في ليلةٍ عميقة، في غرفة الضّيوف بقلعة الماركيز فرناندي.
كان الماركيز فرناندي ينظر بعيونٍ غارقة في الحزن إلى كايدن الممدّد بلا حياة.
كان قلبه مضطربًا.
فجأةً ، ظهرَ داميان و ألقى بالدّوق المحتضر، و قال كلامًا غريبًا قبل أن يختفي إلى مكانٍ ما:
“قريبًا، ستأتي فتاةٌ ذات شعرٍ أحمر.”
“من الأفضل أن تتمنّى أن تكون هي نفسها حفيدتكَ الوحيدة.”
“وإلا، سنذهب أنتَ و أنا و كلّ من هنا إلى جانب شارل.”
لقد مـرَّ أكثر من عشرين عامًا منذُ وفاة شارل. لكن حفيدة؟ هل أنجبت شارل طفلة؟
إذن، أين كانت تلكَ الطّفلة و ماذا كانت تفعل طوال هذه المدّة؟ و ماذا كان يفعل داميان؟ إذا لم تكن حفيدتي، فهل يعني قوله “إلى جانب شارل” أنّنا سنموت جميعًا؟ لماذا هو ليسَ متأكّدًا من أنّها ابنته؟
كانت عيناه موجّهتين نحو كايدن، لكنّه لم يكن يراه حقًا. كانت أسئلة الماركيز تتداخل في ذهنه كالأفعى التي تلتفّ حول ذيلها.
“كيف حاله؟”
“داميان!”
ظهرَ داميان دونَ أيّ إشارة.
هل هذا سحر؟
بما أنّ سحر الانتقال محظورٌ داخل القلعة، نهض الماركيز فرناندي بذعر.
“كيف دخلت…!”
لا، لا، ليس هذا.
أدركَ الماركيز شيئًا من خلال سلسلة الأحداث.
داميان ليسَ إنسانًا عاديًا.
تحوّل شكه إلى يقين بسببِ مظهر داميان. لو كان يتقدّم في العمر بشكلٍ طبيعيّ، لكان يجب أن يكون في منتصف الأربعينيات. لكنّه بدا كما كان عندما قدّمته شاروليز قبلَ عشرين عامًا.
“…أين كنتَ طوالَ هذه المدّة؟”
سأل الماركيز و هو يطحن أسنانه. كان غاضبًا منه لاختفائه دونَ تفسيرٍ واحد. لم يكن سؤاله مقتصرًا على الوضع الحاليّ.
أين كنتَ قبل عشرين عامًا؟ أين و كيف ماتت ابنتي؟
لقد وظّفتُ محققين و سحرة و متتبّعين مختصّين للبحث عنكما، فكيف لم نجد أيّ أثرٍ لكما خلال ثلاث سنوات؟
لكن داميان تجاهل سؤال الماركيز و نظرَ إلى كايدن وتمتم:
“سيُموتُ قريبًا.”
كما قال، كان وضع كايدن سيئًا. شعرَ الماركيز أنّ هذا أيضًا لا يُصدّق.
طُلب منه فجأةً الاعتناء بالدّوق، لكنّه كان على وشكِ الموت.
ما الذي حدثَ ليصبح سيّد سيف في هذه الحالة؟
أرادَ الماركيز معرفة كلّ التفاصيل.
كلّ شيء بالحرف الواحد.
“لقد سألتكَ، أين كنتَ؟”
كان الماركيز غاضبًا للغاية، لكنّه كبحَ صوته بصعوبة بسببِ وجود مريض. أدارَ داميان عينيه الحمراوين نحو! الماركيز.
كان مظهره غريبًا مجدّدًا. لا يمكن أن تمـرّ عشرون سنة على إنسان دونَ تغيير فيه.
“كنتُ أتجوّل في الإمبراطوريّة.”
“…مع شارل؟ هل تجوّلتما في الإمبراطوريّة؟”
“نعم.”
“…لم تستقرّا؟”
“كان هناكَ الكثير من الذباب المزعج.”
“…..”
هل كان يقصد الأشخاص الذين وضعتهم لتعقّبهما؟
“كانت شارل فضوليّةً بشأن البحر.”
البحر.
فجـأةً ، عادَ الماركيز إلى الماضي.
في يومٍ صيفيّ مشمس، كان الماركيز يتجوّل مع شارل الصّغيرة على جدران القلعة.
في الصيف، كان المشي على الجدران المبنيّة على طول الغابة الشرقيّة يمنح منظرًا رائعًا للغابة الكثيفة.
نظرت إليه شارل الصغيرة و سألت:
“أبي، هل الغابة الشرقيّة هي البحر؟”
“ههه، لا يا صغيرتي. الغابة الشرقيّة تعني بحر الأشجار. إنّها تُطلق على الغابة الواسعة.”
“إذن، ما هو البحر؟”
“همم… إنّه أرضٌ زرقاء مصنوعة من الماء المالح. عندما تغرب الشمس، تتلألأ الأمواج بشكلٍ رائع.”
“هل للبحر مالك؟”
“هم؟ البحر ليس له مالك.”
“إذن، سأكون ماركيزة الأرض الزرقاء!”
انهار وجه الماركيز.
تذكّـرَ الأيام التي كانت تسأله فيها شارل عن موعد زيارة البحر، و كيف كان دائمًا مشغولاً و يعدها بقوله لها في المرّة القادمة دونَ إجابةٍ واضحة.
غمرته موجةٌ من الشعور بالذنب. لكن قبل أن ينهار تمامًا، كان عليه معرفة شيءٍ حاسم.
فتحَ فمه بصعوبة و هو يحرّك حنجرته:
“أين… وكيف ماتت؟”
كان سؤالاً عن سبب وفاة ابنته التي ظلّ يتساءل عنه لعشرين عامًا.
“في جنوب العاصمة. كان ذلكَ بسبب لصّ.”
“ماذا…؟”
نظرَ داميان إلى كايدن بعيونٍ غارقة وقال:
“البشر يرحلون في لحظةٍ بلا معنى.”
“…لصّ، مجرّد لصّ!”
في النهاية، بكى الماركيز و أطلقَ صرخةً غاضبةً من أعماقه:
“ماذا كنتَ تفعل أنتَ؟!”
تمتمَ داميان بوجهٍ خالٍ من التعبير:
“بالفعل. ماذا كنتُ أفعل؟ آه، لو لم تكن الشياطين تزعجني، لكنتُ بقيتُ إلى جانبِ شارل. أم هل كان يجبُ ألّا اُلبسَ شارل و الطّفلة ملابس باهظة؟ لكنّها كانت لحظةً قصيرة فقط. لماذا يجب أن أفقد كلّ شيء؟ أين ذهبت روزالين؟ هل تلكَ الفتاة هي روزالين حقًا؟”
كان داميان يتمتم بلا توقّف كشخصٍ فقد عقله.
حاولَ الماركيز الذي كان وجهه مبلّلاً بالدموع، ألّا يفوّت كلماته العشوائيّة.
يبدو أنّ شارل أصبحت هدفًا للّص بسببِ ملابسها الباهظة.
يجب على النّبلاء ذوي المكانة العالية أن يصطحبوا حراسًا عند الخروج إلى الأسواق، أو أن يرتدوا ملابس العامّة. عدم مراعاة هذه الأساسيّات أثار غضب الماركيز مجدّدًا.
لكن لم يكن لديه وقتٌ للغضب.
قال “شياطين”.
لقد تحقّقَ أحد شكوك الماركيز.
داميان مرتبطٌ بالشياطين، و ربّما يكون شيطانًا رفيع المستوى.
“مَنٔ أنـتَ؟”
“أنا زوج شارل و والد روزالين. نعم، أنا والدها، لذا يجبُ أن أجد روزالين.”
بدت الإجابة منه، و هو في حالةٍ غير طبيعيّة، صعبة.
قـرّرَ الماركيز طرح سؤالٍ آخر:
“مَنٔ هي روزالين؟”
ابتلـعَ ريقه.
“…هل هي حفيدتي؟”
توقّف كلام داميان فجأةً. نظرَ إلى الماركيز بوجهٍ خالٍ من التعبير.
مـرَّ صمتٌ قصير، ثمّ فتحَ فمه ببطء:
“نعم.”
ارتجفت أطراف أصابع الماركيز. لقد أنجبت شارل طفلة.
“…لماذا فقدتَها؟”
“لم أكن إلى جانبِ شارل.”
“……”
يبدو أنّ الطفلة كانت مع شارل عندما هاجمها اللص.
حسب كلامه، اكتشفَ داميان جثّة شارل بعد وفاتها، و كانت الطفلة قد فُقدت بالفعل.
أمسكَ الماركيز رأسه بيدين مرتجفتين.
“لماذا، لماذا حدثَ هذا؟ لماذا لم تكن إلى جانبها؟!”
بكى الرجل الذي يبلغ الستّين عامًا بألم. كان سبب وفاة ابنته، الذي عرفه بعد عشرين عامًا، تافهًـا و مؤلمًا للغاية.
و أكثر من ذلك، أنجبت طفلةً ثمّ فقدتها.
كان الأمر صادمًا و مثيرًا للغضب.
كيفَ يمكن أن يحدث هذا في العالم!؟
بعد بكاءٍ طويل، رفعَ الماركيز رأسه. نظرَ إلى دلميان بعيونٍ و كأنّه يريدُ تمزيقه. بعد أن عرف تفاصيل الماضي، كان عليه معرفة الوضع الحاليّ.
“لماذا أصبح الدوق هكذا؟”
“إنّه رهينة.”
“رهينة؟ لـمَن؟”
“للفتاة التي قد تكون ابنتي، أو حفيدتكَ.”
“ماذا يعني هذا…؟”
كان هذا الكلام الغريب الذي كان يكرّره منذُ البداية.
إذا كانت ابنته، فلماذا ليس متأكّدًا من ذلك ؟
مع دوق فالتشتاين العاجز كرهينة. بدأت الفجوات في القصّة تملأ أخيرًا.
“ماركيز، هل تعرف ماريان؟”
في إمبراطوريّة غراتيي، الشّخص لا يعرف “الفارسة المتهوّرة ماريان” سيكون جاسوسًا غريبًا عن الإمبراطوريّة.
سألَ الماركيز بحذر:
“لماذا تسأل عن السّيدة ماريان…؟”
ابتسمَ داميان بابتسامةٍ غريبة:
“ربّما تكون تلكَ الفتاة ابنتي؟”
“ماذا…؟”
فتحَ الماركيز فمه ببطء.
الفارسة ذات الشّعر الأحمر، ماريان، حفيدتي…؟
“السوار الذي كانت ترتديه هو السّوار الذي أعطيتُه لشارل.”
رفعَ داميان سوارًا صغيرًا مزيّنًا بحجرٍ أسود.
“قالت إنّها كانت ترتديه منذُ طفولتها ولا تعرف من أعطاها إيّاه.”
أخذَ قلب الماركيز ينبض بقوّة.
كان الجميع في الإمبراطوريّة يعرف أنّ ماريان يتيمة من حيّ الفقراء.
إذا كانت حقًا ابنة شارل…
“لكنّني متشكّك. ربّما كانت تقول أيّ شيء لإنقاذ خطيبها.”
نظرَ الماركيز إلى كايدن باتّباع نظرة داميان. كان كايدن و ماريان مخطوبين.
لم يعرف بالضبط ما حدث. لكن الماركيز عرفَ ما يجب عليه فعله.
“سأحقّق في خلفيّة السّيدة ماريان.”
ابتسمَ داميان بعيونٍ متلألئة.
كرراك!
أغلقَ الماركيز فرناندي الباب و خرج. اختفى ملك الشّياطين داميان أيضًا.
في تلكَ الغرفة، بقي كايدن وحده، ممدّدًا كجثّة، بالكاد يتنفّس.
التعليقات لهذا الفصل " 77"