الفصل 51
“كح!”
“ماريان!”
بصقتُ الماء بعنف. كان كايدن أمامي مباشرةً. اختلطت ذكرى الموت القريب التي مررتُ بها في عقلي مع اللّحظة الحالية.
“هل… نجوتُ؟”
“هاه… نعم.”
أطلقَ كايدن زفير ارتياح.
“أنا آسفة، سموّ الدوق…”
“عن ماذا تعتذرين؟ لحسنِ الحظّ أنكِ بخير.”
أزال خصلات الشعر الملتصقة بوجهي بلطف وقال:
“لم نتزوّج بعد، فلا تجعلينني أرملًا.”
“كح.”
بدت مزحته و كأنّه اطمأنَّ أخيرًا.
نهضتُ بدعمٍ من كايدن.
“بالمناسبة، لقد هربَ أولئك الأوغاد.”
كان الأوغاد قد اختفوا منذُ زمن.
“نعم. إنهم محظوظون جدًا.”
أخذَ كايدن ردائي المبلل. كلانا كان يشبه فأرًا غارقًا، مظهرنا كان يرثى له.
“هل أنتَ بخير؟ لا يجبُ أن تصاب بالبرد.”
“مَنٔ يقلق على مَنْ الآن؟”
“لكن…”
“لقد غربت الشمس، والجو يزداد برودة. هيا إلى الفندق.”
[نعم، يجبُ تدفئة جسدكِ بسرعة.]
كان بليد الصغير يطيرُ حولي بحركةٍ دائرية. كان صوته مليئًا بالقلق. ابتسمتُ بضعف.
‘شكرًا، بليد.’
ساندني كايدن وتوجّهنا إلى الفندق. عند دخولنا، سأل فيتو، الذي كان ينتظرنا، بدهشة:
“سيّدي و سيّدتي، ما الذي حدث؟”
أجابَ كايدن:
“لعبنا قليلًا في الماء. فيتو، اطلبْ غرفة دافئة.”
بدت على فيتو رغبةٌ في طرح أسئلة كثيرة، لكنه نفّذ الأمر دونَ كلام.
دخلنا غرفة دافئة في الفندق، استحممنا، واستلقينا على السّرير بأجساد مرهقة. بات النوم في سرير واحد مع كايدن أمرًا عاديًا الآن.
…حسنًا، لا زلتُ أشعرُ ببعض الإحراج، لكن ليس كما كان سابقًا.
…أم أنّني مخطئة؟
على أي حال! يجبُ أن أقول ما يجب قوله.
“سموّ الدوق، لقد كنتَ متهورًا.”
“الاسم.”
“هاه…”
خرجَ زفير منّي تلقائيًا.
“حسنًا، سيّد كايدن. لمَ قفزتَ؟”
“بدون ‘سيّد’.”
شعرتُ بأن عروق جبهتي تنتفخ، لكنني كبحتّ غضبي بصعوبة.
كايدن هو منقذي اليوم. كررتُ في ذهني أن إغضابه سيكونُ فعلًا سيئًا و قلت:
“حسنًا، كايدن. أتعلمُ أنكَ كنتَ على وشكِ الموت؟”
“أنا؟”
“عندَ إنقاذ شخصٍ يغرق، يجب الانتظار حتى يفقد قوته. لكنكَ قفزتَ مباشرة، كنتَ متهورًا.”
“تحرّك جسدي تلقائيًا، لم أستطع منعه. بدا وكأنني أرى طفولتكِ أمامي.”
“آه.”
يبدو أن كايدن تذكّر نفس الذكرى.
اليوم الذي سقطتُ فيه في البحيرة بالقرب من قلعة الدوق.
حينها أيضًا أنقذني، و وجهه الشّاحب وهو ينظر إليّ كانَ محفورًا في ذاكرتي. شعرتُ بالأسف لتسبّبي في قلقه مرّةً أخرى.
لكن لا بدّ من قول ما يجب.
“شكرًا… لكن في المرّة القادمة، لا تدخل الماء حتى أفقد وعيي.”
“إذا فقدتِ وعيكِ، سيكون قد فاتَ الأوان.”
“حتى لو.”
“هراء. لن تحدثَ مثل هذه الأمور مجددًا.”
إذا كان الأمر كذلك، فهذا جيّد. لكن أمور البشر لا يمكن توقّعها. واصلتُ بإصرار:
“بل دعني أموت وحدي. لديكَ الكثير من المسؤوليات، سموّ الدوق.”
حدّقَ كايدن إليّ بعمق. بدت عيناه غاضبة.
“إذا مـتِّ أنتِ، فماذا سأفعل بحياتي؟”
“…..”
…كيفَ يقول هذا الكلام ببساطة؟
سعلتُ باحراج.
“احم، أنا جادّة. كانَ اليوم خطرًا حقًا. وأنتَ، سموّ الدوق، يجبُ أن تدير عائلة فالتشتاين، آه!”
حدّقتُ في كايدن بعيونٍ متّسعة. كان قد أمسكَ فمي بأصابعه كالملقط و هو ينظرُ إليّ بنظرات حادة كمكافأة إضافية.
شعرتُ بالإهانة.
“أووف! (اتركني!)”
فهمَ كايدن كلامي، فرفعَ زاوية فمه بسخرية.
“لا.”
“أوووف! (هذا ظلم!)”
“ماريان، استمعي جيدًا.”
“همم! (اتركني و تحدّث!)”
“أنتِ أصغر منّي بخمسِ سنوات، فلا يجب أن تموتي قبلي.”
“همف؟ (ماذا؟)”
عبستُ و سألتُ، فنظرَ إليّ كايدن للحظة ثم أطلقَ فمي. فركتُ فمي المؤلم و تمتمتُ بعبوس:
“إذا عشتُ بسلام، سأعيشُ أطول منكَ، حسنًا، سم..كايدن!”
اضطررتُ لتغييرِ الاسم بسرعة لأنه حدّقَ بي بعيون حادّة عندما لم أنادِه بالاسم. لكن كايدن، بعد سماع كلامي، بدا غير راضٍ وقال:
“لا، فجأةً لا يعجبني هذا. فقط موتي قبلي.”
فتحتُ عينيّ بذهول و نظرتُ إليه.
“لمَ تغيّرَ رأيكَ هكذا؟ هل تريد موتي؟”
“لا تقولي ذلكَ حتى لو كنتِ تمزحين. أعني، عيشي طويلًا و موتي قبلي بيومٍ واحد فقط.”
و كأنّ هذا ممكن أصلاً.
أصدرتُ صوت تذمّر و تمتمتُ:
“لا يوجد ترتيب للموت.”
“…صحيح.”
بدا كايدن غارقًا في التفكير. هززتُ رأسي وأنا أنظر إليه. مؤخرًا، أردتُ حقًا فتحَ رأسه لأرى ما بداخله.
“بالمناسبة، سموّ الدوق.”
“ماذا؟”
“كيف أنقذتني قبلَ قليل؟ شعرتُ وكأنني لا أستطيع التنفّس من كثرة الماء…”
عندما تمتمتُ، قال كايدن كأن الأمر بديهي:
“و كيف سأنقذتكِ؟ بالطّبع بالتّنفس الاصطناعي.”
“…..”
التّنفس الاصطناعي. نقل الأكسجين مباشرةً من فم إلى فم.
تذكّرتُ وجه كايدن عندما استعدتُ وعيي.
كان يعبسُ بشدّة وهو ينظرُ إليّ من مسافةٍ قريبة.
“آه!”
صرختُ و سحبتُ الغطاء فوق رأسي، مما تسبّب في هجوم كايدن، الذي كانَ يشاركني الغطاء.
“ماريان؟”
ناداني، لكنني لم أستطع الرد. ظلّ وجهه يظهر في ذهني.
حاجباه المعقودتان. أنفه المستقيم. شفتاه المتورمتان الحمراوان.
‘لهذا كانت شفتاه متورّمتين!’
كان ذلكَ بسببِ التّنفس الاصطناعي، لم يكن لسببٍ آخر، بل لانقاذي . آه ، على أي حال!
‘…كانت قبلتي الأولى.’
على الرّغمِ من شائعات علاقاتي العديدة، لم أقبّل أحدًا من قبل. كانت علاقاتي كلعب الأطفال، فكان من الطبيعي ألاّ أفعل.
‘لحظة، هل أنقذني أيضًا بالتنفس الاصطناعي في طفولتي؟’
عندما وصلتْ أفكاري إلى هنا، بدأ قلبي المتسارع يهدأ تدريجيًا.
‘نعم، هذا إجراء طبيّ، لا يمكن اعتباره قبلة أولى.’
لكن عندما تذكّرتُ وجه كايدن القريب جدًا، شعرتُ بجسدي يتلوّى مرّةً أخرى.
تنهّدَ كايدن وهو يراقبُ تصرفاتي المضطربة وقال:
“أنتِ تثيرين الغبار ، و البرد يزداد.”
“آه، هل تشعر بالبرد؟”
توقّفتُ عن التلوّي كسمكة تم اصطيادها للتو عندما قال إنه يشعر بالبرد. ربّما كان يرتجف من أثر السقوط في النهر.
“هل أطلبُ غطاءً إضافيًا؟”
“لا، لا حاجة لذلك.”
توقّف كايدن للحظة ثم قالَ بصوتٍ منخفض:
“دفئكِ… قد يكفي.”
“دفئي؟”
“نعم.”
سادَ الصمت في الغرفة.
الدفء…
“هل… ننام متقاربين قليلًا؟”
شعرتُ وكأن درجة حرارة الغرفة ارتفعت فجأةً.
على الرّغمِ من أننا قضينا عدة ليالٍ في سرير واحد، لم نلمس بعضنا حتى بأطراف أصابعنا.
كان سرير كايدن واسعًا جدًا، ولم يكن لدى أيّ منا عادات نوم سيئة.
لكن كايدن دخلَ النّهر من أجلي. حتى لو كان سيّد السيف بصحّة جيدة، لا يمكن التأكّد ممّا سيحدث. وإذا كان يشعر بالبرد تحتَ الغطاء، فقد تكون علامة مبكّرة لنزلةِ برد.
فكرتُ إلى هذا الحدّ، و زحفتُ نحوه بسرعة.
“سموّ الدوق، ألا يجبُ أن تتناولَ دواءً؟”
“…أنا بخير.”
شعرتُ بالتوتر و الحرج قليلًا، لكنني كنتُ قلقةً أكثر من أن يمرض.
حاولتُ فحصه عن قرب، لكن الغرفة كانت مظلمة، فلم أرَ جيدًا.
يبدو قريبًا، لكنني لم أعرف إن كان دافئًا.
‘لا يجبُ أن يصاب سموّ الدوق بالبرد.’
اقتربتُ منه أكثر بدافع القلق.
بوف!
فجأةً، كنتُ في حضن كايدن تمامًا.
شعرتُ بالاستقرار لأنّني تناسبتُ معه. انتقلَ دفئه إليّ مباشرةً ،و بدا أن النوم سيأتي بسهولة…
“آه!”
انتفضتُ و استعدتُ وعيي بسرعة. شعرتُ بجسد كايدن المتشنّج، ربّما لأنه تفاجأ باندفاعي المفاجئ.
“آسفة، آسفة، سموّ الدوق!”
بينما كنتُ أحاولّ الابتعاد بسرعة، سمعتُ صوت فرك الغطاء، و أحاطتني ذراعه ثمّ سحبني نحوه.
“…فلنبقَ هكذا.”
“ماذا؟”
“إنه دافئ… أشعرُ أنني سأنام جيدًا.”
سمعتُ صوت كايدن المبحوح فوقَ رأسي.
كان دافئًا بالفعل. بل، أصبحَ أكثر سخونة.
لكن قلبي كان على وشكِ الانفجار، فلم يبدُ أن النوم سيأتي.
ابتلعتُ ريقي وتمتمتُ:
“إذا… إذا أردتَ ذلك، سموّ الدوق.”
تبًا، لماذا أتلعثمُ هكذا؟
عضضتُ شفتيّ بحرج، فسمعتُ صوت ابتلاعه لريقه، مما يعني أنه متوتر أيضًا. شعرتُ ببعض الاطمئنان لأنه يشبهني.
مـرّ صوت عقرب الثواني. هدأ قلبي المتسارع إلى إيقاع منتظم.
سمعتُ صوتًا مريحًا من صدره.
“شكرًا.”
همسَ كايدن فوق رأسي.
“لا، لا عليكَ. لا يجبُ أن تصابَ بالبرد…”
تمتمتُ عند عظمة ترقوته. شعرتُ بارتجافه.
“…هيا ننـم الآن.”
“نعم…”
أغلقتُ عينيّ بقوة.
اليوم، لن أنام أبدًا.
التعليقات لهذا الفصل " 51"