الفصل 17
شعرتُ بعضلات صدره الرائعة دونَ قصد، فلم أتمالك نفسي و سألتُ.
هـزَّ كايدن رأسه و أوقفني بثبات.
“هل قدمكِ بخير؟”
“نعم. لحسنِ الحظ، يبدو أنّني لم ألوي كاحلي. هذه الأحذية الملعونة.”
عندما نزعتُ حذائي بغضب، عبسَ كايدن.
“هواء اللّيل بارد. ستصاب قدماكِ بالبرد.”
“ومع ذلك، ليست أبرد من فالتشتاين.”
هززتُ كتفيّ. نظرَ إليّ كايدن للحظة ثم خلع عباءته دونَ تردّد.
“سموّ الدوق؟”
علّقَ كايدن العباءة على كتفيّ وقال:
“لن أشعر بالبرد.”
“ماذا؟!”
رفعني فجأةً بحركة الأميرة مرةً أخرى!
“أنزلني!”
بينما كنتُ أتلوّى، عبسَ كايدن و قال:
“ماريان، ساعديني قليلًا.”
توقّفتُ عن التلوّي من كلامه المفاجئ.
“ماذا؟ ما الذي تعنيه فجأة؟”
“جدّي يبحث عنّي.”
“آه.”
جدّ كايدن، ليوبولد فالتشتاين، الدوق السّابق، كان الشّخص الذي يضغط عليه منذُ عامٍ للزّواج.
يكفي معرفة أنّ كايدن خاضَ أكثر من 20 لقاءً للزواج خلال عام لادراك الوضع.
“لكن ما علاقة مساعدتكَ لي بحملي هكذا؟”
سألتُ، فأجابَ كايدن بوجهٍ جادّ:
“لقد لويتِ كاحلكِ للتّو.”
“ماذا؟”
“رعاية مرؤوسٍ مصاب هي واجب القائد.”
“آه، حسنًا…”
شعرتُ بإصراره على عدم العودة إلى قاعة الحفل بأيّ ثمن. فشعرتُ بالفضول.
“ما الذي حدثَ في قاعة الحفل بالضبط؟”
تجهّمَ وجه كايدن فجأةً.
* * *
عندما خرجتُ ماريان لترقص مع ولي العهد، نظرَ كايدن إلى يديه الفارغتين، كانَ يشعر بفراغٍ في صدره لا يفهمه.
في تلكَ اللّحظة، سمعَ صوتًا مخيفًا من الخلف.
“كايدن.”
“…تحيّة لجدّي.”
كان ليوبولد، جدّ كايدن الذي يقيم في قصر فالتشتاين بالعاصمة، ينظر إليه بنظراتٍ حادّة.
ما إن ظهرَ حتّى تباعد النبلاء الذين كانوا يتجمّعون حولَ كايدن.
حتّى هم شعروا بثقل وجود هذا المحارب القديم.
كان ليوبولد معروفًا بصرامته وطباعه الغريبة.
“لقد أفسدتَ لقاء الزّواج مع الأميرة سيرينا، أليس كذلك؟”
“الفارق العمريّ بيننا لا يناسب.”
“هراء! هل تسخر من الرجال الذين تزوّجوا من نساء أصغر منهم؟”
“أليس من الأفضل أن يُسخَر منهم قليلًا؟”
أمسكَ ليوبولد رقبته غاضبًا و صرخ:
“هل تعلم أيّ شائعات تدور في العاصمة؟ يقولون إنّكَ في الثامنة والعشرين و لم تخرج مع امرأةٍ ولو لمرّة!”
“هذا صحيح.”
“هناك شائعات تقول أنّكَ عاجز!”
“هااه!”
تسارعتْ أنفاس النّبلاء المحيطين.
بالنّسبةِ لليوبولد، كان هذا أمرًا مثيرًا للغضب.
أن يكون حفيد فالتشتاين الوحيد عاجزًا؟!
كانت هذه مسألة كبرياء. لم يكن بإمكانهم تشويه اسم فالتشتاين.
أجابَ كايدن بهدوء:
“هذا غير صحيح.”
“بالطّبع هو غير صحيح! سأجعل مَنٔ ينشر هذه الشائعات عاجزًا بيديّ!”
تحتَ غضبه، ارتجفَ الرجال المحيطون به.
شعرَ كايدن بالصّداع. بينما كان يتجادل مع ليوبولد، انتهت الأغنية الأولى، و رأى ماريان تبحث في القاعة.
كان عليه الاعتناء بها، لكن يبدو أنّ ليوبولد لن يتركه.
كان توقّعه صحيحًا.
“كرينكي.”
نادى ليوبولد مساعده.
تقدّمَ رجلٌ نحيف بشعرٍ أسود بسرعة، مقدمًا ورقةً مطويّة بأدب.
فردَ ليوبولد الورقة. كانت أطول ممّا توقّع، تتدلى و هي تتكشّف.
“من اليوم و حتّى نهاية الحفل بعد شهر، هذه قائمة النّساء اللواتي يجب أن تلتقي بهنّ للزواج.”
أرادَ كايدن الفرار من المكان فورًا.
* * *
“هههه!”
ضحكتُ بصوتٍ عالٍ، فأجابَ كايدن بوجهٍ مملّ:
“أودّ أن أضحكَ هكذا أيضًا.”
“جدّكَ الدّوق السّابق مذهل حقًّا!”
بينما كنتُ أضحك، أنزلني كايدن بحذرٍ على كرسيّ.
كنّا الآن في حديقة القصر الإمبراطوري. مشى بي و أنا في حضنه لمسافةٍ طويلة حتّى وصلنا هنا.
كلّما صادفنا خدمًا متفاجئين يسألون عمّا حدث، كنتُ أقول إنّني لويتُ كاحلي و الدّوق ساعدني.
هكذا ستصل الأخبار إلى الدّوق السّابق.
“لكن، سموّ الدوق.”
“ماذا؟”
“هل حقًّا لم تخرج في موعدٍ و لو لمرّة واحدة؟”
أومأ كايدن دونَ أيّ خجل.
“لم تُعجبكَ أيّ امرأة طوالَ حياتكَ؟”
“صحيح.”
“همم. حتّى النساء اللواتي أبدين اهتمامًا بكَ لم تثر أيّ واحدة منهنّ فيكَ أيّ مشاعر؟”
“صحيح.”
لماذا؟
من الناحية الموضوعيّة، كايدن وسيم، ثريّ، قويّ، و من عائلةٍ مرموقة، ممّا يعني أنّه العريس المثاليّ.
لكن يبدو أنّه غير مهتمّ بالنساء….
“هل تفضّل الرّجال…؟”
سخرت بحذر، فـعبسَ كايدن.
“هراء.”
“أعرف، أعرف.”
ضحكتُ، لكنّني شعرتُ ببعضِ المرارة.
هل يعني هذا أنّ كايدن لن يُعجب إلّا بستيلا، بطلة الرّواية؟
لكن ستيلا ستكون مع الأمير الثاني، لوكاس. إذن، قد يعيش دوقنا وحيدًا حتّى الموت…
“أريد الزواج من امرأةٍ أحبّها.”
“ماذا؟”
“و أتمنّى أن تحبّني هي أيضًا.”
كان كايدن يحدّقُ بي. نظرتُ إليه و فكّرتُ:
‘يا إلهي… هو أكثر رومانسيّة ممّا توقّعتُ.’
ستيلا لا تحبّ كايدن.
سيظلُّ ينظر إلى ظهرها طوالَ حياته حتّى يموت وحيدًا. و بما أنّه سيّد سيف ماهر، سيعيش طويلًا، مما يعني وحدةً أطول.
نصحته بسبب شعوري بالأسى عليه:
“لكن يجب أن تلتقي بشخصٍ ما أوّلًا حتّى تقع في الحبّ.”
“والدي وقع في حبّ والدتي من النظرة الأولى.”
“آه…”
تنهّدتُ بحزن.
قصّة حبّ والد كايدن، باستيان فالتشتاين، بوالدته ليليان نوكس من النظرة الأولى كانت مشهورة.
كانت مراتبهما متساوية، فتزوّجا بسرعة. لكن ليليان، التي كانت تنتمي للجنوب، كانت ضعيفة أمامَ برد الشّمال القارس.
بعد ولادة كايدن، أصبحت صحّتها هشّة، فذهبت إلى أراضي نوكس الجنوبيّة للتعافي.
حزنَ باستيان على فراقها، وفي النهاية، جمع أغراضه و ذهبَ ليعيش معها في الجنوب.
المشكلة أنّه فعل ذلكَ قبل أن يرث لقب الدوق. كان غضب ليوبولد متوقّعًا.
“وراثة اللقب على الأبواب!”
“لا حاجة لي باللّقب! ما فائدة اللقب بدونِ ليليان ، المرأة التي أحبّها؟ اتركه لكايدن عندما يكبر!”
“أيّها العاق!”
هكذا، رغمَ أنّ والديه على قيد الحياة، ربّاه جدّه منذُ كان في الخامسة.
لكن علاقته بوالديه لم تكن سيّئة. كان يتحدّث معهما عبر كرة الاتصال السحريّة و يزورهما في الجنوب.
على أيّ حال، نشأ كايدن مع والدين مملوءين بالحبّ.
“البيئة مهمّة حقًّا…”
تمتمتُ، فنظرَ إليّ كايدن متسائلًا.
نظرتُ إليه بحزن و قلتُ:
“الحبّ من النظرة الأولى رائع. لكن…”
“ماذا؟”
“احتماليّته ليست عالية. مقولة أنّ مَنٔ يلتقي بالكثيرين يجد الشخص المناسب لم تأتِ عن عبث.”
“هذا لا يناسبني.”
كبحتُ تنهيدةً بصعوبة.
كايدن، الذي يبدو عادةً صلبًا و يقطّع الوحوش بلا رحمة، كان يُظهر أحيانًا طابع النبيل الذي تربّى في بيئةٍ مميّزة.
لا، ليس النبلاء عمومًا، بل بيئة كايدن تحديدًا.
“ما هو نوعكِ المفضّل، سموّ الدوق؟”
“الشخص الذي أحبّه.”
شعرتُ أنّ استمراري في السؤال سيؤدّي إلى تكرارٍ لا نهائيّ.
هززتُ رأسي بوجهٍ يقول ‘افعل ما تشاء’.
نظرَ إليّ كايدن للحظة ثم قال ببطء:
“وماذا عنكِ؟”
“ماذا؟”
“ما هو نوعكِ المفضّل؟”
التعليقات لهذا الفصل " 17"