نظرتُ بالتناوب إلى كايدن والرجل الغريب، و أنا أطالب بتفسير، لكن كايدن بدا مترددًا قليلاً، بينما ظلّ الرّجل بلا تعبير.
في تلكَ اللحظة، بدأ الناس يتعرّفون علينا.
“أليس هذا دوق فالتشتاين الأكبر؟”
“الآن و قد ذكرتَ ذلك، تلك المرأة تشبه الفتاة المتهوّرة… آه، يبدو أنّها هي!”
“أرى الأبطال بعينيّ!”
يبدو أنّ كايدن، بصفته دوق فالتشتاين، كان يظهر كثيرًا في الصحف، فتعرّفوا عليه بسرعة. بدأ الناس، الذين أدركوا هويّتنا، ينهضون من مقاعدهم واحدًا تلوى الآخر.
“لماذا لا يتقدّم سادة السّيف في العمر؟”
“بالضبط، إنّهم في مثل عمري!”
“لنقترب أكثر.”
كانوا يقتربون منّـا تدريجيًا، يضيّقون دائرة الحصار. شعرتُ بالعرق البارد بسبب الجوّ الغريب، لكن كايدن بـادرَ بتحيّـة الرجل بسرعة:
“شكرًا لك. سأراكَ في الشمال.”
“حسنًا.”
“ماريان، هيّا.”
ما إن أجابَ الرجل حتى أمسكَ كايدن بيدي وسحبني.
قلتُ: “آه، آه…!” و حاولتُ توديع الرجل، لكنّه اختفى في غمضة عين.
“ساحر…؟”
“ماريان، هيّا بسرعة.”
بسببِ إلحاح كايدن، لم يكن لديّ وقت للحيرة، فخرجنا من الحانة.
“إنّهما يغادران!”
“الدّوق الأكبر! من فضلك، وقّـع على هذه الصحيفة!”
” السّيدة ماريان! المسي يدي مرة واحدة فقط!”
“أعطني شعرة واحدة! سأجعلها تذكارًا!”
تركنا وراءنا طلبات غريبة من رجال ذوي لحى بأصوات غليظة، و هرعنا إلى زقاق للاختباء.
“ماريان، هل أنتِ بخير؟”
سألني كايدن بقلق، فأجبتُ وأنا أرتجف قليلاً:
“بخير. آه، لكن لماذا نحن مشهوران هكذا؟ لقد فوجئت.”
ضحكَ كايدن. بدلاً من التفسير، سأل بلطف:
“كيف حالكِ مع الخمر؟ هل تشعرين بالدوار؟”
ما زالت نبرته غير مألوفة، فشعرتُ بالحرج.
“…حسنًا، تقريبًا تلاشى تأثير الخمر.”
“جيّد. لقد تأخّر الوقت، فلنذهب.”
“إلى أين؟”
“إلى قصر الدوق.”
“…….”
أومأتُ برأسي بحذر وأنا أراقب تعبيره. اختفيتُ لأسبوع كامل، لكنّه لم يوبّخني ولو لمرّة.
كايدن الذي أعرفه كان سيُلقي محاضرة لا نهائية. لكن كايدن الذي أمامي كان يبدو مطمئنًا فقط، ممسكًا بيدي.
كان لا يزال يمسك يدي منذُ خروجنا من الحانة.
‘هل اعتـاد على إمساك يدي لأنّنا زوجان؟ لكن هذا ليس مألوفًا بالنّسبة لي…’
شعرتُ بالحيرة.
بينما كنّا نسير بصمت، كان الجوّ محرجًا.
شعرتُ أنّ يدي الممسوكة تزداد سخونة، و بعد تفكير طويل، فتحتُ فمي أخيرًا:
“يمكننا السّير دونَ إمساك الأيدي.”
“……”
لم يًردّ كايدن. نظرتُ إلى ظهره و هو يتقدّمني قليلاً، و أضفتُ بخجل:
“لقد زال تأثير الخمر، يمكنني السير جيدًا.”
“……”
“الدّوق الأكبر…؟”
“ماريان.”
“نعم؟”
“هل يمكنني إمساك كمّـكِ؟”
“ماذا…؟”
من السّؤال المفاجئ، أصدرتُ صوتًا مرتبكًا. استدار كايدن ببطء، و عندما رأيته، لم أستطع قول شيء.
“أريد إمساك كمّـكِ على الأقل.”
كان يشبه كلبًا كبيرًا مبللاً بالمطر.
‘كايدن… يشبه كلبًا مبللاً…؟’
تفاجأتُ من نفسي لتفكيري بهذه الطّريقة عن دوق فالتشتاين، سيّد السّيف، و صرختُ دونَ وعي:
“لماذا كمّي؟!”
“أخشى أن تختفي مجددًا… إذا كنتِ لا تريدين…”
لم يكمل كلامه، لكن وجهه كان ما يزال يبدو حزينًا.
‘هل يعني أنّه لا يريد ترك يدي خوفًا من اختفائي؟!’
تحـرّكَ قلبي.
كنتُ أظنّه دائمًا قويًا و صلبًا، لكن رؤيته يتردّد و يراقب ردّ فعلي، جعلت قلبي ينبض. كان أمرًا جديدًا عليّ
هل لهذا السّبب؟ تحدّثَ فمي دون تفكير:
“حسنًا… لا بأس أن نمسك الأيدي فقط…؟”
فتحَ كايدن عينيه على مصراعيهما. شعرتُ بالحرج و برزت شفتيّ، لكنّه ابتسمَ بلطف وقال:
“شكرًا لكِ. هل نذهب؟”
‘يا إلهي…’
لم أتوقّع أبدًا أن أشعر هكذا تجاه كايدن.
أنا أكرهـه. لا، ليس كراهيّة حقيقية، بل شيء أقرب إلى الانزعاج.
لكن ما هذا الشعور الآن؟
شعرتُ بنسيم الليل البارد يمـرّ على جبهتي. سمعتُ صوت أوراق الشجر تهتزّ، و شعرتُ بوجوده الكبير إلى جانبي.
دفء اليد الممسوكة كان واضحًا جدًا. شعور لا يمكن وصفه بالكلمات جعلَ جسدي يرتجف.
بينما كنتُ عاجزة عن تحمّل هذا الجوّ، ضغطتُ على كلماتي:
“كيف وجدتني؟”
صمتَ كايدن للحظة ثمّ تحدّث ببطء:
“لم أستطع الانتظار حتى تعودي. بحثتُ في كلّ مكان.”
“فهمت…”
أجبتُ بإحراج و أغمضتُ عينيّ ثمّ فتحتهما. شعرتُ بذنب أكبر بكثير مما اقترفته.
ربّما لأنّه بدا أكثر إرهاقًا من المعتاد.
‘هل أعتذر؟’
بينما كنتُ أفكّر، ناداني بصوتٍ منخفض:
“ماريان.”
“نعم؟”
“أنا أحبّـكِ جدًا.”
اتّسعت عيناي. استدرتُ ببطء لأنظر إليه.
“وأنـتِ أيضًا قلـتِ إنّـكِ تحبّينني.”
“مـاذا؟!”
قفزت من شدة الصدمة. ضحكَ كايدن بخفّة وهو ينظر إليّ.
“هكذا كنـتِ تشعرين.”
ماذا يعني…؟
لم أتأقلم مع كلامه. أليس كذلك؟ و إعلان حبّ فجأة؟! بل قال إنّني فعلتُ ذلك أيضًا؟!
بينما كانت الأفكار تدور في رأسي، واصل كايدن بهدوء:
التعليقات لهذا الفصل " 128"