الفصل الخاصّ 8
****
فجأة، أدركتُ أنّني أسير بجانبِ الجدار الحجري المحيط بقصر الدوق. كان المشهد كما هو على مـرّ السنين، فشعرتُ بارتياح خفيف. في الوقت نفسه، تذكّرتُ شخصًا ما بشكلٍ طبيعي.
“لو لم يكن الوقت متأخرًا جدًا، لكنتُ زرتُ الدّوق الأكبر السّابق لتحيّتـه. ربّما من الأفضل أن أحيّيه صباح الغد، أليس كذلك؟”
“……”
لم يأتِ ردّ، فنظرتُ إلى كايدن بوجهٍ متعجّب. كان وجهه مليئًا بالحيرة.
“الدّوق الأكبر؟”
“… ماريان.”
بـدا حذرًا. شعرتُ بشيء مقلق.
تردّد كايدن للحظة، ثمّ تحدّث ببطء:
“جـدّي… توفّي قبل سبع سنوات.”
مـاذا…؟
شعرتُ أنّ كلماته كأنّها في حركة بطيئة.
“أغمضَ عينيه بهدوء أمام العائلة بأكملها.”
بدأت معدتي تتقلّص.
‘الدوق السّابق… توفّـي…؟’
فجأة، ومضت ومضات بيضاء في رأسي كالبرق، و تدفّقت مشاهد متفرقة.
أصوات بكاء الناس، شاهد قبر أبيض ناصع، و زهرة بيضاء فوقه.
شعرتُ بألـمٍ يمزّق رأسي.
“ماريان!”
مع صوت كايدن الملـحّ، أظلمت رؤيتي.
****
كان الدّوق الأكبر السّابق، ذو الوجه المتغضّن، مستلقيًا على السّرير. وقفتُ أنا و باقي أفراد عائلة الدوق حوله.
رفـعَ الدّوق الأكبر ذراعه الضعيفة بصعوبة، فأمسكها والد كايدن، باستيان. ابتسمَ الدوق بجهد:
“قبل أن أموت… أنـا سعيد برؤية حفيدتي.”
ضحكَ باستيان بوجهٍ متألّم و قال:
“ها أنـتَ تكرّر هذا الكلام.”
“أنـتَ… محظوظ بزوجـة ابنـكَ.”
“كلّ هذا بفضلكَ أنـتَ، أبي.”
“ماريان…”
كنتُ أبكي بهدوء، فاقتربتُ من السرير و ركعتُ على ركبة واحدة ليراني بوضوح، إذ كان بصره قد ضَعـف.
“نعم، سيّدي الدّوق الأكبر.”
“اعتني بكايدن…”
أومأتُ برأسي و دموعي تتساقط.
“عيشي كسيّدة نبيلة فخورة…”
كانت تلكَ وصيّتـه الأخيرة.
انتشرَ صوت بكاء حزين من غرفة الدّوق الأكبر.
****
عندما كنتُ في الثالثة عشرة
“مَـنْ سيتولّى مسؤولية سيّدة السّيف الصغيرة هذه؟”
“……”
سمعتُ أنّ جدالاً صامتًا دار بين الإمبراطور والنبلاء حول مَـنْ سيتولّى رعاية سيّدة السّيف ذات الأصل العامّي.
في ذلكَ الوقت، كنتُ طفلة تسبّبتُ في عدّة حوادث عنيفة، مثل تدمير المباني.
كنتُ “عامّية جاهلة، سيئة الطباع، لكن بقوّة هائلة يصعب السّيطرة عليها”. باختصار، كنـتُ مشكلة. لذا، لم يرحّـب بي أحـد، حتى الإمبراطور.
“سأتولّى مسؤوليتها.”
لكن الدّوق الأكبر ليوبولد، دوق فالتشتاين آنذاك، تطـوّع بسهولة.
كنتُ محتارة، لكنني عزمتُ على أن أكون طفلة مطيعة و مفيدة.
إذا دخلتُ عائلة نبيلة، لن أجوع، لذا خطّطتُ لاستغلال كلّ ما يمكنني استغلاله.
لكن، كما لو أنّه رأى نواياي، ضيّـق الدوق عينيه وقال:
“فتاة ذات طباع حـادّة تتظاهر بالهدوء. لنرى إلى متى ستستمرّين في هذا.”
شعرتُ بالإهانة و تجنّبتُـه لفترة. لكن، بطريقةٍ ما، كان يعرف دائمًا مكاني، حتّى عندما كنتُ أختبئ جيّدًا، كان يظهر فجأةً و يعثـر عليّ.
ثمّ كان يعطيني منديلاً مملوءًا بالكعك.
“آه، أنـتِ نحيفة جدًا! كُـلي!”
كان الكعك لذيذًا جدًا.
بعد عدّة مرات من تناول الوجبات الخفيفة، بدأتُ أتناول وجباتي مع عائلة الدوق بدلاً من تناول الطعام وحدي في غرفتي.
كانت الأطعمة لذيذة، لكن تساءلتُ:
‘لماذا يعطونني الطّعام فقط؟ لماذا لا يأخذونني لإبادة الوحوش؟ كايدن يذهب، و أنا جيّدة في استخدام السيف.’
في قصر الدوق، كنتُ آكل و أنام و ألعب فقط. عندما أصبح شعوري بالقلق لا يطاق، جمعتُ شجاعتي و سألتُ الدّوق الأكبر:
“متى سأذهب لإبادة الوحوش؟”
“طفلة صغيرة تتحدّث عن إبادة الوحوش! عليكِ أن تكبـري فقط!”
أومأتُ برأسي فقط أمام غضبه. لكنني كنتُ لا أزال قلقة.
لا بدّ أن هناك سببًـا لمنحي طعامًا لذيذًا و غرفة مريحة رغم عدم وجود قرابة دم بيننا.
كان عليّ إثبات جدارتي كسيدة سيف.
لذا، حاولتُ تتبّـع جيش كايدن سرًا لإبادة الوحوش.
بالطبع، تـمّ إمساكي على الفور و استُدعيتُ من قبل الدّوق الأكبر.
“لماذا حاولتِ أن تتبعيهم سـرًّا؟”
سأل بهدوء، على عكسِ صوته العالي المعتاد، مما جعلـه أكثر رعبًا.
عبثتُ بأصابعي و أجبتُ بصعوبة:
“أردتُ أن أكون مفيدة…”
“حقًّـا؟”
“نعم…”
“همم، إذن. تعالي.”
تبعته بقلبٍ خائف. أخذني إلى غرفة عليّة تحتَ.برج قديم. شعرتُ بالخوف عندما رأيتُ المكان المتواضع.
‘هل ستصبح هذه غرفتي بدلاً من الغرفة الفاخرة؟’
ظننتُ أنّه غاضب و سيعاقبني بإعطائي غرفة بائسة. لكن توقّعاتي كانت خاطئة.
“انظـري هنا.”
أشارَ إلى علامات خدوش على عمود خشبيّ قديم، خدوش أفقية متفاوتـة من الأسفل إلى الأعلى.
“هذه علامات قياس طول كايدن منذُ طفولته.”
تفاجأتُ. كايدن، الذي بدا دائمًا طويلاً، كان صغيرًا هكذا يومًا ما.
“توقّف عن قياس طوله بعد السادسة عشرة. قال إنّـه كبـر بما فيه الكفاية، الوغد المتعجرف. ماريان، تعالي.”
اقتربتُ بحـذر. جعلني أقـف بجانبِ العمود، ثمّ استخدم حجرًا حـادًا قريبًا ليضع علامة فوق رأسي.
“ها قد انتهيتُ. انظري كم أنـتِ قصيرة. بالمناسبة، طولـكِ الآن أقصر قليلاً من طول كايدن عندما كان في العاشرة.”
كانت صدمة.
أنا في الثالثة عشرة و أقصر من كايدن عندما كان في العاشرة!
ضحكَ الدّوق الأكبر بشـرّ عندما رأى تعبيري و قال:
“حسنًا، أنـتِ فتاة في النّهاية . إذا وصلتِ إلى طول كايدن عندما كان في الثانية عشرة، سأسمح لكِ بالذهاب لإبادة الوحوش.”
شعرتُ بالإحباط، لأنّ الوصول إلى ذلكَ الطول سيستغرق وقتًا طويلاً. همسَ الدوق في أذني:
“من أجل نمـوّكِ، عليكِ أن تأكلي جيّدًا و تنامي جيّدًا. و تدرسي قليلاً أيضًا.”
أومأتُ بوجه جـادّ.
أكلتُ بشراهة، و نمـتُ جيدًا، و حاولتُ جاهدة في الدراسة.
خلال عام واحد، زاد طولي بمقدار ذراعين.
علمتُ لاحقًا أنّ كايدن كان طويلاً مقارنة بأقرانه، و كان الطول الذي اشترطه الدوق يعادل طول امرأة بالغة صغيرة الحجم.
ربّما أراد منعـي من إبادة الوحوش حتى أصبح بالغة. لكنّه لم يتوقّع شيئًا: أنّني كنتُ أطول قليلاً من الفتيات العاديات.
مع التغذية الجيّدة و النّوم الكافي، كنتُ أنمو كنبات في فترة المراهقة.
لم يتوقّـع الدوق أن أصير أطول بهذه السرعة لأنّـه رآى أنّني أصغر من أقراني في البداية.
في الرابعة عشرة، في الشتاء، أعلنتُ أنّني سأذهب لإبادة الوحوش بعد تحقيق الهدف.
حاولَ الدوق معني، لكنني ذكّرتـه بوعده، و كان عليه، كنبيل، الوفاء بـه.
أُضيفت شروط أخرى، مثل التفوّق في دروس الآداب و التعليم المنزلي، لكن…
على أيّ حال، هكذا كبرتُ تحت حماية البالغين في عائلة الدوق.
****
كنتُ دائمًا أتساءل:
‘لماذا قـرّر الدّوق الأكبر السابق تولّي رعايتي؟’
كان هذا سؤال حياتي.
لاحقًا، أدركتُ أنّني كنتُ مصدر إزعاج كبير لأصحاب السلطة.
وجدتُ إجابة هذا السؤال بعد التغلّب على الصعوبات، و الزواج من الشّ الذي خص أحـبّ، و إنجاب الأطفال، و وداع أحبّـائي واحدًا تلوى الآخر.
ذاتَ مرة، قال لي الدّوق الأكبر:
“القوّة العظيمة تأتي مع مسؤولية عظيمة.”
“هل تعتقدين أنّ النبلاء شيء عظيم؟ قدراتكِ و تصرّفاتكِ هي التي تجعلكِ تبدين نبيلة!”
أمام هذا الرّجل، الذي كان يردّد هذه الكلمات دائمًا، ظهرتُ أنا، سيّدة السيف في الثالثة عشرة.
كيف بدوتُ في عينيه؟
لقد أدّى واجبـه كنبيل من النبلاء.
و كان جزء من هذا الواجب هو رعاية يتيمـة مثلي بالحـبّ.
التعليقات لهذا الفصل " 129"