الخيول كانت في حالة ذعر بسببِ انشقاق السماء و صخور الحمم، فلم نتمكّن من ركوبها. ارتدينا أنا و لوكاس عباءاتنا و غطّينا رؤوسنا جيّدًا وخرجنا من القصر الإمبراطوريّ.
عندما تجاوزنا بوّابة القصر التي كانت لا تزال سليمةً نسبيًا، رأينا شوارع العاصمة في حالةٍ أسوأ بكثير ممّا كانت عليه أثناءَ هجوم الوحوش السابق.
“كأنّنا في حالة حرب…”
تمتمَ لوكاس بصوتٍ متألّم. نظرتُ أنا أيضًا إلى المشهد بوجهٍ كئيب.
كانت المباني المنهارة تصطفّ جنبًا إلى جنب. تصاعد الدّخان من هنا وهناك، وكانت أصوات البكاء تُسمع من كلّ مكان.
“طفلي، يا صغيري، افتح عينيكَ أرجوك.”
“آه، أمي! أبي!”
“متجري الذي بنيته طوالَ حياتي…”
أمّ تنادي ابنها المتوفّى بحرقة، طفلٌ يبكي بحثًا عن والديه، أناسٌ ينظرون إلى المباني المنهارة بحسرة، و كايدن الذي سقطَ وهو يحاول إنقاذي.
تمتمتُ دونَ وعي:
“…لو كنتُ أقوى قليلاً…”
لو كنتُ أقوى قليلاً، لكان الجميع بخير.
كانت أصوات بكاء النّاس مؤلمةً جدًا.
“ماريان!”
[ماريان!]
شعرتُ بدوّارٍ و تمايل جسدي. أمسكني لوكاس المذعور وساعدني. كان بليد يرفرف بجناحيه عاجزًا عن فعل شيء.
“آسفة، آسفة.”
كنتُ مرتبكةً. شعرتُ أنّ قواي استنزفت فجأةً ولم أستطع الوقوف بشكلٍ صحيح.
أخذني لوكاس إلى زقاقٍ قريبٍ خالٍ من الناس. وجد صندوقًا خشبيًا سليمًا ملقى على الأرض وأجلسني عليه.
“هل أنتِ بخير؟”
جلسَ القرفصاء أمامي و سأل.
شعرتُ بالإحراج.
“آسفة. لا يزال أمامنا طريقٌ طويل…”
لم أفهم لماذا أصبحتُ هكذا فجأة. لم يكن الجوّ باردًا، لكنّني شعرتُ بقشعريرةٍ تملأ جسدي و أخذتُ أرتجف. لـفّ بليد ذراعيه الصغيرتين حول رقبتي.
نظرَ إليّ لوكاس بهدوء و فتحَ فمه ببطء:
“ماريان، لا تشعري بالذنب.”
“نعم؟”
هل كنتُ أشعر بالذنب؟
بينما كنتُ مرتبكةً ولم أستطع الردّ، نظر إليّ بوجهٍ يملؤه الأسى.
“سمعتُ تمتمتكِ منذُ قليل. أنتِ قويّة، ماريان.”
“آه…”
إذن، لقد سمعَ ذلك.
أمسكَ لوكاس يدي بحذر. انتقلَ الدفء من يده إليّ.
“…عندما قلتِ إنّكِ ستواجهين ملك الشّياطين، لم أفهم لماذا تفعلين هذا. كما قال الدوق، كونكما سيّديْ سيف كان يعني أنّ بإمكانكما الهروب و النّجاة.”
كان يتحدّث عن اللحظة التي اقترحَ فيها كايدن الهروب عندما ظهر ملك الشّياطين. رغمَ أنّها لم تمرّ سوى فترةٌ قصيرة، شعرتُ و كأنّها حدثت منذُ زمنٍ بعيد.
“لكنّكِ… قلتِ أنّ على النبلاء الذين يأكلون الخبز اللذيذ تحمّل المسؤوليّة، و أنّكِ ستموتين بشرف.”
ابتسمَ لوكاس بخفّة.
“كم جعلت كلاماتكِ تلكَ قلبي يرتجف حينها.”
فتحتُ عينيّ على وسعهما.
“ماريان.”
نظر إليّ بعيونٍ صلبة.
“الشّخض الذي يكون مستعدًّا للموت لا يمكن أن يكون ضعيفًا.”
“…..”
شعرتُ بحرارةٍ في صدري.
“أنتِ أقوى من أيّ شخصٍ آخر، وأكثر نبلاً و جمالاً.”
“…شكرًا.”
حاولتُ الابتسام رغمَ تقطيب وجهي.
شعرتُ بالعزاء. في موقفٍ يملؤه اليأس، كنتُ ممتنّةً للوكاس الذي أقـرّ بي و شجّعني.
من وراء الزقاق، رأيتُ الشارع الرئيسيّ. كان الأطفال يركضون و يضحكون ببراءة. تسلّلت أصواتهم المرحة الخالية من الهموم بين الناس.
نعم، لا يزال أمامنا طريقٌ طويل. رغمَ أنّ الأمور أصبحت صعبة، سأواجه ملك الشّياطين مجدّدًا مستعدّةً للموت من أجل كايدن و كلّ الناس الذين هنا.
“ولهذا السبب، ربّما، أحببتكِ.”
“نعم؟”
نظرتُ إليه ببطء. كان يبتسم بهدوء وهو ينظر إليّ.
“أنا أحبّكِ، ماريان. لا أعرف ماذا سيحدث، لكنّني أردتُ أن أعبّرَ عن مشاعري بوضوح.”
لم أسمع ذلكَ بشكلٍ خاطئ . كان الأمير لوكاس يعترف بحبّه لي.
“آه… أمم..”
ارتبكتُ ولم أستطع النطق بحرفٍ واحد. شعرتُ وكأنّ عقلي أصبح فارغًا.
دونَ أن يدرك ارتباكي، واصلَ لوكاس قول كلماتٍ محرجة بسهولة:
“أحبّ قوّتكِ، و طباعكِ غير المحسوبة، وبراءتكِ الطفوليّة، و كلّ شيء فيكِ.”
“لا، لا، انتظر لحظة، صاحب السّمو لوكاس.”
لم أعد أستطيع التّحمل فأوقفته. سحبتُ يدي التي كان يمسكها بسرعة. لكن لوكاس لم يتوقّف.
“سأقول كلّ ما أريد قوله. أنا أحترمكِ بشدّة، سيّدة ماريان. أنا أحبّكِ.”
“أنا، أنا لديّ رجلٌ سوف أتزوّجه!”
صرختُ وأنا أقفز واقفةً بارتباك. نهضَ هو أيضًا ببطء.
“نعم، لكن ذلكَ لا يهمّني.”
كان لا يقاوم. احمرّ وجهي وأنا أتلعثم، فضحكَ لوكاس.
“أريدكِ أن تعرفي أنّ هناك شخصًا يحبّكِ و يحترمكِ.”
لم أعرف ماذا أقول. ألم يكن لوكاس يحبّ ستيلا؟
في القصّة الأصليّة، كانا سيتزوّجان…
كان رأسي يدور.
بينما كنتُ محرجةً و مشوّشة، قال لوكاس بوجهٍ مرح:
“إذا سئمتِ من الدوق، يمكنكِ القدوم إليّ.”
“لا، لن يحدثَ ذلك.”
أجبتُ بشكلٍ تلقائيّ، فضحكَ بخفّة.
“حادّةٌ جدًا. هل تشعرين بتحسّنٍ الآن؟”
“آه…”
أدركتُ حينها أنّ قوّتي عادت إليّ. هل تعمّـدَ لوكاس قولَ هذا لي…؟
“أنا جـادّ.”
“…..”
“هـلّا ذهبنا الآن؟”
أغلقتُ فمي كالمحار ولم أستطع فعل شيءٍ سوى الإيماء.
* * *
ظننتُ أنّ الطريق إلى قصر الدوق مع لوكاس سيكون محرجًا، لكنّه لم يكن سيئًا كما توقّعت. تصرّفَ كعادته و كأنّه لم يعترف لي بحبّه قبل لحظات.
مهما كانت مشاعره، شعرتُ بالارتياح. لوكاس شخصٌ رائع، لكن بالنّسبةِ لي، لا يوجد أحد آخر سوى كايدن.
كان الأشخاص الموجودين في قصر الدوق بخير. رغمَ أنّ القصر الواسع كان مليئًا بصخور الحمم هنا وهناك، لم يصب الكثيرون.
بفضل قيادة الدّوق السّابق، كان عدد الضحايا قليلاً بشكلٍ مذهل.
التعليقات لهذا الفصل " 75"