شعرها الأحمر يشبه شعر شارل، و زاوية عينيها المرتفعة قليلاً تبدو مشابهة. لكن لون عينيها لم يكن أزرق، بل رماديّ. لكن، بما أنّ عيني الماركيز نفسه رماديّتان، ربّما ورثت ذلكَ عنه.
كبحَ الماركيز قلبه المرتجف بصعوبة و فتحَ فمه:
“…شكرًا على قدومكم من بعيد. تفضّلوا بالدخول.”
سلّمت مجموعة ماريان خيولها لجنود الماركيز.
و بقيادة الماركيز، دخلوا الحديقة.
“مـرَّ وقتٌ طويل، أيّها الدّوق.”
“نعم، لم نلتقِ منذُ فترة كيف حالك، أيّها الماركيز؟”
“كالعادة. هل تناولتم الإفطار؟”
“تناولنا الفطور قبل القدوم.”
تبادل الماركيز و الدّوق السّابق تحيّاتٍ قصيرة. خفّ الجوّ المتوتّر قليلاً، لكن التوتر الغريب ظلّ قائمًا.
الوضع نفسه لم يكن جيّدًا.
مَـنْ سيكون مرتاحًا مع وجود ملك الشّياطين، الذي يحتجز الشّخص الذي يعتبر حفيدًا و خطيبًا و ملك الشمال كرهينةٍ، بجانبه؟
حتّى الماركيز شعرَ بالصدمة.
داميان، ملك الشّياطين؟ التفتَ إلى الخلف قليلاً.
كان داميان يسير بشكلٍ طبيعيّ بجانبِ ماريان. كان وجهها متصلبًا. لم يتبادلا الحديث، لكن داميان كان ينظر إلى ماريان من جانبٍ واحد.
كان الماركيز منشغلاً بمراقبة ماريان بعناية.
بعد جنازة شارل، تجنّبَ أخبار العاصمة، فلم يـرَ ماريان عن قربٍ من قبل. كلّ ما سمعه كانت شائعاتٌ منتشرة.
كانت تُعرف بأنّها متهوّرة تُدمّر المباني عندما تغضب، ذات سمعةٍ سيئة مع الرجال، و يتيمةٌ من حيّ الفقراء.
كانت الشائعات السلبيّة تلتصق بها. لذلك، شعرَ الماركيز بالذنب.
إذا كانت حفيدتي حقًا، لكنتُ ربّيتها بعنايةٍ فائقة.
لم أكنْ سأدعُ قطرة ماءٍ تلمس يديها، و لَـقُمتُ بإلباسها أفضل الملابس، و أطعمتها أشهى أطعمة الإمبراطوريّة.
لكن لم يكن بإمكانه التأكّد بعد.
خلالَ الأسبوع، حقّق في خلفيّة ماريان. بما أنّها شخصيّةٌ مشهورة، انتهت التحقيقات بسرعة، و حصلَ على تقارير عن تاريخها و أحدث تحرّكاتها.
معظم المعلومات كان يعرفها. لكن الجديد كان أنّها “كانت معجبة بوليّ العهد، لكن تبيّن أنّها على علاقة بالدّوق، و حامل، و ستتزوّج قريبًا.”
كانت حاملاً.
رغمَ أنّه لم يتأكّد بعد من أنّها حفيدته، فقد شعـرَ بألمٍ في قلبه، لكنّه سرعان ما كبحَ مشاعره.
لكن أثناء قراءة التقارير، لفتَ انتباهه شيءٌ ما.
قبل أسابيع من زفاف ماريان و كايدن، اشتريا كميّةً كبيرة من هدايا الزفاف من متجر مجوهرات أسيلي في العاصمة.
تساءل إن كان السّوار الذي أظهره داميان قد اشترته من هناك.
عندما سأل الباعة، أكّدوا أنّه لا يوجد سوارٌ كهذا، و أنّهما اشتريا فقط مجموعةً من المجوهرات و الحليّ.
شعرَ الماركيز بالارتياح.
ربّـما، ربّـما حقًّا ، قد تكون ماريان حفيدته.
لكن في هذا الصباح، وجدَ شخصًا له علاقةٌ وثيقة بماريان.
أمر المحقّق باعتقاله و إرساله إلى سجن عائلة الماركيز. بغضّ النظر عن شخصيّته، كان شاهدًا مهمًا، لذلك قرّرَ إبقاءه حيًا مؤقتًا.
لم يقابل الماركيز هذا الشّخص بعد، لكنّه يمكن أن يُستخدم للاستجواب عند إثبات أنّ ماريان هي ابنة شارل.
عندما دخلوا القلعة، اقترحَ الماركيز:
“ارتاحوا قليلاً. سنُعدّ الطّعام قريبًا.”
“قبل ذلك، أريد رؤية الدّوق أوّلاً.”
تقدّمت ماريان خطوةً و طلبت. كان الماركيز على وشكِ الموافقة، لكن داميان سبقه:
“لا، الطعام أوّلاً.”
أصبحَ الجوّ باردًا فجأة. ثمّ أضافَ داميان:
“قد تكون هذه آخر وجبة، أليس من الأفضل تناولها؟”
أراد الماركيز لمس جبهته. كان داميان يهدّد بأنّه إذا لم تكن ماريان ابنته، فقد تكون هذه الوجبة الأخيرة.
لكن ماريان لم تستسلم:
“أوّلاً، يجبُ التأكّد من أنّ الرهينة بخير.”
حدّقَ داميان بها، فردّت ماريان بنظرةٍ حادّة. راقب الجميع منافسة التّحديق التي بينهما بتوتّر.
“هل أحضرتِ الدليل؟”
“لن أقول شيئًا حتّى أرى الدّوق.”
“حقًا؟”
شعرَ الجميع بتوتّرٍ أكبر. لم يكن من الممكن توقّع تصرّف داميان.
“إذن، لنذهب لرؤيته.”
كانت لحظةً خُفّف فيها التوتر قليلاً.
* * *
في داخلي، أطلقتُ سيلًا من الشتائم على ملك الشّياطين:
‘هذا المجنون يجعلني أرتجف من الخوف. عيونه الحمراء تُحدّق بي باستمرار، ما هذا الهراء؟ لو كان الأمر بيدي، لانتزعتهما!’
[ماريان، حتّى لو كنتِ غاضبة، لا تتحدّثي عن السيّد ملك الشّياطين هكذا…]
تمتمَ بليد، و هو جالسٌ على كتفي اليسرى، وهو يراقبُ نظراتي أنا و نظرات ملك الشّياطين.
حدّقتُ به بنظرةٍ حادّة:
‘مع أيّ طرفٍ أنتَ الآن؟’
[لا، ليس الأمر كذلك…]
‘أنا أم ملك الشّياطين؟ مع أيّ طرفٍ أنتَ؟!’
[لا داعي لأن نكون طفوليين. علاوةً على ذلك ، يبدو أنّ ملك الشّياطين يستطيع رؤيتي. بالطّبع، من الطبيعيّ أن يراني.]
نظرتُ إلى ملك الشّياطين بنظرةٍ مستاءة. كان ينظر إليّ و إلى بليد بعيونٍ تظهر استمتاعًا غريبًا.
كانت تلكَ النّظرات تزعجني.
‘هل يسمع كلامكَ أيضًا؟’
[لا. أنا أتحدّث إليكِ مباشرةً في ذهنك، و أنتِ تردّين عليّ أنا مباشرةً.]
‘لكنّه ملك الشّياطين ، أليس كذلك؟ لماذا لا يعرف أفكاري؟ أليس عاجزًا؟ هل هو سيّد الوحوش و الشّياطين حقًا؟’
بينما كنتُ أحاول التقليل من شأنه، شرحَ بليد بلطف:
[ الأفكار العاديّة لا تصل إليه.]
لم أجـد ما أردّ به.
في الحياة، كانت هناك لحظاتٌ تجعلني أتساءل عن مصير العالم حقًا. مثل ما يحدث الآن، بينما يمسكُ ملك الشّياطين بحياة الجميع.
تمتمتُ في داخلي:
‘اللّعنة، أنا خائفة. لماذا يحدّقُ بي هكذا؟’
[يبدو أنّه يعتقد أنّكِ ابنتـه. ملك الشّياطين المسكين…]
‘أنتَ تشفق على ملك الشّياطين؟! إنّه يريد تدمير العالم حسبَ مزاجه! أنتَ مع ملك الشّياطين!’
كدتُ أفقد أعصابي، لكنّني سيطرتُ على نفسي.
في داخلي، كنتُ أصرخ على بليد.
استسلم أخيرًا:
[حسنًا، حسنًا. دعينا نفكّر في اللّحظة الحاليّة فقط. الأمور تسير بشكلٍ جيّد حتّى الآن، أليس كذلك؟]
كان ذلكَ صحيحًا.
قبل وصولي إلى القلعة، كنتُ قلقةً من أن يقتلني ملك الشّياطين فور رؤيتي، متّهمًا إيّاي بالتظاهر بأنّني ابنته.
لكن لحسنِ الحظ، منذُ البوّابة و حتّى الآن و نحن في طريقنا إلى كايدن، كان ينظر إليّ فقط. كانت نظراته ثقيلة، و كنتُ أرغب بطعن عينيه، لكنّني تحمّلت ذلك.
كان هناك شيءٌ آخر ثقيل: نظرات الماركيز فرناندي. كان يلتفت إليّ و ينظر إليّ باستمرار.
‘ربّما يتساءل إن كنتُ حفيدته…’
تجمّع المزيد من الشعور بالذنب في قلبي. لكن كانت لديّ مهمّة. قرّرتُ أن أكفّر عن ذنبي لاحقًا إذا بقيتُ على قيد الحياة.
“ها نحن ذا.”
توقّفَ الماركيز أمام غرفة الضيوف. أخيرًا، سأرى كايدن بعد أسبوع. خفقَ قلبي بقوّة.
أدارَ الماركيز مقبض الباب. عندما فُتح الباب بالكامل، لم أستطع الصّبر و اندفعتُ إلى الدّاخل:
التعليقات لهذا الفصل " 79"