الفصل الخاصّ 9
****
فتحتُ عينيّ ببطء.
رمشت بعينيّ الضبابيتين ببطء و نظرتُ حولي، فرأيتُ كايدن جالسًا على كرسي بجانبِ سريري.
تفحّصته في ضوء الفجر الخافت المتسلّل من بين الستائر.
كانت ذراعاه مطويّتان و عيناه مغمضتين، لكنّه بدا منهكًا. كانت الهالات السوداء تحتَ عينيه واضحة، و بشرته خشنة على غير عادته.
همستُ بصوتٍ خافت:
“شكرًا، كايدن.”
فتـحَ كايدن عينيه فجأة. نظر إليّ بدهشة، ثمّ تمتم بصوتٍ متشقّق:
“…ماريان؟”
“نعم.”
“ماذا قلتِ للتو…؟”
ابتسمتُ لردّ فعله المرتبك.
“قلتُ شكرًا، كايدن.”
“…كم عمـركِ الآن؟”
“هاها، لقد استعـدتُ ذاكرتي.”
تقلّص وجه كايدن. اقتربَ منّي بسرعة و ضمّني بقوة. بدا أنّه عانى كثيرًا أثناء فقداني لذكرياتي، فتنهّد براحة وتمتم:
“آه… يا للرّاحة”
شعرتُ بالأسف، فسألتُ بنبرةٍ مرحة:
“كيف كانت ماريان ذات الاثنين و عشرين عامًا بعد وقتٍ طويل؟”
“لا تُناديني بالدّوق الأكبر.”
“هاهاها!”
ضحكتُ رغمًا عنّي لنبرته المتذمرة. ابتعد عنّي ببطء وسأل:
“هل أنـتِ بخير؟ هل رأسـكِ يؤلمكِ؟”
“أشعر بأنّني بحالةٍ ممتازة.”
“آه… لحسن الحظّ. لقد ظللتِ فاقدة الوعي ليومين…”
فاجأني ذلك و سألتُ:
“كنتُ فاقدة للوعي ليومين؟”
“نعم. كلّ دقيقة و ثانية مـرّرت دونَ استيقاظكِ كانت كالمـوت.”
ضمّني مجدّدًا، كما لو كان يريد أن يشعر بي عن قرب بيأس.
“أنا آسفة.”
“…أقبل اعتذاركِ. لا تسقطي مجددًا، و لا تفقدي ذاكرتكِ مرّةً أخرى.”
“حسنًا.”
صمت للحظة، ثمّ صحّح:
“فقدان الذاكرة يمكنني تحمّلـه بطريقةٍ ما. فقط لا تمرضي.”
ضحكتُ لا إراديًا لكلامه. ثمّ سألتُ بنبرة مرحة:
“ألم تكـن سعيدًا برؤيتي بعد وقتٍ طويل؟ شعرتُ أنّني استمتعتُ.”
“كنتُ سعيدًا حتى غادرتِ القصر.”
“هاها!”
تنهّد كايدن و تذمّـر:
“عبور القارة في أسبوع، مذهل حقًا. من قصر الدوق إلى العاصمة يستغرق أسبوعًا بالعربة. لكنّكِ فعلتِ ذلكَ سيرًا على الأقدام.”
من وجهة نظره، كنتُ متهوّرة جدًا. لكن هذا التهوّر بدا شيئًا لن أفعله في الثانية والأربعين، فشعرتُ ببعض الغيرة داخليًا.
“هذه هي حماسة الثانية و العشرين. لم يكن لديّ نقود، ففي ثلاثة أيام، تناولتُ وجبتين يوميًا فقط، وكان خبزًا جـافًا…”
“ماذا؟!”
أمسكَ كايدن ذراعيّ فجأةً و ابتعد، ثم أخذَ يوبّخني بوجهٍ جـادّ:
“فتاة تغضب إذا تأخّرت وجبتها، كيف تحمّلتِ هذا التهوّر؟”
همم… يبدو أنّني حسّاسة تجاه الطعام.
اكتشفتُ شيئًا جديدًا، فأومأتُ برأسي فقط، بينما بدأ كايدن يحفـر في أفكاره:
“ماريان ذات الاثنين و عشرين عامًـا… هل كرهتني لدرجة أنّكِ قمـتِ بتجويع نفسكِ؟”
“بفت!”
انفجرتُ ضاحكة، فنظر إليّ كايدن بنظرةٍ حادّة.
سعلتُ عدّة مرات و قمت بتهدأته:
“الأمر ليس كذلك. في ذلكَ الوقت، لم أكـن أعرف أنّني سأتزوّج من دوق فالتشتاين،”
عندما قلتُ “دوق”، حـدّق بي بحدّة.
“حسنًا، حسنًا. في ذلكَ الوقت، لم أكن أعرف أنّني سأتزوّج منـكَ، كايدن. لكن فجأة، قيل لي إنّني متزوّجة و لديّ ثلاثة أطفال، فهربتُ من الواقع من الصدمة.”
“هربتِ و قمتِ بتجويع نفسكِ.”
أضفتُ تفسيرًا له، هو الذي لم يقتنع:
“فكّـر في الأمر. الزواج و إنجاب الأطفال يعني أنّنا تبادلنا القبلات و فعلنا كلّ الأمور الزوجية. كم كنتُ محرجة و أنا في الثانية و العشرين بلا ذكريات؟”
فتحَ كايدن عينيه بدهشة، كأنّه أدركَ للتو:
“…فهمت.”
“هكذا كان الأمر.”
“هذا بحـدّ ذاته…”
“لطيف، أليس كذلك؟”
ضحكَ كايدن بخفّة و أومأ.
نظر إليّ بعيون دافئة و سأل:
“هل أنتِ جائعة؟ وجهكِ بدا نحيفًا، يبدو أنّه بسبب نقص الطعام. هل أطلب تحضير وجبة؟”
“الصباح قريب. الخدم نائمون الآن، سأتناول الطعام في وقته. لكن، عانقني أكثر قليلاً.”
استجابَ كايدن على الفور و ضمّني إليه بلطف. شعرتُ بدفئه و قلتُ بقلق:
“لقد تركتُ دَيّنًـا في حانة زالتس…”
“ملك الشياطين دفعَ بالفعل.”
“…هل لديه نقود؟”
ضحكَ كايدن باختصار. حسنًا، النقود لا تهمّ ملك الشياطين. استندتُ إلى كتفه بهدوء و تمتمتُ:
“حلمتُ بحلم من طفولتي.”
“من الثانية و العشرين؟”
“لا، من قبل ذلك. حلم عن الدّوق الأكبر السّابق.”
“…فهمت.”
ربـتَ على ظهري بيده الكبيرة ليواسيني.
لم تكن الحياة سهلة. واجهتُ صعوبات كثيرة، و بكيتُ في داخلي في أيام عديدة. لكن في كلّ مرة، كان الدّوق السّابق دعامتي.
عندما وصلتُ إلى قصر الدّوق لأول مرة و لم أتأقلم، كان هو مَـنْ اقترب منّي أولاً و قـدّم لي كعكًا ملفوفًا بمنديل بينما أنا مختبئة في إحدى الزّوايا.
كعكة واحدة حلوة منه كانت تذيب كلّ همومي. تلكَ الذكرى لا تزال حيّـة بداخلي.
‘شكرًا، سيّدي الدّوق الأكبر.’
قدّمت شكري في داخلي إلى الشّخص أشتاق إليه. ثمّ استنشقتُ رائحة كايدن ببطء.
“أنا حقًـا شخص محظوظ.”
ابتعد كايدن قليلاً و نظر إليّ:
“و أنا كذلك.”
أسندنا جبهتينا إلى بعضهما و ضحكنا. كان شعورًا و كأنّنا نفهم بعضنا دونَ كلام.
همستُ بصوت خافت:
“شكرًا لأنّـكَ تحبّـني.”
قبّلنـي كايدن على شفتيّ بسرعة:
“وأنا شاكـر لأنّـكِ إلى جانبي… لكن لا تغيبي عنّـي مجدّدًا.”
يبدو أنّ غيابي لأسبوع كان صدمة كبيرة. ضحكتُ و أجبتُ:
“حسنًا. أحبّـكَ، كايدن.”
“وأنا أحبّـكِ.”
تبادلنا كلمات الحبّ، و استقبلنا صباحًا مشرقًا.
****
بعد أيام
وصلت رسالة إلى الإخوة الثلاثة من عائلة فالتشتاين في الأكاديمية.
“ما هذا؟ يقول والدي إنّه يريد إقامة زفاف تذكاري؟”
ثيودور، الابن الثاني الذي كبـر كثيرًا، لـوّح بالرسالة و أخبر أخاه الأكبر و أخته الصغرى بالخبر المذهل.
رفـعَ إيفان، الابن الأكبر الذي يشبه كايدن كثيرًا، رأسه من الصحيفة التي كان يقرأها على الأريكة و سأل:
“هل وافقت والدتنا؟”
“أممم… لا يوجد شيء عن ذلك.”
في تلكَ اللحظة، أجابت بينيلوبي، الابنة الصغرى البالغة من العمر أربعة عشر عامًا، و هي تتدحرج على سرير أخيها الأكبر:
“تحدّثتُ مع أمي عبر كرة الاتصال المرئي أمس، و قالت لنا أن نمنع والـدنا.”
“…يبدو أنّ أمي كانت في عجلة.”
ضحكَ إيفان بشكلٍ غامض و طوى الصحيفة.
تعتمد وسيلة التواصل على مدى الإلحاح.
الرّسائل للأمور غير العاجلة، كرات الاتصال السحرية للأمور العاجلة، و كرات الاتصال المرئي للأمور العاجلة التي تتطلّب محادثة وجهًـا لوجه.
كلّما زادت أهمية الموضوع ، زادت التكلفة، لكن المال ليس مشكلة لعائلة فالتشتاين.
بالطبع، إذا كان الأمر عاجلاً لكن المحادثة المباشرة صعبـة، يُستخدم بريد التوصيل السحري. لكن هذا أبطأ من كرات الاتصال.
و كان والد الأطفال الثلاثة، كايدن، يفضّل الرسائل كرجل تقليدي، حتى لو كانت رسائل توصيل سريعة.
واصـلَ ثيودور قراءة الرسالة:
“يقول إنّه يريد الاحتفال باستعادة أمي لذكرياتها.”
“إذا لم توافق أمي، فلا يمكن فعل ذلك.”
قال إيفان بحزم رغمَ وجهه الناعم.
ضحكت بينيلوبي، غير مكترثة.
“لكنّـه غريب. كيف يمكن لكليهما أن يفقدا الذاكرة؟ هل هذا ما يعنيـه توأم الـرّوح؟”
“بيني، هل تتذكّرين ذلك؟”
سأل إيفان بدهشة، فجلست بينيلوبي و قالت:
“بالطبع أتذكّر.”
“لا تكذبي. كنـتِ في الثالثة فقط.”
ردّ ثيودور، فنظرت إليه بينيلوبي بعيون مثلثة و قالت:
“هل تظنّنـي أنـتَ؟”
“ماذا؟ كيف تتحدّثين إلى أخيكِ الأكبر بهذه الطّريقة! يا إيفان، انظر إليها!”
التعليقات لهذا الفصل " 130"