لعقتُ أصابعي و نظرتُ بعيونٍ جائعة إلى متجر الشطائر بجانب المقهى.
حـدّقَ بي صاحب المتجر بنظرةٍ حذرة. بعد أسبوع من التجوّل عبر القارة دونَ استحمام، لا بدّ أنّني أبدو كمتسوّلة.
‘الشّطيرة بفضيتين. تنقصني فضية واحدة.’
في الحقيقة، لو ذهبتُ إلى قصر الدوق في العاصمة، لقدّموا لي وجبة دافئة، لكن…
‘لو كان ذلك ممكنًا، لما تجوّلتُ في الإمبراطورية طوال هذا الوقت.’
في البداية، لم أخطّط للبقاء خارجًا طويلاً. كنتُ أنوي استكشاف شوارع فالتشتاين المتغيّرة، ثمّ العودة إلى القصر ليلاً. لكن…
“أنـتِ مرتبكة الآن، و كنتُ خفيفًا في كلامي. أنا آسف.”
“لا داعي للقلق.”
“سأكون دائمًا إلى جانبـكِ.”
كلّما فكّرتُ في العودة إلى القصر، تذكّرتُ كايدن وهو يعتذر لي بنظرةٍ ناعمة لم أرها من قبل، مطمئنًا إياي.
ثمّ تذكّرتُ أنّنا تزوّجنا و أنجبنا ثلاثة أطفال، مما يعني أنّنا فعلنا كلّ الأمور التي يفعلها الأزواج…
“آه!”
صرختُ دونَ وعي.
‘إذن، أنا و كايدن… قبّلنـا بعضنا، و قمنـا بما هو أكثر…’
“آه!”
أمسكتُ رأسي و تلوّيت.
نظروا إليّ المارّة و قالوا: “يبدو أنّها مجنونة”، وابتعدوا بسرعة، لكنني لم أكترث.
كلّ ما أردته هو غمر وجهي في النافورة لتهدئة الحرارة في خدّيّ.
بدلاً من ذلك، نفختُ على وجهي بيديّ بقوة و تمتمتُ:
“لا يمكنني العودة الآن. سأعود إلى القصر بعد بضعة أيام…”
دونَ علمي أنّ كايدن يكـاد يجـنّ، واصلتُ السير في شوارع العاصمة و أنا أحتضن معدتي الجائعة.
***
في وقتٍ متأخّر من الليل، وصلَ كايدن إلى القصر الإمبراطوري على عجل لمقابلة لوكاس.
تفاجأ لوكاس، الذي كان يرقص في حفل راقص بالقصر، بزيارة كايدن المفاجئة، لكنّه، ملاحظًا جوّه الجادّ، اصطحبه إلى غرفة الاستقبال للحديث على انفراد.
“أعتذر عن الزيارة المفاجئة، جلالتك.”
“ما الأمر، يا دوق؟”
نظرَ لوكاس، الإمبراطور الذي بلغ منتصف الأربعينيات، إلى كايدن بجديّة.
كان مظهر الدّوق يشبه شخصًا لم ينم منذُ أيام: بشرة شاحبة، عيون غائرة. شعره مرتب بشكلٍ ما، لكن ملابسه لا تليق بحفل راقص في القصر. كان معطفه بالكاد يخفي مظهره المهمل.
كان كايدن دائمًا يحرص على الظهور بأبهى حلّة.
بصفته سيّد سيف، كان يتقدّم في العمر ببطء، و كان لديه عقدة من كونه أكبر من ماريان بخمس سنوات، لذلك كان يعتني بنفسه جيّدًا.
‘أن يظهر الدوق بهذا المظهر المتعب… لا بدّ أنّ شيئًا خطيرًا حدث.’
سأل لوكاس بصوتٍ متوتر:
“هل هناك اضطرابات في مملكة كيترا الغربية؟ أم أنّ ملك الشياطين قد جّـنّ مجدّدًا؟”
“لا هذا ولا ذاك.”
“إذن، ما الذي جعلكَ بهذا المظهر؟”
أجاب كايدن بصوت متألّم:
“ماريان اختفت .”
“ماذا؟”
تفاجأ لوكاس بالردّ الغير متوقّع، فأصدر صوتًا لا يليق بإمبراطور.
شرحَ كايدن الأحداث بتعبيرٍ غارق. في البداية، بدا لوكاس مرتبكًا، لكنّه أصبح جديًا عندما فهم الوضع.
“ماريان تعاني من فقدان الذاكرة هذه المرّة…”
كانت مشكلة كبيرة. سيّدة سيف، فقدت ذاكرتها، تجوّلت في القارة دونَ أن يعلم أحد.
‘من منظور عسكري، هذا خطير جدًا. لكن لو قلتُ ذلك، سيغضب كايدن ويقول إنّني أعامل ماريان كسلاح.’
كإمبراطور، كانت هذه فكرة طبيعية، لكن لوكاس الحكيم اختار كلمات أخرى:
‘لم أرَ الدوق بهذا الشكل من قبل. هل يأكل حتى؟ إذا مـرّ أسبوع آخر، قد يقتل أحدًا ما.’
ومع ذلك، شعـرَ لوكاس بسرور خفي. لقد تلقّى الكثير من المساعدة من دوق فالتشتاين، مما جعله يشعر بالنقص كإمبراطور.
‘أخيرًا جاءت الفرصة.’
ابتسمَ لوكاس بثقة إمبراطورية و طمأن كايدن:
“لا داعي للقلق. سأطلب من فرساني المباشرين المتخصّصين في العمليات السريّة البحث عنها بهدوء. في هذه الأثناء، يمكنكَ الانتظار في القصر أو قصر الدوق في العاصمة وأخذ قسط من الراحة…”
“الفرسان السريّون لن يفيدوا.”
“ماذا؟”
“ماريان سيّدة سيف. تحرّكاتهم السريّة قد تبدو مشبوهة لها وهي فاقدة لذكرياتها. إذا قرّرت الاختفاء عن عمد، لن نجدها أبدًا. لا يمكن أن يحدث ذلك.”
ذُهِـل لوكاس من شدّة كلام كايدن. لم يتوقّع أن يرى الدّوق بهذه الحالة اليائسة.
كان في كلامه منطق. التشكيك في قدرات فرسان الإمبراطور مؤلم، لكن أمام سيّدة سيف، سيكونون بلا جدوى. ألم يـرَ قوّة سادة السّيف بعينيه؟
سأل لوكاس بجديّة:
“يبدو أنّك فكّرتَ في خطة. ماذا تريد مني، يا دوق؟”
“انشر إعلانات المطلوبين.”
ظـنّ لوكاس أنّه سمعَ ذلكَ بشكلٍ خاطئ.
“ماذا؟”
قال كايدن دونَ تردّد:
“انشر إعلانات في العاصمة تقـدّم مكافأة مليار ذهبية لمَـنْ يجد ماريان…”
“لا، لا!”
قاطعه لوكاس بسرعة.
“حتى لو كان الأمر كذلك، إعلانات مطلوبين للدّوقة الكبرى؟ هل جننتَ؟”
“أنا بكاملِ قواي العقليّة. حتى لو حاولت ماريان الاختفاء، فإنّ المكافأة ستجذب المغامرين، و سيظهر شهود عيان من كلّ مكان. يجب أن نسـدّ طرق هروبها.”
تفاجأ لوكاس.
‘كأنّه يخطّط لعملية عسكرية!’
بالطبع، لمتابعة ماريان إذا قرّرت الاختفاء، يجب اتّخاذ مثل هذه الإجراءات. لكن الافتراض نفسه كان مبالغًا فيه.
وبّخـه لوكاس:
“تمالك نفسكَ، يا دوق! حتى لو لم تستعد ذاكرتها بعد، ماريان تابعة لفالتشتاين، و قد تعود قريبًا!”
“لكنها لم تغب عن البيت أسبوعًا من قبل.”
“في ذاكرتي، عندما كانت في العشرين، غادرت القصر واشترت منزلًا خاصًا بها!”
“حتى في ذلك الحين، كانت تخبرني قبل أن تغادر.”
لم يـرَ لوكاس الدوق، الذي بدا دائمًا هادئًا، مضطربًا بهذه الطّريقة من قبل.
لكن، كإمبراطور و صديق للدّوق و زوجته، لم يستطع السماح بتوزيع إعلانات مطلوبين للدوقة في شوارع العاصمة.
كان هذا يتعلّق بسمعة عائلة الدوق، و الأهم، إذا لم يمنعه الآن، سيلومه لاحقًا، خاصة ماريان.
هـزّ رأسه بحزم:
“إعلانات المطلوبين مرفوضة. لن أسمح بها.”
“جلالتك، لكن…”
“فكّر في الأطفال في الأكاديمية. كيف سيكون شعورهم و هم في سن المراهقة إذا رأوا إعلانات مطلوبين لوجه والدتهم مع مكافأة مليار ذهبية؟”
“أرسلتُ رسالة للأطفال قبل يومين.”
“ماذا؟”
“أخبرتهم أنّ ماريان فقدت ذاكرتها.”
“هذا شيء يجب أن يعرفوه. لكن إعلانات المطلوبين…”
“كتبتُ أنّني قد أضع مكافأة.”
“هاه…”
لم يكن في كامل قواه العقلية. شعر لوكاس بصداع قوي. في تلكَ اللحظة، سمع ضجيج خارج غرفة الاستقبال. عبسَ لوكاس قليلاً و سأل بصوت عالٍ:
“ما الذي يحدث؟!”
دخل رئيس الخدم بوجه محرج وفتح باب غرفة الاستقبال.
“أعتذر، جلالتك.”
“لماذا هذا الضجيج؟”
“مساعد الدّوق فالتشتاين أصـرّ على إيصال هذا الخبر…”
“ما الخبر؟”
“تـمّ العثور على السيدة ماريان مخمورة في حانة زالتس في المنطقة الثامنة…”
طق!
قبل أن ينهي رئيس الخدم كلامه، فتح كايدن نافذة غرفة الاستقبال و قفز من الطابق الثالث. لم يكن لديه وقت حتى للخروج من الباب.
لم يكن هذا سلوكًا يُظهـر أمام إمبراطور، لكن لوكاس تنهّـد مرّةً واحدة فقط. حتى الإمبراطور يجب أن يحذر أمام سيّد سيف ، خاصة أحدًا مثل كايدن الذي لا يرى شيئًا أمامه الآن.
‘على الأقل، وجدناها قبل أن ينشر إعلانات المطلوبين الغبية.’
التعليقات لهذا الفصل " 126"