عاشَ في نفس حيّ الفقراء معي، هو شاهدي.”
نظرَ إلينا ملك الشّياطين كأنّه يطلب منّا المتابعة.
تحدّث دورانتي هذه المرّة:
“أنا… اعتنيتُ بالسّيدة ماريان عندما كانت صغيرة. كانت تبدو في الثالثة أو الرابعة من عمرها، وكنتُ أنا في الخامسة عشرة، لذا أتذكّر ذلكَ الوقت جيّدًا. منذُ ذلك الحين، كانت السّيدة ماريان ترتدي ذلك السوار.”
كان الأمر بسيطًا جدًا.
كلّ ما نحتاجه هو شهادة شخصٍ رأى سوار الجرمانيوم على معصمي منذُ صغري. لم يكن واضحًا إن كان ملك الشّياطين الشيطانيّ سيصدّق ذلك مباشرةً، لكن…
نظرَ ملك الشّياطين إلى دورانتي بعيونٍ غير مبالية.
كان دورانتي يرتجف بشكلٍ طفيف من الخوف، رغمَ أنّ ملك الشّياطين لم يُظهر أيّ عدوانيّة. وجوده وحده كان كافيًا للسيطرة.
فتحَ ملك الشّياطين الشيطانيّ فمه ببطء:
“كيف كانت حالتها عندما وجدتَها لأوّل مرّة؟”
“لا أعرف بالضبط. كانت هناك امرأةٌ عجوز تعتني بها بالفعل. كنتُ مشغولاً بالعمل، فلم أعرف كيف وصل كلّ طفلٍ إلى هناك.”
“وماذا عن تلكَ المرأة؟”
“لقد ماتت.”
سادَ صمتٌ قصير. كنتُ متوترة.
كنّـا قد نسجنا أنا و دورانتي مزيجًا من الحقيقة والكذب، و قد أعددنا أقوالنا مسبقًا. باستثناء جزء السّوار، كلّ شيء حتّى الآن كان صحيحًا.
سألَ ملك الشّياطين مجدّدًا:
“كيف كانت ملابس الطفلة آنذاك؟”
أجابَ دورانتي:
“كانت ملابس السّيدة ماريان ممزّقة، لكن يبدو أنّها كانت في الأصل ملابس فاخرة.”
كانت هذه كذبة.
منذُ البداية، كنتُ أرتدي ملابس كبيرة و بالية لا تناسب حجمي.
لكن إذا كنتُ ابنة ملك الشّياطين، فمن المفترض أن أكون قد ارتديت ملابس باهظة. لذا، زيّفنا القصّة قليلاً لتناسب توقّعات ملك الشّياطين.
“ثلاث أو أربع سنوات، إذن؟”
“نعم، بدت في تلكَ السن.”
“لكنّني فقدتُ روزالين عندما كانت في الثانية.”
تردّد دورانتي للحظة، لكنّه حافظَ على رباطة جأشه:
“الأطفال في تلكَ السن يكبرون بسرعة. وبما أنّ ملابسها كانت ممزّقة، ربّما مكثت في مكانٍ آخر قبل وصولها إلى حيّ الفقراء.”
“حـقًّا؟”
فكّر ملك الشّياطين الشيطانيّ للحظة ثمّ التفت إليّ:
“هل كنتِ ترتدين السّوار يوميًا؟”
جـاءَ دوري الآن. أجبتُ بالإجابة التي أعددتها:
“لا. منذُ أن بدأتُ حمل السّيف بشكلٍ جدّي، كان السّوار يتدلّى و يزعجني، لذا كنتُ أخلعه كثيرًا.”
لو قلتُ إنّني كنتُ أرتديه يوميًا، لكان يجب أن يراه الكثيرون. لكن بقولي إنّني كنتُ أخلعه غالبًا، يمكنني تقليل الشكوك لاحقًا.
“إذن، لماذا كنتِ ترتدينه في ذلكَ اليوم؟”
كان يشير إلى اليوم الذي رأى فيه السوار على معصمي في القصر الإمبراطوريّ.
“لأنّني بدأتُ ارتداءه منذُ يومين فقط.”
“هل نسيتِ خلعه؟”
كان ينظر إليّ بعيونٍ ضيّقة و هو يتفحّصني بعناية.
شعرتُ بالعرق البارد يتصبّب من ظهري، لكنّني لم أتجنّب نظرته.
ماذا يمكنه أن يفعل؟
نسيتُ خلعه، هذا كلّ شيء.
“هل غيّرتِ الخيط؟”
رفعَ السّوار و سأل. شعرتُ بالارتباك للحظة.
غيّرتُ الخيط؟
كان السّوار عبارة عن خيطٍ فضيّ مع حجرٍ أسود.
منطقيًا، بعد عشرين عامًا، من الطبيعيّ أن يكون الخيط قد تآكل أو استُبدل. لكنّني أدركتُ نواياه بسرعة.
“لا، كان سليمًا.”
أجبتُ بأنّني لم أغيّر الخيط.
سادَ الصّمت في الغرفة. لم يُظهر ملك الشّياطين أيّ ردّة فعل. هذا الصّمت كان دليلاً على أنّ الإجابة صحيحة.
حليّ أعطاها ملك الشّياطين لمحبوبته لن تكون بخيطٍ عاديّ.
تنفّستُ الصّعداء داخليًا بعد أن تجاوزتُ استجوابه الماكر. نظرَ ملك الشّياطين إليّ للحظة ثمّ التفت إلى الماركيز:
“ماركيز، أحضر الشاهد الذي وجدته.”
ماذا…؟
نظرتُ إلى الماركيز بدهشة. أومأ الماركيز وأشار إلى الخادم عند الباب. خرجَ الخادم بسلاسة، كما لو كان الأمر مُعـدًّا مسبقًا.
نظرتُ إلى الدّوق السّابق بارتباك، لكنّه بدا مرتبكًا مثلي و هـزّ رأسه فقط.
“اجلسي و انتظري.”
جلسَ ملك الشّياطين على الأريكة في منتصف الغرفة بشكلٍ طبيعيّ.
جلسَ الماركيز بجانبه، و الدّوق السّابق مقابله. كان الجميع يتصرّف بسلاسة، فتساءلتُ إن كنتُ الوحيدة التي تشعر بالارتباك.
“اجلسي.”
أمرني ملك الشّياطين.
تردّدتُ ثمّ جلستُ بجانبِ الدوق السّابق.
كانت هناك مقاعد كافية، لكن ستيلا، التي شعرت بالحرج، جلست على كرسيّ بجانبِ سرير كايدن، بعيدًا عن الأريكة. وقفَ دورانتي بطبيعيّة عند الباب، متّكئًا على يديه خلفَ ظهره.
لم يقل ملك الشّياطين شيئًا لدورانتي أو ستيلا. كان ينظر إليّ فقط.
[أنا خائف…]
اختبأ بليد خلفَ كتفي ، خائفًا هو الآخر.
لكن مَنٔ هو الشّاهد الذي وجده الماركيز؟ هل هم موظّفو متجر أسيلي للمجوهرات؟ لقد قال لوكاس إنّهم تمّ شراؤهم. هل غيّـرَ أحدهم رأيه؟
تدفّقت الأفكار المقلقة في ذهني.
بينما كنتُ أنتظر و كأنّ دمي يجفّ، فُتح الباب. نظرتُ بخوف، لكنّها كانت خادمة تدفع عربة الشاي.
“اشربي.”
حثّني ملك الشّياطين على شرب الشاي الذي قدّمته الخادمة.
كبحتُ رغبتي في سكب الشّاي عليه و ارتشفتُ رشفةً بصعوبة. لم يتحدّث أحد، و كان صوت ارتشاف الشاي هو الصوت الوحيد في الغرفة.
بعد بضعِ دقائق:
“سيدي الماركيز، لقد أحضرنا الرجل.”
“أدخلوه.”
سُمع ضجيجٌ من خارج الباب. بدا أنّ الشاهد يقاوم ويصرخ بشكلٍ متمرد. لكنّ ذلكَ الصوت بدا مألوفًا بشكلٍ غريب.
هل يمكن أن يكون…؟
شعرتُ باضطرابٍ في معدتي، و قشعريرة على ذراعي.
عندما فُتح الباب ورأيتُ الشخصية التي دخلت، أغمضتُ عينيّ بقوّة.
“أتركوني! ما الذي تفعلونه بمواطنٍ بريء في الإمبراطوريّة؟!”
لماذا الفارس ذو الذراع الواحدة هنا؟ ألم يَحكم عليه الإمبراطور بالإعدام و وُضع في السجن؟ هل لم يُنفّذ الحكم بعد؟ كيفَ هربَ من السّجن من الأساس؟
التعليقات لهذا الفصل " 80"