منعت ماريان بصعوبةٍ كايدن من القفز لتحطيم العصابة على الفور. كانت تحتضن خصره من الخلف و تهمس:
“سموّ الدوق، تحمّل قليلاً!”
“ألا تشعرين بالغضب؟”
“أنا غاضبة أيضًا، لكن من المؤكّد أن هناك مَنٔ يقف وراءهم. دعنا نكتشف ذلكَ أولاً ثم نعاملهم.”
هدأ كايدن أخيرًا. أمسكت ماريان بيده بقوة و ركّزت مجدّدًا على ما كان يقوله أولئك الأوغاد.
نظرَ كايدن إلى يديهما المتشابكتين.
حتى في خضمِّ هذا، شعرَ بوخز في صدره. شعرَ بدفء يد ماريان و ركّز على الأوغاد.
“ذلك الشّخص يريد أن تصل سمعة تلكَ المتهوّرة إلى الحضيض.”
“لكن معجبي تلك المتهوّرة ليسوا بالقلّة. هناك ابن صاحب جريدة من معجبيها، ينشر مقالات إيجابية عنها بشكلٍ دوري.”
“تسك! ما الجيّد في تلكَ المتهوّرة؟”
تمتمت ماريان بهدوء:
“همم، أودّ رؤية وجهه يومًا ما.”
حدّق كايدن في ماريان للحظة. لم يعجبه أنها أبدت اهتمامًا بابنِ صاحب الجريدة.
لكن هذا لم يكن المهم. سألَ كايدن بهدوء:
“مَنْ تظنّين أنهم يقصدون بـ ‘ ذلك الشّخص’ ؟”
“حسنًا، لا أعتقد أنّه ولي العهد.”
بينما كانا يتكهنان، قال الوغد الملقّب بـ”الرأس البيضوي” بنبرةٍ خبيثة:
“ماذا لو رسمنا لوحات فاضحةً لتلكَ المتهورة و وزّعناها؟”
“ماذا؟ هههه، فكرة جيّدة!”
ضحكَ الأوغاد بصخب، فلم يتمالك كايدن نفسه و قفزَ نحوهم. لم تجد ماريان سببًا للتحمّل أكثر، فقفزت معه. لم يكن بإمكانهما الاستماع أكثر بعد تهديدهم بتوزيع لوحات فاضحة لها.
بام!
“ما، ما هذا؟!”
“مَنْ هؤلاء الأوغاد؟!”
عندما ظهرَ الاثنان فجأةً كما لو أنهما سقطا من السماء، تراجعَ الأوغاد مذعورين. أجابت ماريان بثقة:
“إذا كنتَ فضوليًا، تعال إليّ و جرّب….”
“ماذا؟!”
غضب أحد أوغاد الشوارع أولئك من الرد المستفز، لكن كايدن و ماريان لم يتأخرا. هاجما الأوغاد بسرعة وضربوهم.
بوم! بوم!
“آآه!”
في لمح البصر، كان ثلاثة من الأوغاد راكعين، و وجوههم محطّمة، بينما كان الطفلان يرتجفان و يتعانقان بقوة.
“مَنٔ أنتما لتعاملانا هكذا؟!”
لم يتعرّف الأوغاد على كايدن و ماريان، اللذين كانا يرتديان أردية تغطي وجهيهما. كان الغسق قد حلّ تقريبًا، و المنطقة مظلمة. قريبًا، ستنير مصابيح الشوارع السحرية المكان.
تحدّثت ماريان:
“لا داعي لتعرفوا. مَنٔ الذي أرسلكم؟”
“عن ماذا تتحدّثين؟!”
بوم!
ضربت ماريان رأس الوغد البيضوي بقوة. سقط إلى الأمام وهو يصرخ بألم.
“لم أضربكَ بقوة، فلا تتظاهر. من الذي أرسلكم؟”
“آه….!”
تبادل الأوغاد النظرات و حافظوا على صمتهم.
في تلكَ الأثناء، شعرَ كايدن بالحيرة من مظهر ماريان، التي بدت أكثر شبهاً بعصابة الشوارع منهم. كانت تتحدّث و تحرّك يديها كشخصٍ خبير من الأزقّة.
‘…يبدو أنّني فقدتُ عقلي حقًّا لأنّني أجد هذا المظهر منها لطيفًا.’
تحدّث كايدن:
“إذا لم تتكلّموا، هل نأخذكم للاستجواب؟”
أجابت ماريان:
“هل هذا مناسب؟”
أدركَ كايدن أن سؤالها يتعلّق بالرأي العام.
“حسنًا، بما أننا نعلم أن هناك مَنٔ يقف وراءهم، لا يمكننا تركهم.”
ناقش كايدن و ماريان بينهما. كانت ماريان تريد ضربهم هنا، بينما أصرّ كايدن على أخذهم لاستجواب رسمي.
بينما كانا منشغلين بالحديث، قفز الوغد ذو الرأس البيضوي فجأةً و أمسك بطفل قريب.
“إذا لم تتركونا، سأقتل هذا الطفل!”
“آه!”
كان خنجره تحتَ رقبة الطفل.
ذُهلت ماريان:
” الطفل رهينة؟”
استغلّ الأوغاد الآخرون الفرصة، فقاموا وأمسكوا بالطفل الآخر رهينة.
“نعم، سنقتل هذا أيضًا!”
عبسَ كايدن و ماريان.
كانا قد ضرباهما فقط و لم يفتّشا ممتلكاتهما. ظنّا أن الطفلين جزء من العصابة، فلم يتوقّعا أن يفعلوا هذا.
ارتجف الطفلان خوفًا عندما وُضِعَت السكاكين على رقبتيهما.
“يا إلهي، إنّهم يفعلون كل شيء حقًّا.”
نظرت ماريان إلى المشهد بعبوس. بدا كايدن متعبًا فقط. عندما اقتربَ منهم، صرخ الوغد ذو الرأس البيضوي
“إذا اقتربتَ أكثر، سأقتله!”
“لا أفهم لماذا تثيرون غضبنا.”
“بالفعل.”
توتّرَ الأوغاد من تمتمتهما.
أدركوا أن الرجل و المرأة المقنّعين أقوياء، لكنهما لم يضربا الطفلين.
علمَ الأوغاد أن هذين الشّخصين ليسا من عصابات الأزقّة.
ظنّوا أن أخذ الطفلين رهائن سيمنحهم فرصة للهروب.
“إذا تحرّكت، سأقطع رقبته!”
صرخَ الوغد ذو الرأس البيضوي وهو يضغط بقوة، و سحبَ الخنجر عن غير قصد.
“آه!”
بدأت قطرات الدم تتكوّن على رقبة الطفل. تابعَ نظر ماريان صرخة الطفل دونَ وعي.
“آه!”
تراجعت ماريان خطواتٍ كبيرة وهي تترنّح.
فوجئ كايدن بالصوت و استدار، لكن كان قد فات الأوان.
بلاش!
“ماريان!”
صرخَ كايدن و مـدّ يده على الفور. لكن خلف ماريان مباشرةً كان هناك نهر.
حدثَ كل شيء في لحظة.
“اهربوا!”
استغلّ الأوغاد الفرصة و هربوا مهرولين. قفزَ كايدن إلى النهر دونَ تردّد.
* * *
في اللّحظة التي رأيتُ فيها الدم، أغمي عليّ، لكنني استعدت وعيي بمجرّدِ سقوطي في الماء.
ألم تُـرْوَ في الأفلام التاريخية القديمة أن الماء يُرشّ على مَنْ يُغمى عليه أثناء التعذيب لإيقاظه؟
هكذا استعدت وعيي على الفور.
لكن كانت هناك مشكلة.
“النجدة! أنقذوني!”
كنتُ أعاني من رهاب الماء الشديد.
بالقربِ من قلعة الدوق فالتشتاين، كان هناك بحيرة كبيرة. منذُ طفولتي، بعد أن سقطتُ فيها مرة أثناء اللّعب، كنتُ أصاب بالذعر كلما دخلت الماء.
كما الآن.
“آه، آه! ساعدوني!”
[ماريان! اهدئي!]
سمعتُ صرخة بليد اليائسة من مكانٍ ما، لكنني لم أعرف أين هو.
لم أستطع التنفّس جيدًا. كان كلّ شيء أمام عينيّ ضبابيًا، ولم أرَ شيئًا. حرّكتُ ذراعيّ و ساقيّ بجنون لأعيش. دوى صوت الرذاذ في أذنيّ.
‘لا أريد الموت، أيّ أحد، من فضلك…!’
“ماريان!”
اخترقَ صوت كايدن الظلام.
“سموّ الدوق!”
ناديته بيأس، لكنني لم أعرف أين هو. كنتُ فقط أحرّك ذراعيّ و ساقيّ بجنون.
في تلكَ اللحظة، شعرتُ بأحدهم يمسكني.
“ماريان، اهدئي و…”
“آه! أنقذني!”
كان هناكَ شيء لا يجبُ فعله عند إنقاذ شخص يغرق.
“آه، انتظري. ماريان، اهدئي…”
“آه! أنقذني!”
لا تحاولْ إنقاذه قبل أن يفقدَ قوته.
تشبّثتُ به بقوة لأعيش، محاولةً التسلّق فوقه بيأس.
لو كنتُ شخصًا عاديًا، لكانَ كايدن قد سيطرَ عليّ و سحبني من الماء بسهولة.
المشكلة أنني كنتُ سيّدة السيف.
“آه، آه، آه! آه!”
“ماريان! تنفّسي جيّدًا و ابقي ساكنة…، آه…!”
ضربتني أمواج النهر في وجهي. تشبّثتُ به بكل قوتي.
كم من الوقت مـرّ؟ بعد وقتٍ ليس بقصير، نفدت قوتي أخيرًا. تمكّنَ كايدن حينها من سحبي إلى ضفة النهر.
“هاه… ماريان، هل أنتِ بخير؟”
لم أستطع التنفّس جيدًا. كان رأسي يدور، و وعيي يتلاشى.
“ماريان؟ ماريان!”
بدأ صوت كايدن يبتعد تدريجيًا.
“سيّد كايدن! البحيرة ضخمة جدًا!”
كانت بحيرةٌ هائلة تمتدّ أمامي. كنتُ أركض كمهرة و أدخل الماء.
“لا تدخلي عميقًا.”
سمعتُ صوت كايدن و هو يُحذّرني. عندما استدرتُ، رأيتُ كايدن يبدو أصغر سنًا مما هو عليه الآن.
‘يبدو أصغر…؟’
شعرتُ بالغرابة و نظرتُ حولي. البحيرة الكبيرة بالقرب من قلعة الدوق.
أدركتُ حينها أنني في ذكرى من طفولتي.
‘كان عمري ثلاثة عشر عامًا. قبل أن أبدأ بمناداة كايدن بسموّ الدوق.’
كان صيف الشمال قصيرًا جدًا، لذا كان هذا الوقت الوحيد الذي يمكنني فيه نقع قدميّ في البحيرة.
‘لحظة، بحيرة؟’
في اللّحظة التي أدركتُ فيها، أحسستُ بالماء يصل إلى ذقني.
“ماريان!”
صرخةُ كايدن الحادة. صوت الماء المتدفق. جسدي يغرق.
بين قطرات الماء المتطايرة، رأيتُ لمحة من تعبير كايدن اليائس. اقتربت يد كبيرة منّي عبرَ التيار.
التعليقات لهذا الفصل " 50"